تحية تقدير للنبوغ المصرى العظيم
تاريخ النشر: 7th, January 2026 GMT
فى بعض الأحيان ألوم على الإعلام فى مصر تجاهل انجازات أهل العلم والبحث والنبوغ، والسير وراء نجوم «التريند» المثيرين للجدل، ممن ينشدون لفت الأنظار، فيطرحون أفكارا سطحية غريبة طلبا للشهرة، ويطلقون مبادرات مغايرة للقيم والأخلاق، فيمثلون بذلك قدوة سيئة للمجتمع المصرى.
والمحزن فى الأمر أن المجتمع لا يعرف علماء كبار وعظماء لهم إسهامات عالمية عظيمة تستحق الذكر والثناء والتقدير، لأن الإعلام لم يسلط الأضواء عليهم، وتناساهم فى سعيه للبحث عن الأكثر رواجا.
وقد لفت نظرى مؤخرا تجاهل الرأى العام لخبرين سارين فى الأسبوع الماضى، إذ أعلنت مؤخرا الرابطة الدولية للجراحين وأطباء الجهاز الهضمى والأورام عن اختيار الجراح المصرى الدكتور محمد عبد الوهاب، رئيس فريق زراعة الكبد بجامعة المنصورة، رجل العام فى 2025 فى مصر والشرق الأوسط، تقديرا لمسيرته العلمية والمهنية خلال ثلاثة عقود. وهذا الرجل عرف بكونه رائدًا فى جراحة زراعة الكبد، حيث حقق نجاحات عظيمة جعلته ذا خبرة أكاديمية وبحثية واسعة لكافة المتابعين لأمراض الجهاز الهضمى فى العالم.
كما شهد الأسبوع الماضى أيضا اعلان فوز الدكتور المصرى نبيل صيدح، مدير وحدة أبحاث الغدد الصماء العصبية الحيوية فى معهد مونتريال للأبحاث السريرية، بجائزة نوابغ العرب عن فئة الطب لعام 2025. وقال الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات، رئيس مجلس الوزراء، وحاكم دبى، أن الدكتور صيدح قدّم إسهامات علمية رائدة فى فهم صحة القلب وتنظيم مستويات الكوليسترول، وركّز فى دراساته على العمليات الحيوية، التى تتحكم فى كيفية تعامل الجسم مع الدهون، وهو ما أسهم فى تطوير جيل جديد من الأدوية لخفض الكوليسترول وتقليل مخاطر أمراض القلب.
ولا شك أن هذا الإنجاز العظيم يبعث على الفخر، ويؤكد أن المصريين نبغاء بطبيعتهم ولديهم قدرة على التفوق والريادة فى مختلف المجالات العلمية، متى أتيحت لهم الفرص المناسبة، وهيئت لهم بيئة التحقق والنبوغ.
ومثل هذين المثالين العظيمين، هناك الكثير والكثير من المصريين العلماء الباحثين المتفوقين والمجتهدين فى شتى المجالات، والذين لا تلتفت إليهم وسائل الإعلام، ولا تهتم بأخبارهم وأنشطتهم مواقع التواصل الاجتماعى.
لقد تصور البعض أن مصر خرجت من سباق النبوغ والتميز العلمى بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية التى مرت بها خلال السنوات الأخيرة، لكن الواقع أثبت عكس ذلك تماما، فالمصريون فى كل مكان يؤكدون كل يوم نبوغهم وريادتهم واستحقاقهم التميز فى مختلف العلوم.
وهناك طاقات عظيمة، وابداعات مُدهشة، ومواهب معجزة تنتظر الاهتمام الإعلامى، وتحتاج التشجيع الرسمى، والتقدير الحكومى. وفى ظنى، فإن مثل هذا الاحتفاء والتقدير يُرسخ فى نفوس الشباب من الأجيال الجديدة القدوة الحقيقية، ويطرح أمامهم النماذج الحية الجديرة بالمحاكاة فى عصر يسابق فيه الإنسان الآلات، وتنافس فيه العقول البشرية، الذكاء الاصطناعى فى سبيل تشكيل عالم جديد سريع متطور وأكثر رخاء.
