يعد التوسل والاستغاثة برسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لقضاء الحوائج من المسائل التي تناولها العلماء والفقهاء بالتحقيق والتأصيل، وهي جائزة شرعًا باعتبارها وسيلة وشفاعة مقبولة عند الله تعالى، وقد ثبت أن الصحابة والتابعين – رضوان الله تعالى عليهم - كانوا يتوسلون بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في حياته وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

حكم التوسل

التوسل برسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من الأمور الجائزة والمشروعة، وقد دلّت على ذلك الأدلة القرآنية والأحاديث النبوية، ومواقف الصحابة والتابعين، ويُعدّ هذا التوسل تعبيرًا عن المحبة والاعتراف بفضل سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشفاعته عند الله، وهو من الوسائل المقبولة لقضاء الحوائج ورفع الكُرَب بإذن الله تعالى.

معنى التوسل

التوسل لغة: ‌ما ‌يُتَقَرَّبُ ‌به ‌إلى ‌الغير. [لسان العرب: ١١/ ٧٢٥].

واصطلاحًا: ‌التّوصّل ‌إلى ‌الشيء ‌برغبة، قال تعالى: {وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ} [المائدة: ٣٥]، [المفردات للراغب: ٨٧١].


مشروعية التوسل من القرآن الكريم

دلَّت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على جواز التوسل برسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في قضاء الحوائج، ومنها قوله تعالى: {وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء: ٦٤].

حكى الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ الْعُتْبِيِّ قال: "كُنْت جَالِسًا عِنْدَ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ: {وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا}.

مشروعية التوسل من السُّنَّة النبويَّة

أخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ ‌سَلُوا ‌اللهَ ‌لِي ‌الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ» [مسلم: ٣٨٤].

فالمنزلة - الوسيلة – من أجْلِ الشفاعة، والشفاعة من النبي -صلى الله عليه وسلم- هي ما يطلبه العباد يوم القيامة من الأنبياء فكلهم يقول: «لَسْتُ هُناكُمْ» حتى يقول لهم سيدنا عيسى عليه السلام: «...ائْتُوا مُحَمَّدًا -صلى الله عليه وسلم، فقَدْ غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي، فأسْتَأْذِنُ على رَبِّي، فإذا رَأَيْتُهُ وقَعْتُ ساجِدًا، فَيَدَعُنِي ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُقالُ لِي: ارْفَعْ رَأْسَكَ: سَلْ تُعْطَهْ، وقُلْ يُسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأرْفَعُ رَأْسِي، فأحْمَدُ رَبِّي بتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِي، ثُمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدًّا، ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنَ النّارِ، وأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أعُودُ فأقَعُ ساجِدًا مِثْلَهُ في الثّالِثَةِ، أوِ الرّابِعَةِ، حتّى ما بَقِيَ في النّارِ إلّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ وكانَ قَتادَةُ، يقولُ عِنْدَ هذا: أيْ وجَبَ عليه الخُلُودُ» [صحيح البخاري: ٦٥٦٥]؛ فهذا الحديث يدل بوضوح على استشفاع واستغاثة الخلائق بالنبي -صلى الله عليه وسلم- والتوسل به عند الله تعالى من أجل النجاة.


التوسل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في حياته

علَّمَنا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كيف نتوسل إلى الله تعالى به، فعن عثمان بن حنيف «أنَّ رجلًا ضرير الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَنِي، قَالَ: إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لَكَ، وَإِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذَاكَ، فَهُوَ خَيْرٌ، فَقَالَ: ادْعُهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ، فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ، وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللهُمَّ إِنِّي ‌أَسْأَلُكَ، ‌وَأَتَوَجَّهُ ‌إِلَيْكَ ‌بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ، فَتَقْضِي لِي، اللهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ» [رواه أحمد].


توسل الصحابة بالنبي -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته

ثبت أن الصحابة الكرام - رضوان الله تعالى عنهم – كانوا يتوسلون بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- حتى بعد انتقاله فعن أَبي الْجَوْزَاءِ أَوْسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: "‌قُحِطَ ‌أَهْلُ ‌الْمَدِينَةِ قَحْطًا شَدِيدًا، فَشَكَوْا إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: انْظُرُوا قَبْرَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَاجْعَلُوا مِنْهُ كِوًى إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ سَقْفٌ. قَالَ: فَفَعَلُوا، فَمُطِرْنَا مَطَرًا حَتَّى نَبَتَ الْعُشْبُ، وَسَمِنَتِ الْإِبِلُ حَتَّى تَفَتَّقَتْ مِنَ الشَّحْمِ، فَسُمِّيَ عَامَ الْفَتْقِ" [رواه الدارمي].

