أميمة بوخليفي **

 

ليست كرة القدم مجرد لعبة، ولا كأس العرب مجرد بطولة عابرة في ذاكرة الرياضة، بل أصبحت اليوم صناعة وفناً، فما يبدأ في المدرجات وينتقل عبر الشاشات، يتسلل أثره بهدوء إلى المجتمع والاقتصاد، في صورة لا تقاس دائماً بالأرقام، لكنها تلمس السلوك والثقة والمزاج العام.

اجتماعيا تشكل البطولة مساحة إنسانية خالصة للالتقاء والفرح الجماعي؛ حيث يجتمع الجمهور بمختلف اللهجات وألوان أعلام متباينة في أجواء عربية موحدة، تتشارك فيها الجماهير قيم واحدة: الفرح، الاحترام، الروح الرياضية، وقبول الآخر.

ففي زمن تتصارع فيه الفردانية ويزداد فيه الشعور بالضغط النفسي جاءت البطولة كمساحة مشتركة للفرح والتفاعل العفوي بين الناس دون حواجز أو شروط. كما أعادت البطولة إحياء الروابط الاجتماعية، فالمقاهي تحولت إلى فضاءات للتواصل، والحديث عن الكرة صار لغة مشتركة بين الغرباء، البيوت اجتمعت حول الشاشات، فهذا التفاعل الاجتماعي البسيط في ظاهره العميق في أثره، أعاد الدفء للعلاقات الإنسانية وخلق شعورا عاما بالمشاركة والانتماء. كما لعبت البطولة دورا في نقل القيم الإنسانية، فالانضباط والالتزام، العمل الجماعي، احترام الخصم والقواعد وقبول الخسارة قبل الفرح بالفوز كلها عناصر تربوية تمرر دون خطاب مباشر، تكتسب بالمشاهدة والتفاعل وتترسخ حين تتحول اللحظة الرياضية إلى تجربة شعورية مشتركة.

اقتصاديًا لم تكن البطولة أقل حيوية، فهذا الحدث الرياضي حرك معه سلسلة واسعة من الأنشطة فالمقاهي عرفت نشاطا استثنائيا، ووسائل النقل شهدت حركة إضافية والإعلام عاش ذروة في نسب المتابعة والإعلانات، حتى التجارة المرتبطة بالحدث من الأعلام إلى القمصان، ومن الوجبات السريعة إلى الخدمات المرتبطة بالمشاهدة، انتعشت بشكل واضح. ولا يمكن إغفال الأثر السياحي لهذا الحدث، من خلال إبراز صورة إيجابية عن المنطقة، من حيث التنظيم والحضور الجماهيري والتفاعل الحضاري، وهي صورة تبقى راسخة في الذاكرة، وتساهم في بناء الثقة وتعزيز جاذبية المكان.

في ضوء هذا النجاح الكبير لكأس العرب، يطرح تصور لإقامة بطولة أولمبياد عربية متعددة الرياضات، تمنح للشباب العربي منصة للتنافس والتلاقي، مما يعزز روح التواصل والتعاون ويكرس الرياضة كأداة للتنمية الاجتماعية والثقافية.

في المحصلة، تبرز بطولة كأس العرب أن الرياضة ليست هامشا في حياة المجتمعات، بل فضاءً تتقاطع فيه القيم الإنسانية مع الدينامية الاقتصادية، فمن المدرجات إلى المجتمع تمتد آثار البطولة لتؤكد أن كرة القدم، حين تقرأ بعمق، هي لغة جامعة ومحرك اجتماعي ورافعة اقتصادية لا يستهان بها.

