الاقتصاد والعاطفة
تاريخ النشر: 27th, January 2026 GMT
مدرين المكتومية
عندما نسمع كلمة اقتصاد يتبادر إلى أذهاننا من الوهلة الأولى أرقام جامدة وموازنات ضخمة ونسب ومُؤشرات نمو وتراجع وانخفاضات مالية، وإننا أمام كلمة ينطقها فقط خبراء المال ومحللو الأسواق المالية، لكن بمجرد التعمق في هذه الكلمة سنعرف جيداً أن هناك ارتباطاً وثيقاً بينها وبين مشاعر الناس اليومية وأيضاً لها ارتبط تام بتغيرات الفرد وتقلبات مزاجه، فالاقتصاد هو أكثر العوامل المؤثرة على العاطفة الإنسانية وهي من تحدد أيضا المزاج العام للمجتمعات، بل إنها تعمل عملا رئيسيا في استقرار الأسر وتماسكها واستمرارها.
فعندما يكون الاقتصاد مزدهراً ينعكس أثره بصورة سريعة على البشر وعلى أنفسهم، فتجد أنَّ فرص العمل تتسع والدخل الفردي يرتفع ويتحسَّن، وكل ما يحيط به من تحديات تبدء بالانخفاض، عندها يشعر الفرد بالأمان اتجاه مستقبله، فالإنسان بمجرد شعوره بالأمان يمكنه أن يكون أكثر سعادة ووعياً وحباً وتمسكاً بكل شيء بين يديه، وبمجرد شعوره بعدم الاستقرار فكل شيء يمكن أن يضيع من بين يديه بسبب الإحباط، فالأمان يولد الفرح، ويخفف القلق ويمنح الإنسان مساحة للتفكير الإيجابي والتخطيط للحياة بصورة صحيحة ومناسبة.
ففي فترات الرخاء يمكننا أن نرى أن هناك ارتفاعاً في معدلات الزواج وانخفاضاً في معدلات الطلاق، بالإضافة إلى أن العلاقات الاجتماعية تتسم بالانتعاش، وهناك إقبال متزايد على بناء الأسر وإنجاب الأطفال، لأن الاستقرار الاقتصادي يمنح شعوراً مختلفاً ويغريه بالاستقرار العاطفي والبحث عن فرص أينما وجدت.
وتلك الفترة من الرخاء وإن كانت مؤقتة أو غير دائمة إلا أنها تصحب معها أيضاً شعوراً بالفرفشة المجتمعية، التي تُسهم في استعادة الإنسان لثقته بنفسه ومن حوله وتزدهر المناسبات الاجتماعية وتزاد الرغبة في التواصل مع الآخر وأيضاً يُسهم ذلك في إنعاش حركة الأسواق، فالاقتصاد لا يحرك المال فقط بل يسهم في رفع الأمل لدى النَّاس بأن القادم أجمل.
وبمجرد ما يصبح العكس ويبدأ الاقتصاد في الانكماش والانخفاض فإن ذلك ينعكس سلبياً على الأفراد فتتغير المشاعر العامة بشكل واضح وصريح، ويصبح القلق والتوترعنوان المرحلة، والخوف من الغد يتسلل إلى البيوت ولنفوس البشر التي بدورها تحطم الآمال وتتراجع معها الأحلام، وتتأجل الخطط ويشعر الإنسان بثقل الضغوط المعيشية وكل شيء يرتبط بالمال والأرقام يصبح معه مزعجًا، فالانكماش الاقتصادي لا ينعكس فقط على القدرة الشرائية بل يترك أثراً نفسياً قد يصل إلى التوتر والاكتئاب والإحباط الحاد الذي يؤثر على العلاقات الأسرية والاجتماعية بشكل عام، فما كان يسعى الفرد للقيام به بكل رغبة وحماس يتأجل بسبب الإحباط.
وإذا ما ضربنا مثالاً بسيطاً حول تأثيرات الاقتصاد على حياة الإنسان، فيمكننا أن نذكر هنا "المسرحين عن عمل" ففقدان الوظيفة لا يعني فقط خسارة الدخل الشهري فقط وإنما يعني خسارة الشعور بالقيمة والأمان، فهناك الكثير من الأسر ممن يهتز استقرارها بسبب التسريح المفاجئ، وتزاد فيها الخلافات ويتراجع بين أفرادها الإحساس بالطمأنينة والأمان، عندها يتبع ذلك الكثير والكثير من الخسارات التي لا يُمكن استعادتها. هذا ما يقودنا إليه أن الاقتصاد ليس فقط شأن مالي وحسب وإنما هو قضية إنسانية تمس عاطفة البشر قبل جيوبهم، فكل قرار اقتصادي يحمل في داخله آثاراً نفسية واجتماعية مختلفة.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
تقرير: ثورة الذكاء الاصطناعي قد ترسم مستقبل أسعار الفائدة
توقع تقرير أمريكي أن تؤدي وفرة البيانات المتاحة، لإتاحة المجال أمام الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات أكثر استنارة بشأن أسعار الفائدة، بالإضافة إلى تحسين النماذج الاقتصادية.
