مسافة السفر التي يُشرع معها الأخذ برخصة قصر الصلاة
تاريخ النشر: 14th, January 2026 GMT
قالت دار الإفتاء المصرية إن مسافة السفر التي يُشرع معها الأخذ برخصة قصر الصلاة الرباعية المكتوبة -هي ثمانيةٌ وأربعون ميلًا بتقدير الفقهاء، وتبلغ بالتقدير المعاصر نحو (80.640) كيلومترًا تقريبًا، فمن شَرَع في سفرٍ تبلغ مسافتُه هذا المقدارَ أو أكثرَ شُرِع له الأخذ برخصة قصر الصلاة المكتوبة فيه.
الحكمة من مشروعية قصر الصلاة
وأوضحت الإفتاء أن اللهُ تعالى اختص أمةَ الإسلام بجملةٍ من الرُّخَص والتخفيفات، رحمةً بعباده، وتيسيرًا عليهم، ورفعًا للحرج، ودفعًا للمشقة، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: 6].
قال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (12/ 100، ط. دار الكتب المصرية): [قوله تعالى: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: مِن ضيقٍ.. وهي مما خصَّ الله بها هذه الأمَّة] اهـ.
وقال الإمام الشاطبي في "الموافقات" (1/ 541، ط. دار ابن عفان): [رَفعُ الحَرَج عن المكلَّفين إنما هو مِن خصائص الشريعة الإسلامية الغَرَّاء، وهو مقصود الشارع في الكُلِّيَّات، فلا تَجِدُ كُلِّيَّةً شرعيةً مكلَّفًا بها وفيها حَرَجٌ كُلِّيٌّ أو أَكثَرِيٌّ البَتَّة] اهـ.
ومن القواعد الفقهية الكبرى التي عليها مدار الفقه الإسلامي: أن "المشقة تجلب التيسير".
قال الحافظ السيوطي في "الأشباه والنظائر" (ص: 77، ط. دار الكتب العلمية): [قال العلماء: يتخرَّج على هذه القاعدة جميع رخص الشرع وتخفيفاته. واعلم أنَّ أسباب التخفيف في العبادات وغيرها سبعة: الأول: السَّفَر] اهـ.
وأضافت الإفتاء أن الله تعالى شُرِعَ قَصرُ الصلوات المكتوبة للمسافر، حيث قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: 101].
وعن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فقد أمِن الناس، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فقال: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيكُم، فَاقبَلُوا صَدَقَتَهُ» أخرجه الإمام مسلم.
السبب في عدم إناطة مشروعية قصر الصلاة للمسافر بالمشقة
وأكدت الإفتاء أن مشروعيةُ قصرِ الصلاة للمسافر إنما تُناطُ بمسافةِ السَّفر لا بالمشقَّةِ الحاصلةِ فيه؛ لانضباطِ المسافةِ دون المشقَّة، إذ المشقَّةُ تتفاوت باختلاف الأشخاص والأحوال، فإذا قصد المكلَّف سفرًا تبلغ مسافتُهُ حدَّ القصر شُرِع له التَّرخُّص به، لحِقَته مشقَّةٌ في السَّفر أو لم تلحقه.
قال الشيخ محمد بن علي بن حسين مفتي المالكية بمكة المكرمة في "تهذيب الفروق" (2/ 175، ط. عالم الكتب): [المشقة في السَّفَر لم يُنَط بها الحكم الذي هو قصر الصلاة؛ لعدم انضباطها؛ لاختلافها باختلاف الأشخاص والأحوال، وإنما أُنيط بمسافة القصر] اهـ.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الصلاة إتقان الصلاة أثناء الصلاة قصر الصلاة
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..