ليست الأزمة الإيرانية مجرد اختلالات اقتصادية عابرة أو تراجع في قيمة العملة، بل هي نتاج تراكمي لبنية اجتماعية مأزومة تتقاطع فيها الديموغرافيا مع الاقتصاد والهوية والجغرافيا. فالدول لا تدخل مراحل الاضطراب الكبرى حين تضعف السلطة وحدها، بل حين تفقد الفئات الاجتماعية الفاعلة إحساسها بالجدوى، ويتحوّل السؤال من تحسين شروط العيش إلى التشكيك في معنى النظام ذاته.

في حالة إيران، تتجاور معدلات تضخم مرتفعة مع ركود طويل الأمد، فتتآكل القدرة الشرائية وتضيق فرص العمل، بينما تتراكم الضغوط على الفئة العمرية الأكثر إنتاجًا. هذه الفئة، الممتدة تقريبًا بين منتصف العشرينات ومنتصف الأربعينات، يفترض أن تكون عماد الاستقرار الاجتماعي، لكنها وجدت نفسها عالقة بين طموحات مؤجَّلة وواقع اقتصادي مسدود.

الفئة المنتِجة بين الذروة العمرية والفراغ الاقتصادي

من منظور تحليلي، تُعدّ هذه المفارقة أخطر من الفقر التقليدي. فالفقر قد يُحتمل حين يكون مؤقتًا أو موروثًا، أما الإحباط لدى فئات متعلّمة أو شبه متعلّمة، عاجزة عن تحويل سنوات العمل إلى استقرار، فيُنتج وعيًا احتجاجيًا صامتًا لا يحتاج إلى قيادة مركزية كي ينتشر. هنا لا يكون الاحتجاج صخبًا عابرًا، بل حالة تراكمية تتغذّى من تفاصيل الحياة اليومية.

حين لا يكون اسم الحاكم هو المشكلة: درس باريس 1968

تُظهر المقارنة التاريخية مع ثورة الغضب في باريس، مايو 1968، منطقًا كاشفًا. لم يكن المحتجّون آنذاك معنيين بإسقاط شخص الجنرال شارل ديجول بقدر ما كانوا يرفضون منظومة كاملة بدت جامدة ومتعالية على التحولات الاجتماعية. لم يكن السؤال: من يحكم؟ بل: لماذا نعيش داخل نظام لا يعكس إيقاع المجتمع؟

هذا المنطق يتكرّر اليوم في الحالة الإيرانية. فالغضب الاجتماعي لا يتمحور حول أسماء بعينها في هرم السلطة، ولا حول المقارنة بين أنظمة ما قبل الثورة وما بعدها. الفارق بين دولة يحكمها ديجول أو نظام تشكّل بعد روح الله الخميني ليس جوهر الأزمة. الإشكال الحقيقي هو شعور جمعي بأن النظام—أيًّا كان اسمه أو شعاره—لم يعد قادرًا على تمثيل تطلعات المجتمع أو دمج طاقاته.

شهادة ميدانية: احتجاجات المنفى ولغة التهميش

خلال إقامتي في عدد من البلدان الأوروبية، جمعتني الصدفة أكثر من مرة بوقفات احتجاجية لمعارضي النظام الإيراني. اللافت لم يكن حجم الحشد، بل تنوّعه: عرب، أكراد، تركمان، ومنتمون إلى تنظيمات معارضة مثل مجاهدي خلق، إضافة إلى ناشطين مستقلين. ورغم اختلاف الخلفيات، كان الخطاب واحدًا في جوهره: تهميش وظيفي، فجوات في الأجور، إقصاء للمناطق الطرفية، وانسداد في سبل الترقي الاجتماعي.

لم تكن تلك الشكاوى أيديولوجية بالمعنى الصرف، بل اجتماعية-اقتصادية، ما يعكس مأزق الدولة المركزية حين تفشل في توزيع الفرص بعدالة. هنا يتحوّل الاقتصاد إلى مسألة هوية، وتغدو الأطراف أكثر حساسية لأي اختلال في العلاقة مع المركز.

المقارنة الليبية: سقوط الرأس لا يكفي

هذا النمط من الشكوى أعاد إلى الأذهان أحاديث جمعتني بعد سقوط معمر القذافي بعدد من الليبيين، لا سيما من المنطقة الشرقية. كان التهميش حاضرًا بوضوح: فرص عمل أقل، أجور أدنى، وإحساس بأن المركز—حتى بعد تغيّر النظام—لم يُنصف الأطراف. الدرس هنا واضح: إسقاط رأس السلطة لا يعالج تلقائيًا اختلالات البنية، وقد يفتح الباب أمام تهميش مُعاد إنتاجه بصيغ جديدة.