وقالت صحيفة "وول ستريت جورنال" إن "الذكاء الاصطناعي سيجعل عملية صنع السياسات الاقتصادية أكثر دقة، لا سيما بالنسبة للبنوك المركزية، من خلال توفير بيانات فورية وتحسين النماذج الاقتصادية".
وأضافت "لعقود، اتخذت مؤسسات مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قرارات بالغة الأهمية، رفعاً أو خفضاً لأسعار الفائدة، بناء على معلومات غير مكتملة ومتأخرة في كثير من الأحيان".
وبحسب الصحيفة "يلتزم الاحتياطي الفيدرالي بتحقيق أهداف التوظيف الكامل واستقرار الأسعار، لكن قراءات التضخم تصل بعد أسابيع، وتُراجع إحصاءات التوظيف بعد أشهر، وهذا يجعل صانعي السياسات يعملون في عالم من عدم اليقين، ويفسرون إشارات غير دقيقة ويستخدمون نماذج تعاني من نقص في المعلومات الآنية، والنتيجة هي أن البنوك المركزية أحياناً تتأخر كثيراً في رفع أو خفض أسعار الفائدة في مواجهة تغيرات الأسعار في الاقتصاد".
فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟ - موقع 24نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، تحليلاً اقتصادياً يحذر من أن طفرة الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة تحمل أعباءً أكثر مما يعترف به المستثمرون، مشيرة إلى أن الاقتصاد الأمريكي ودورة الأرباح وسردية السوق تستند جميعها إلى ركيزة ضيقة واحدة.
وتشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على تغيير ذلك.
وقالت: "ستتمكن الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي من معالجة وتحديث مجموعات بيانات ضخمة باستمرار، بدءاً من أسعار المستهلكين وتسويات الأجور، وصولًا إلى المعاملات المالية ونشاط سلاسل التوريد".
وأضافت: "سيتيح ذلك لصناع السياسات مراقبة الديناميكيات الاقتصادية لحظة بلحظة بدلًا من انتظارها لفترة طويلة بعد وقوعها. عملياً، قد يُحدث هذا تحولًا جوهرياً، نحو الأفضل، في قرارات السياسة المتخذة".
وأشارت إلى أن ذلك يوفر بيانات آنية، إذ يُمكن للذكاء الاصطناعي تحسين نماذج البنوك المركزية بشكل كبير لفهم كيفية عمل الاقتصاد والعلاقات المعقدة بين المتغيرات الاقتصادية.
وقالت: "يُمكن للتحليل المدعوم بالذكاء الاصطناعي إظهار تأثير زيادة سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية على النمو والأسعار والتضخم، وتأثير ذلك على الاقتصاد بشكل عام، بسرعة ودقة أكبر، وقد أشار بنك إنجلترا إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يُدخل تغييرات جوهرية على طريقة استخدام البيانات، وقد زاد بالفعل بشكل كبير من حجم وتعقيد النماذج التي يستخدمها".
وتضيف "مع ذلك، قد تتجاوز آثار الذكاء الاصطناعي على علم الاقتصاد مجرد صنع السياسات".
وتوقعت الصيفة أن يُحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في علم الاقتصاد نفسه، إذ أن قدرته على جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات قد تُقلل، أو حتى تُلغي في بعض الحالات، حاجة الاقتصاديين إلى وضع افتراضات حول الأفراد أو الشركات أو الأسواق عند نمذجة الاقتصاد.600 مليار دولار استثمارات متوقعة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال 2026 - موقع 24تتجه شركات التكنولوجيا العالمية إلى ضخ أكثر من 600 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال عام 2026 وحده.
وأكدت أن الذكاء الاصطناعي قد يُتيح جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات حول منفعة الأفراد وعملية اتخاذ القرارات، لم تكن لتُتصور من قبل، مضيفة "بفضل توظيف الذكاء الاصطناعي، سيتمكن الاقتصاديون من محاكاة النظام الاقتصادي المعقد بدقة متناهية، بدلاً من الاعتماد على متوسطات السكان أو الفئات العمرية، أو البيانات المُستنبطة من عينات أصغر".
وتابعت: "سيمكن هذا الاقتصاديين من رصد المخاطر الناشئة بسرعة ودقة أكبر، وبدرجة لم تكن متاحة لهم من قبل".