فمصر دوما تستحق الريادة والبزوغ، ومنذ فجر التاريخ، والمصريون نبغاء ونجباء، شيدوا صروح العلوم والفنون وتركوا للإنسانية إرثا حضاريا عظيما لا يُمكن إنكاره أبدا.
فسلام على الأمة المصرية.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: هانى سرى الدين
إقرأ أيضاً:
نكسة الخيانة والغرور
يؤلمنى يونيو.. يوجعنى.. يثير أحزانى.. يمزق قلبى.. وأتصور أنه يثير نفس الآلام عند ملايين المصريين..
يونيو هو شهر الخيانة.. شهر الغدر.. شهر الغرور.. شهر العنجهية الكاذبة!
يونيو شهر سقط فيه 11 ألفًا من الضباط والجنود المصريين شهداء.. بعضهم عطشاً، وبعضهم برصاص الغدر، وبعضهم دفن حياً فى رمال سيناء الساخنة!.. بلا ذنب اقترفوه ولا خطأ ارتكبوه!
يونيو شهر أصيب فيه عشرات الآلاف من الضباط والجنود، وسقط الآلاف منهم فى أسر الإسرائيليين، شهر تم فيه تدمير ما يقارب من 80% من عتاد الجيش المصرى، منها: نحو 90% من الطائرات الحربية المصرية، وقرابة 450 دبابة (من أصل 900 دبابة كان يمتلكها الجيش المصرى وقتها) ونحو 480 مدفعاً، وكتائب صواريخ الدفاع الجوى (سام)، ونحو 10 آلاف عربة عسكرية.. كما تم تدمير 17 منشأة صناعية كبرى فى مدن القناة (بورسعيد، الإسماعيلية، والسويس)، وتدمير معامل تكرير البترول فى السويس، ما أدى إلى تهجير قرابة مليون مواطن مصرى من مدن القناة إلى محافظات مصر الداخلية، واستولت إسرائيل على حقول النفط المصرية فى سيناء (مثل حقل بلاعيم وأبورديس)، وقامت بنهب واستغلال ثرواتها البترولية والمعدنية.. كل ذلك حدث فى يونيو.
وفى يونيو خسرنا أرض القمر.. خسرنا سيناء بالكامل (نحو 60 ألف كيلومتر مربع، أى 6% من مساحة مصر الإجمالية).
والذى سبب لنا كل هذه الفظائع فى شهر واحد.. وأثار فينا كل تلك الأحزان التى لن يمحوها الزمان، يمكن تلخيصه فى حرفين اثنين «الخاء» و«الغين».. ومن "الخاء" كانت "الخيانة" ومن "الغين" كان "الغباء» و«الغرور» والعنجهية المزيفة!
والخيانة واضحة فى أكثر من مشهد من مشاهد نكسة يونيو.. فإسرائيل اختارت توقيت عدوانها صبيحة 5 يونيو فى نفس الموعد المحدد لتناول الطيارين إفطارهم، ووقتها تكون كل الطائرات المصرية راقدة فى مطاراتها فيكون تدميرها سهلاً ميسوراً.. ولا يمكن أن يكون ذلك صدفة!
والخيانة واضحة أيضاً فى صدور أمر عسكرى بوقف إطلاق نار الصواريخ والمضادات الأرضية المصرية يوم 5 يونيو لضمان سلامة طائرة المشير عبدالحكيم عامر المتجهة إلى سيناء صباح 5 يونيو.. وفى هذا التوقيت وقع العدوان الإسرائيلى!.. ولا يمكن أن يكون ذلك صدفة!