قال القسطلاني- رحمه الله تعالى -: هذا من النوافل المقرونة بالأسباب، وفيه ما فيه من التوسل برسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعد مماته [المواهب اللدنية بالمنح المحمدية: ٣/ ٣٥١].

وقال زين الدين المراغي- رحمه الله تعالى -: وفتح الكوة عند الجدب سنة أهل المدينة حتى الآن، يفتحون كوة في سفل قبة الحجرة المقدسة أي القبة ... يفتحونها من جهة القبلة وإن كان السقف حائلًا بين القبر الشريف وبين السماء، وقال السمهودي: ثم إن الشجاعي شاهين الجمالي لما بنى أعلى القبة الخضراء اتخذ في ذلك كوة عليها شباك حديد ثم فتح كوة في محاذاتها بالقبة السفلى المتخذَة بدل سقف الحجرة الشريفة وجعل على هذه الكوة شباكًا أيضًا وجعل على هذا الشباك بابًا يُفتح عند الاستسقاء للجدب، أي: فليس بالقبة المذكورة فُتحة غير الكوة المذكورة. [نزهة الناظرين في مسجد سيد الأولين والآخرين: ٨٢، ٨٣].

 

 

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: التوسل حكم التوسل حكم التوسل بالنبي التوسل بالأنبياء صلى الله علیه وآله وسلم صلى الله علیه وسلم الله تعالى برسول الله ٱس ت غ ف ر ى الله ع

إقرأ أيضاً:

فعالية لأمن محافظة حجة بذكرى يوم الولاية

الثورة نت/..

نظمّت إدارة أمن محافظة حجة، اليوم فعالية ثقافية بذكرى يوم ولاية الإمام علي عليه السلام.

وفي الفعالية، أكد مدير أمن المحافظة العميد حسن القاسمي، أهمية إحياء الذكرى لاستلهام الدروس والعبر من شخصية الإمام علي عليه السلام، مشيرًا إلى أن ولاية الأمر في الإسلام تشكل ضمانة لاستقامة الدين وحيويته.

واعتبر ذكرى يوم الولاية، محطة تاريخية في حياة الأمة الإسلامية لما تمثله من أهمية في معرفة مفهوم الولاية لله بمدلولها الشامل خصوصًا في ظل سقوط عدد من الأنظمة في مستنقع الخيانة والتطبيع مع الكيان الصهيوني.

وأشار العميد القاسمي، إلى أن يوم الغدير هو عيد كمال الدين والرسالة المحمدية وعيد إعلان الولاية لله ولرسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وللإمام علي عليه السلام وأهل الإيمان والحكمة.

فيما أكد عضو رابطة علماء اليمن العلامة عبدالمجيد شرف الدين، أهمية التحرك في أوساط المجتمع لترسيخ مبدأ الولاية لله والرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام بمفهومه القرآني.

وتطرق إلى دور الخطباء والثقافيين في إثراء المساجد والخواطر والمجالس بأهمية التولي الصادق لله والرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام.

وحث العلامة شرف الدين، على حشد الطاقات والتفاعل مع ذكرى يوم الولاية وتفعيل كل الموهوبين والشعراء والادباء، والإعلاميين وإحياء الموروث الشعبي لتجسيد العلاقة التي تربط أحفاد الأنصار بالإمام علي عليه السلام.

وفي الفعالية التي حضرها نواب ومساعدو مدير الأمن ومدراء وقادة الأجهزة والوحدات الأمنية، استعرض مدير التوجيه بأمن المحافظة المقدم عبد الحكيم المقعد، دلالات إحياء يوم الولاية للتعبير عن انتماء أهل الحكمة والإيمان لنهج القرآن وتوليهم الصادق لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام.

تخللت الفعالية قصيدة شعرية وأوبريت لفرقة أنصار الله.

مقالات مشابهة

  • فضل إلقاء السلام والمصافحة بالدلائل من السنة النبوية
  • حكم أداء صلاة الجنازة في الشوارع بالنعال
  • حجة .. ندوة في المحابشة بذكرى يوم الولاية
  • أمن محافظة حجة يُحيي ذكرى يوم الولاية بفعالية ثقافية
  • أمسيات في ريف حجة والشاهل والشغادرة بذكرى يوم الولاية
  • الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة المقبل.. «كن راضيا وإياك والتباهي»
  • فعالية لأمن محافظة حجة بذكرى يوم الولاية
  • حكم الاكتفاء بأضحية النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمة
  • أمير نجران يعزّي شيخ شمل آل فاطمة يام في وفاة شقيقه
  • الإصدار السابع والخمسون من زاد الأئمة والخطباء "كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي"