يقدِّم جناح الأزهر الشريف بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، في دورته الـ 57، لزوَّاره العدد الثاني من مجلة "الحكمة الإسلامية"، من إصدارات مركز الإمام الأشعري بالأزهر الشريف، يضم تسعة أبحاثٍ علميَّة محكَّمة، لكلٍّ منها إسهامه في إثراء ساحة البحث الإسلامي وتجديد أدوات النظر والاستدلال.

وفي هذا العدد من مجلة "الحكمة الإسلامية"، تجلِّي التكامل المعرفي بين علوم العقيدة والفقه والفلسفة الإسلامية والتاريخ العقدي والفكر المقارن؛ حيث تتناول بحوث هذا العدد رحلة الإمام الغزالي للبحث عن اليقين، ومناقشة فلسفة الثوابت والمتغيرات في التشريع الإسلامي، وإيضاح منزلة علم الكلام بين العلوم، مرورًا بمنهج السلف وعقيدتهم، وغيرها من الموضوعات.

وإذا ما انتقلنا إلى البِنية الداخلية للعدد، فإنَّ البحث الأول يقدِّم قراءة معمَّقة لتجربة الغزالي المعرفية والروحية، حيث جاء بعنوان: الإمام الغزالي والبحث عن اليقين لفضيلة الأستاذ الدكتور حسن الشافعي، يكشف فيه المؤلف عن منهج الغزالي في توحيد مصادر اليقين: العقل، والنَّص، والذوق، والخبر، ويخلص إلى أنَّ يقين الغزالي لم يكن هروبًا من الواقع، وإنَّما تأسيس لمشروع تجديدي يجمع البرهان العقلي والهداية الإلهية، لتجاوز جمود التفكير الديني.

ويناقش فضيلة الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، في البحث الثَّاني من العدد، فلسفة الثوابت والمتغيِّرات في التشريع الإسلامي فيسرد منهجًا دقيقًا لتمييز القطعيات الثابتة من المتغيرات الاجتهاديَّة، بما يحفظ هوية الشَّريعة ويضمن فاعليتها الحضاريَّة، ويبرهن أنَّ أي إخلال بهذا التوازن -بتحويل المتغيِّرات إلى قطعيات، أو تفريغ الصلب العقدي من ثوابته- يفضي إلى تِيهٍ فقهي وخللٍ قيمي، لافتًا إلى أنَّ المنهج الأصولي المقاصدي هو الحارس لهذه المعادلة الدَّقيقة.

ويلقي البحث الثَّالث من العدد الضوء على القراءات القرآنيَّة المتواترة وعلاقتها بصفة الكلام، بقلم الأستاذ الدكتور محمد يسري جعفر، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، تتبَّع فيه الموقفيْنِ الأشعري والتيمي من صفة الكلام، مُبرزًا أن تعدُّد القراءات لا يعني تعدُّد الكلام الإلهي، بل يندرج تحت التِّلاوة البشريَّة للكلام الأزلي القائم بذات الله تعالى، ويؤكِّد البحث أنَّ الأشاعرة هم الامتداد الأصيل لمنهج السلف في هذا الباب، وأنَّ الجمع بين علم القراءات وعلم الكلام يكشف عن وحدة البناء المعرفي للعلوم الشرعيَّة.

وتحت عنوان: السَّلف والسلفيَّة منهجًا وعقيدة، يأتي البحث الرابع من العدد، بقلم الدكتور عبد الرحمن محمد المراكبي، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، فيميِّز بعمق بين مفهوم "السلف" من جهةٍ، و"السلفيَّة" من جهةٍ أخرى، وينقد الادعاءات الحديثة بنسبة السلفيَّة لمذهب الإمام أحمد بن حنبل، ويؤكِّد أنَّ منهج السلف العقدي يقوم على التَّنزيه والتَّفويض المنضبط، لا على التَّجسيم والظاهريَّة، مع الإشارة إلى وجود قدر من التأويل المشروع بضوابطه العلمية عند السلف.