الدولة بين إدارة الخوف وإدارة المستقبل

تُظهر التجارب المقارنة أن الأنظمة تستطيع الصمود طويلًا بالقوة، لكنها لا تستطيع بناء الاستقرار بها. فالقمع يُؤجّل الانفجار، لكنه لا يعالج أسبابه. ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية، تتحوّل الدولة من كيان يُنتج السياسات إلى جهاز يُدير الأزمات، ومن مشروع للمستقبل إلى آلية لضبط الحاضر.

سيناريوهات المسار المحتمل

أولًا: الاستمرار المُكلف

يبقي هذا المسار على الوضع القائم عبر توسيع أدوات الضبط الأمني وإدارة الأزمات بحلول جزئية. قد ينجح في تأجيل الانفجار، لكنه يستنزف الموارد ويعمّق الفجوة بين المركز والأطراف، فيغدو الاستقرار شكليًا قائمًا على إدارة الخوف لا على إنتاج الأمل.

ثانيًا: التشظّي البطيء

لا يعني تفككًا فوريًا، بل تراكم أزمات محلية غير متزامنة، تتداخل فيها المطالب المعيشية مع أسئلة الهوية والإنصاف. خطورته أنه لا يحتاج إلى لحظة فاصلة أو قيادة مركزية، يكفي تراكم الإحباط كي تتسع هوامش التململ وتضعف قدرة المركز على الضبط.

ثالثًا: الإصلاح المُقيَّد (الأقل احتمالًا)

يفترض إدراك كلفة الاستمرار والانتقال إلى إصلاحات تدمج الفئات المنتِجة والأطراف في عقد اجتماعي مُحدَّث. غير أن نجاحه مشروط بإجراءات توزيع عادلة وفرص ملموسة، وهو خيار هشّ ما لم يتجاوز منطق إدارة الأزمة إلى منطق بناء المستقبل.

خلاصة

من الخطأ اختزال الأزمة الإيرانية في صراع أيديولوجي أو مواجهة بين سلطة ومعارضة. نحن أمام معادلة أعمق:

جيل واسع بلا أفق، أطراف مهمّشة، وأقليات تشعر بأن نصيبها من الدولة أقل من نصيبها من التضحيات.

وحين لا يعود اسم الحاكم هو السؤال، بل معنى الدولة نفسها، تكون المجتمعات قد دخلت المرحلة التي تسبق التحولات الكبرى… لا بياناتها.. .!!

اقرأ أيضاً«برلمانية الإصلاح والتنمية» تُطالب الحكومة بخطة واضحة لمواجهة تداعيات الأزمة الإيرانية

وزير خارجية إيران: العراق أثبت قدرته على لعب دور مهم في تعزيز التعاون الإقليمي

«الضربة العسكرية» لإيران.. تأجيل اضطراري أم تمويه استراتيجي؟

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: إدارة الأزمات الأزمة الإيرانية الأقليات في إيران الأكراد الإصلاح السياسي الاحتجاج الاجتماعي الاحتجاج الصامت الاستقرار القسري الاقتصاد الإيراني البطالة البنية الاجتماعية التركمان التضخم في إيران التفاوت الاقتصادي التهميش الاجتماعي الركود الاقتصادي العدالة الاجتماعية العرب في إيران الفجوة التنموية القمع السياسي المعارضة الإيرانية المنفى الإيراني النظام السياسي تراجع العملة تمثيل المجتمع شارل ديجول شرعية النظام فرص العمل مجاهدي خلق معمر القذافي معنى الدولة هوية الدولة

إقرأ أيضاً:

نقل المرضى بـ«الكارو».. الرحامنة فى مهب الريح

فى واحدة من أكثر صور المعاناة قسوة داخل قرى محافظة دمياط، يعيش ما يقرب من 70 ألف مواطن بمناطق الرحامنة وأبوجريدة والعزازمة وعزبة الجندى التابعة لمركز فارسكور، أزمة يومية متفاقمة بسبب تهالك طريق الرحامنة ــ فارسكور، الذى تحول إلى كابوس حقيقى يهدد حياة المواطنين ويعزل القرى عن الخدمات الأساسية، وسط حالة غضب واسعة بسبب توقف أعمال الرصف منذ عدة أشهر دون أسباب واضحة.
استغاثة عاجلة أطلقها الأهالى إلى اللواء الدكتور حسام الدين فوزى محافظ دمياط، مطالبين بسرعة التدخل لاستكمال رصف الطريق الذى أصبح بحسب وصفهم «طريق موت» بعد أن امتلأ بالحفر والمطبات والانهيارات، ما تسبب فى أزمات مرورية خانقة، وتعطل مصالح المواطنين، وارتفاع تكاليف الانتقال بصورة غير مسبوقة.
وقال محمد عطية، نقيب الفلاحين بمركز فارسكور، إن الدولة بدأت منذ نحو أربع سنوات تنفيذ مشروع الصرف الصحى بالطريق، وتم بالفعل الانتهاء من مد خطوط الصرف وتسليم المشروع إلى شركة مياه الشرب والصرف الصحى، كما قامت الشركة المنفذة بسداد قيمة «رد الشىء لأصله» إلى مديرية الطرق بدمياط تمهيدًا لإعادة رصف الطريق بالكامل.
وأوضح أن المحافظ السابق الدكتور أيمن الشهابى أصدر تعليمات واضحة بسرعة إعادة الطريق إلى حالته الطبيعية، مع تحديد عرض الطريق بنحو 5.5 متر، وبالفعل بدأت مديرية الطرق تنفيذ أعمال الرصف، إلا أن المشروع توقف فجأة بعد الانتهاء من نحو 50% فقط من الأعمال، وذلك عقب نقل المحافظ منذ عدة أشهر، لتعود الأزمة بصورة أكثر حدة ومعاناة.
وأشار الأهالى إلى أنهم تواصلوا مع المهندس طارق بدوى مدير مديرية الطرق بدمياط، الذى أوضح أن توقف الرصف جاء بسبب وجود خطاب من الرى يطالب بإيقاف التنفيذ لحين الانتهاء من أعمال تبطين باقى الترعة المجاورة للطريق، إلا أن المواطنين أكدوا أن هذا التبرير لا يعكس الواقع، خاصة أن أعمال الرصف لا تتعارض مع مشروع التبطين، مطالبين بسرعة إنهاء الأزمة التى أصبحت تمثل تهديدًا مباشرًا لحياتهم اليومية.
وقال نزية الخولى، أحد أهالى القرية، إن الطريق المتهالك تسبب فى هروب عدد كبير من سيارات الأجرة إلى خطوط أخرى، بعدما أصبحت السيارات تتعرض لأعطال مستمرة وخسائر متكررة نتيجة الحفر العميقة وسوء حالة الطريق، وهو ما أدى إلى أزمة مواصلات خانقة دفعت المواطنين للاعتماد بشكل شبه كامل على «التكاتك»، التى استغلت الأزمة ورفعت أسعار النقل بصورة وصفها الأهالى بـ«الجشعة».
وأضاف أن الطلاب والطالبات أصبحوا الضحية الأكبر مع انطلاق موسم الامتحانات، حيث يضطر كثير منهم إلى استئجار «توك توك» بمبالغ تصل إلى 100 جنيه ذهابًا ومثلها إيابًا يوميًا، فى ظل غياب أى وسيلة نقل آدمية أو منتظمة، وهو ما يمثل عبئًا اقتصاديًا قاسيًا على الأسر البسيطة.
وكشف هيثم خفاجة، أحد أهالى القرية، أن سيارات الإسعاف كثيرًا ما ترفض دخول القرى بسبب سوء حالة الطريق، ما يدفع الأسر إلى نقل المرضى أو السيدات فى حالات الولادة بوسائل بدائية، أبرزها عربات الكارو، فى مشهد وصفه الأهالى بأنه «إهانة لكرامة المواطنين»، خاصة مع تكرار الاستغاثات والشكاوى دون أى تحرك فعلى على الأرض.
وأشار المواطنون إلى أن محافظ دمياط الحالى استمع بنفسه إلى شكواهم خلال زيارته الأخيرة لمستشفى الروضة المركزى، وكلف أحد مرافقيه بالتواصل مع الأهالى لبحث الأزمة، مؤكدين أنهم تلقوا وعودًا بسرعة استكمال أعمال الرصف، إلا أن تلك الوعود لم تتحول حتى الآن إلى خطوات تنفيذية ملموسة.
وقال الأهالى «لا نطلب المستحيل.. نريد فقط طريقًا آدميًا يحفظ كرامة الناس، ويرحم أبناءنا من عذاب السفر اليومى وجشع التكاتك»، مطالبين بسرعة تدخل الأجهزة التنفيذية لإنهاء واحدة من أخطر الأزمات التى تهدد حياة آلاف المواطنين يوميًا داخل قرى مركز فارسكور.

مقالات مشابهة

  • دوي انفجارات مجهولة في جزيرة قشم الإيرانية
  • الفشل يلاحق دولة الاحتلال.. اعتراف إسرائيلي بعدم تحقق أهداف الحرب على إيران
  • نقل المرضى بـ«الكارو».. الرحامنة فى مهب الريح
  • أحمد موسى : عام 2011 البلد تعرضت لكارثة هائلة ومحاولة لإسقاطها وليس النظام
  • سياحة اليخوت وتحلية المياه والزراعة التصديرية.. مصر تفتح أبواب فرص النمو
  • الإمارات ترسخ نموذج الاقتصاد الدائري عبر شراكات ومبادرات نوعية
  • نتنياهو: أسس النظام الإيراني تصدعت ونهايته السقوط
  • «نتنياهو»: نظام إيران يتصدع ولن يعود كما كان
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • رضا بهلوي يدعو أصدقاءه الإسرائيليين لمساعدته في مواجهة تحديات إيران