** كاتبة وباحثة تنموية من المغرب

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

«مجرى» يطلق حملة «المسؤولية المجتمعية قول وفعل»

دبي (الاتحاد)

أطلق مجرى، الصندوق الوطني للمسؤولية المجتمعية، حملة تحت شعار «المسؤولية المجتمعية قول وفعل»، لتسليط الضوء على نماذج المسؤولية المجتمعية وأفضل الممارسات والمبادرات ذات الأثر المستدام في مختلف القطاعات، في خطوة تعكس توجه دولة الإمارات نحو ترسيخ «اقتصاد الأثر» وتعزيز المسؤولية المجتمعية، والمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة، والاستدامة، باعتبارها عناصر استراتيجية تدعم استدامة الأعمال، وتعزز القيمة الوطنية، وتسهم في بناء مستقبل مستدام قائم على التعاون والشراكات الفاعلة.
وتأتي الحملة في ظل التحولات العالمية المتسارعة التي أعادت تعريف مفهوم المسؤولية المجتمعية، لتنتقل من إطار المبادرات الموسمية أو الخطاب المؤسسي أو الأعمال الخيرية، إلى «ممارسة فعلية للأثر» ترتبط بقدرة المؤسسات على تحقيق «أثر موثوق» و«أثر قابل للقياس» ينعكس على المجتمع والاقتصاد والبيئة والثقافة والتراث والفنون والرياضة، لما لهذه المواضيع من أولوية في أجندات وطنية. وبذلك، تسعى الدولة إلى تعزيز مرونة الأعمال وقدرتها على النمو والتنافسية.
وتركز الحملة على مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، أبرزها رفع الوعي بمفهوم المسؤولية المجتمعية وربطه بـ«الأثر الموثوق» و«الأثر القابل للقياس»، ودعم مستهدف دولة الإمارات للوصول إلى مساهمة تعادل 1% من إجمالي الدخل الوطني بحلول عام 2031، إلى جانب تعزيز مشاركة 50% من الشركات الكبرى ضمن منظومة «مجرى».
وانطلاقاً من هذا التوجه، تسعى الحملة إلى ترسيخ مفهوم «الأثر ممارسة واقعية»، الذي يربط نجاح الشركات الخاصة في الدولة بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة، تتواءم مع الأولويات الوطنية وأولويات التنمية المستدامة لدولة الإمارات.
وأكدت سارة شو، المدير التنفيذي لـ«مجرى»، أن دولة الإمارات رسخت نموذجاً عالمياً متقدماً في العمل المشترك وتعزيز الشراكات متعددة القطاعات، مشيرة إلى أن المسؤولية المجتمعية أصبحت اليوم عنصراً استراتيجياً يرتبط باستدامة الأعمال واستقرار المجتمعات وقدرة المؤسسات على قيادة الأثر في اقتصاد المستقبل.

أخبار ذات صلة الإمارات: نهج ثابت في محاربة التطرف والإرهاب الإمارات: السلام الحقيقي لا يتحقق في ظل انتهاك سيادة الدول

مقالات مشابهة

  • «مجرى» يطلق حملة «المسؤولية المجتمعية قول وفعل»
  • بلجيكا تهزم كرواتيا بثنائية استعدادًا لكأس العالم 2026
  • إسبانيا تضع صور البابا لاوون الرابع عشر على عربات المترو
  • حضور إيطالي غير مسبوق في صراع التأهل لنصف نهائي بطولة فرنسا
  • المقاولون يفتح أبوابه لاكتشاف المواهب .. انطلاق اختبارات قطاع الناشئين السبت
  • كاسيميرو: البرازيل ليست المرشح الأول لكأس العالم 2026 رغم القوة والطموح
  • منتخب تونس يستعد لكأس العالم 2026 بطموحات تاريخية.. النسور تبحث عن إنجاز غير مسبوق
  • شباب عُمان ينافسون في بطولة أدوبي العالمية للتصميم بأمريكا
  • محمد الساعدي يحصد جائزة الروح الرياضية في بطولة BAL 2026
  • بـ «الروبوتات» و«البلاي ستيشن».. الأنبا مينا يفتتح النادي الصيفي بكاتدرائية العذراء ببرج العرب