ويكشف الدكتور عبد الفتاح العواري، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر، في البحث الخامس، عن منزلة علم الكلام بين العلوم، فيؤكِّد مركزيَّة علم الكلام بوصفه أصلًا حاكمًا، وعلمًا أعلى للعلوم الإسلامية، وأنَّه ضرورة لفهم نصوص الوحي وتفسيرها على الوجه الصحيح، ويُظهر البحث كيف استعان كبار المفسرين بأدواته لفهم الآيات العقدية، وأنَّ علم الكلام لا يُقحم على النَّص، بل يُستخرج منه بمنهج علمي راسخ يحقِّق اليقين ويحفظ التنزيه.

ويتوقَّف البحث السادس من العدد عند مسألة نعيم الجنة بين المعتقد الديني والتصورات البشرية، بقلم الدكتورة سونيا لطفي الهلباوي، أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد بجامعة الأزهر، فيحلِّل البحث تنوُّع تصورات البشر لنعيم الجنة، وكيف يخاطب الوحيُ الفطرة الإنسانية بكل مستوياتها: الحسيَّة، والعقليَّة، والروحيَّة، مع ترك حقيقة النعيم النهائية لله وحده، ويبيِّن أن اختزال الجنَّة في صورة واحدة سببه تصورات بشرية، لا النصوص الدينيَّة التي وَسِعَت كل تلك المعاني.

ويفنِّد البحث السابع دعوى عدم أشعريَّة أبي بكر الإسماعيلي، بقلم الدكتور قدري الديب، أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد بجامعة الأزهر، إحدى دعاوي السلفية المعاصرة بأنَّ الإسماعيلي لم يكن أشعريًّا، ويقدِّم التَّحليل النصي والأدلة التاريخية التي تثبت اندراجه ضمن أوائل طبقات الأشاعرة، ويبيِّن أنَّ تصريحاته في بعض المسائل لا تخرج عن منهج الأشاعرة، بل تؤكِّد التزامه بأصولهم العقدية في التنزيه وصفات الإله والرؤية وكلام الله عزَّ وجلَّ.

وأمَّا البحث الثامن، وهو بحث باللغة الإنجليزية، فيأتي تحت عنوان علم الكلام المقارن وفهم الديانات الأخرى، للأستاذ الدكتور دين محمد، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة، يبرز فيه أهمية هذا العلم في الحوار الديني المعاصر، وفي الفَهم الموضوعي للديانات الأخرى، بعيدًا عن التحيز العقائدي أو القراءات الاستشراقيَّة، ويقدِّم منهجًا عمليًّا لتدريس الكلام المقارن، موجهًا ومستفيدًا في الوقت نفسه من الدوائر الأكاديمية الإسلامية وغير الإسلامية.

وأمَّا البحث التاسع والأخير من الكتاب، وهو بحث باللغة الفرنسيَّة، فإنه يتناول مسألة القدر والكسب عند الأشاعرة وأثرهما على النَّزعات الجبرية، بقلم الأستاذ الدكتور كمال جاد الله، أستاذ اللغة الفرنسية المساعد بجامعة الأزهر، يتناول الادِّعاء الشائع بأنَّ نظرية الكسب الأشعريَّة تفضي إلى الجبر وتُنتج ذهنيةً مستسلمةً غير فاعلة، وهي دعوى رُوِّج لها في بعض الدراسات الغربية. 

ويعرض البحث تحليلًا للمصطلحات المرتبطة بالكسب، وعلى رأسها مفهوم العدالة الإلهيَّة (الثيوديسيا)، ليبيِّن أنَّ الكسب ليس ضربًا من الجبر المستتر، بل هو تقرير لمسؤوليَّة الإنسان الأخلاقية ضمن نطاق القدرة المخلوقة، وأنَّ النظرية الأشعريَّة تُثبت التكليف وتدفع شبهة السلبية المنسوبة إلى الفكر الإسلامي.