والخيانة واضحة أيضاً فى تجميع كل قادة الوحدات العسكرية فى سيناء ليكونوا فى استقبال المشير عبدالحكيم عامر عندما يصل إلى سيناء صباح 5 يونيو.. وهو ما يعنى أن العدوان الإسرائيلى وقع وجميع الوحدات العسكرية المصرية فى سيناء بلا قيادة.. ولا يمكن أن يكون ذلك مجرد صدفة!
والخيانة أو الغباء تجسد فى إصدار قرار بالانسحاب العام من سيناء عبر "اتصال لاسلكى شفهى وغير مشفر"، والقوانين العسكرية تعتبر إرسال خطة انسحاب عشوائية بدون تحديد محاور تراجع أو تأمين خلفى بمثابة "تخلٍّ متعمد عن القوات" وتركها للإبادة تحت رحمة طيران العدو، وهو ما تسبب فى النسبة الأكبر من الشهداء.
وقد كشفت تحقيقات المخابرات المصرية لاحقاً عن زرع إسرائيل أجهزة تجسس متطورة، والاستعانة بعملاء محليين رصدوا بدقة تحركات الألوية والفرق المدرعة المصرية وتوقيتات تبديل النوبات بين الضباط!
والغرور والعنجهية الكاذبة كانا أكثر تجسيداً فى يونيو 1967، وهو ما قاله صراحة كثير من القادة والسياسيين المصريين فى مذكراتهم.. فالمشير محمد عبدالغنى الجمسى- وزير الدفاع الأسبق ورئيس العمليات فى حرب أكتوبر– اعتبر فى مذكراته أن القيادة السياسية قامت بمغامرة غير مدروسة سياسياً وعسكرياً بإغلاق مضائق تيران وسحب قوات الطوارئ الدولية فى مايو 1967 دون استعداد كافٍ، وأكد بمرارة أن الجيش المصرى لم يكن مستعداً إطلاقاً للمعركة؛ حيث رصد نقصاً حاداً فى الأسلحة الصغيرة بنسبة 30%، والمدفعية بنسبة 24%، فضلاً عن النقص الحاد فى أعداد الطيارين المقاتلين والتحصينات الأرضية للمطارات.
والفريق أول محمد صادق- مدير المخابرات الحربية ووزير الحربية الأسبق- شدد فى مذكراته على أن القوات البرية فى سيناء كانت «بريئة» من الهزيمة، وكانت قادرة تماماً على الصمود والقتال لولا الأوامر المتخبطة، وألقى باللوم المباشر على قرار الانسحاب العشوائى الذى صدر فجأة دون خطة تراجع منظمة، ما حوَّل المعركة إلى كارثة حقيقية وسهَّل مهمة الطيران الإسرائيلى.
وأمين هويدى- وزير الحربية ورئيس المخابرات العامة الأسبق- أوضح فى كتابه «حرب 1967 أسرار وخبايا» أن الجيش كان ضحية لقيادته العسكرية، وقال إن «جنرالات عبدالناصر» انشغلوا بالصراعات الداخلية على السلطة والنفوذ بدلاً من دراسة تطورات الحرب الحقيقية!
والفريق سعد الدين الشاذلى- رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق- أشار فى شهاداته عن نكسة يونيو إلى الارتباك التام فى مركز القيادة بالقاهرة؛ حيث صدرت أوامر متناقضة للقوات فى الميدان (مثل التحرك للهجوم ثم الارتداد فوراً للانسحاب)، ما تسبب فى انهيار الاتصالات وضياع السيطرة الميدانية على الوحدات المقاتلة.
وتبقى النقطة المضيئة الوحيدة فى نكسة يونيو هى صمود الشعب المصرى الذى ظهر معدنه الأصيل وأبدى صموداً اسطورياً فى مواجهة الهزيمة، ورفع رأسه للسماء رغم أن جبهته كانت تنزف دماً وألماً ومرارة، وتحمل ما لا يتحمله إلا شعب من الأبطال، وأصر على أن يرد للإسرائيليين الصاع صاعين وحرر أرضه من دنسهم.