ويشارك الأزهر الشريف- للعام العاشر على التوالي- بجناحٍ خاصٍّ في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ 57، وذلك انطلاقًا من مسؤوليَّة الأزهر التعليميَّة والدعويَّة في نشر الفكر الإسلامي الوسطي المستنير الذي تبنَّاه طيلة أكثر من ألف عام.

ويقع جناح الأزهر بالمعرض في قاعة التراث رقم (4)، ويمتد على مساحة نحو ألف متر، تشمل عدة أركان، مثل قاعة الندوات، وركن للفتوى، وركن الخط العربي، فضلًا عن ركن للأطفال والمخطوطات.

طباعة شارك معرض الكتاب الأزهر مجلة الحكمة الإسلامية

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: معرض الكتاب الأزهر مجلة الحكمة الإسلامية الحکمة الإسلامیة بجامعة الأزهر علم الکلام ة الأزهر من العدد منهج ا

إقرأ أيضاً:

بعد 80 عاما من الحيرة.. الذكاء الاصطناعي يكسر واحدة من أشهر ألغاز الرياضيات| ما القصة؟

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتنفيذ المهام الحسابية أو تحليل البيانات، بل بدأ يقتحم أحد أكثر المجالات تعقيداً في التاريخ العلمي وهو عالم الرياضيات النظرية.

«جوجل» تطلق رسمياً نموذج الذكاء الاصطناعي «Gemini Spark Ultra» في أمريكاقمة أستانا.. قادة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي يناقشون الذكاء الاصطناعي والأسواق الرقميةبوتين: روسيا قادرة على تطوير ذكاء اصطناعي سيادي.. ونمتلك مزايا تنافسية بالطاقة والتقنياتنواة للذكاء الاصطناعي وصناعات دفاعية متطورة.. وزير الإنتاج الحربي يكشف ملامح خطة تحديث الأسلحة والمعداتهواوي تطلق وحدة تخزين خارقة بسعة 122 تيرابايت لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعيطوق ذكي مدعوم بالذكاء الاصطناعي لترجمة أصوات ومشاعر الحيوانات الأليفة

وفي إنجاز أثار دهشة الأوساط الأكاديمية، نجح أحد نماذج الذكاء الاصطناعي في حل مسألة رياضية استعصت على كبار العلماء لعقود طويلة، فيما وصفه خبراء بأنه نقطة تحول قد تعيد رسم حدود العلاقة بين الإنسان والآلة.

إنجاز غير مسبوق في عالم الرياضيات

شهدت قدرات الذكاء الاصطناعي تطوراً متسارعاً خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقلت من التعامل مع مسائل رياضية بسيطة إلى معالجة تحديات معقدة في مجالات متقدمة مثل الهندسة التوافقية ونظرية الأعداد الجبرية.

لكن المفاجأة الكبرى جاءت عندما تمكن نموذج تابع لشركة AI من حل لغز رياضي شهير يُعرف باسم "مسألة المسافة الواحدة"، وهي مسألة ظلت محط اهتمام علماء الرياضيات لما يقرب من 80 عاماً دون التوصل إلى حل نهائي لها.

دهشة بين كبار علماء الرياضيات

أثار هذا الإنجاز ردود فعل واسعة داخل المجتمع العلمي واعتبر عدد من الباحثين أن ما حدث يمثل أول نتيجة رياضية مهمة يتوصل إليها الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل بالكامل، دون تدخل بشري مباشر في عملية الاستدلال أو البرهنة.

ويرى متخصصون أن هذه الخطوة قد تمثل بداية مرحلة جديدة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي شريكاً حقيقياً للباحثين في اكتشاف النظريات الرياضية وتطويرها، بدلاً من الاكتفاء بدور المساعد التقني.

ما هي "مسألة المسافة الواحدة"؟

تعود جذور هذه المسألة إلى عام 1946 عندما طرحها عالم الرياضيات المجري الشهير بول إردوش، أحد أبرز العلماء في تاريخ الرياضيات.

وتقوم الفكرة ببساطة على التساؤل التالي إذا تم توزيع عدد كبير من النقاط على سطح مستوي، فما أكبر عدد ممكن من أزواج النقاط التي تفصل بينها مسافة تساوي وحدة واحدة فقط؟

واقترح إردوش آنذاك ترتيباً معيناً للنقاط يحقق عدداً كبيراً من هذه الأزواج، وافترض أن أي ترتيب آخر لن يتمكن من تحقيق نتائج أفضل بكثير.

الذكاء الاصطناعي ينقض فرضية عمرها عقود

بدلا من محاولة إثبات صحة الفرضية كما فعل معظم الباحثين عبر العقود الماضية، اتبع نموذج الذكاء الاصطناعي مساراً مختلفاً تماماً. 

فقد تمكن من العثور على ترتيب جديد للنقاط يحقق نتائج أفضل من الترتيب الذي اقترحه إردوش، ما يعني عملياً أن الفرضية الأصلية لم تكن صحيحة بالشكل الذي اعتُقد سابقاً.

هذا النهج غير التقليدي هو ما جعل الحل مثيراً للاهتمام، إذ كشف عن إمكانية الوصول إلى نتائج جديدة من خلال استكشاف مسارات فكرية لم تكن مطروقة من قبل.

مراجعات دقيقة للتأكد من صحة الحل

في البداية، لم يصدق الباحثون النتيجة التي توصل إليها النموذج، فخضع البرهان لسلسلة طويلة من عمليات المراجعة والتدقيق وتم الاستعانة بخبراء مستقلين، إلى جانب أدوات ذكاء اصطناعي أخرى للتحقق من صحة الاستنتاجات.

وبعد فحص مكثف، أكد المختصون أن البرهان يبدو سليماً من الناحية الرياضية، ما منح الإنجاز مصداقية كبيرة داخل الأوساط العلمية.

هل يبدأ عصر جديد في البحث العلمي؟

يُنظر إلى هذا التطور باعتباره مؤشراً على التحول الكبير الذي يشهده الذكاء الاصطناعي في مجالات البحث والاكتشاف العلمي فبعد أن كان دوره يقتصر على المساعدة في الحسابات والتحليل، أصبح قادراً على تقديم أفكار وحلول جديدة لمسائل استعصت على البشر لعقود.

ومع استمرار تطور هذه النماذج، يتوقع خبراء أن يشهد العالم خلال السنوات المقبلة مزيداً من الاكتشافات الرياضية والعلمية التي قد تحمل توقيع الذكاء الاصطناعي إلى جانب العلماء البشر.

طباعة شارك الذكاء الاصطناعي مجالات البحث والاكتشاف العلمي ai الرياضيات البحث العلمي

مقالات مشابهة

  • وظائف بعض الكتاب
  • "رحلة العائلة المقدسة في الفن العالمي".. بالعدد الجديد من مجلة "مصر المحروسة"
  • بمليون و916 ألف جنيه.. «الكلام على إيه» يحتفظ بالمركز الثاني بإيرادات أفلام عيد الأضحى 2026
  • إيرادات فيلم الكلام على إيه تقترب من 2 مليون جنيه أمس
  • سلطنة عُمان تحتفل باليوم العالمي للتجارب السريرية
  • الفري يفتتح معرض الكتاب 52 في الرابطة الثقاقية  من طرابلس الى الوطن: الكتاب رسالة صمود
  • ميداوي: 14 مادة جديدة لتنظيم البحث العلمي ورفع منح الدكتوراه من 40 إلى 70%
  • أساطيل الحرية في مواجهة الاحتلال.. مجلة أمريكية تستعرض تاريخ الاعتراضات
  • انفراجة جديدة في الزمالك.. "فيفا" يرفع إحدى قضايا إيقاف القيد ويقلص العدد إلى 17
  • بعد 80 عاما من الحيرة.. الذكاء الاصطناعي يكسر واحدة من أشهر ألغاز الرياضيات| ما القصة؟