قتل سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، في حادثة أثارت جدلاً واسعًا على المستوى الوطني والدولي، وسط مطالبات بالتحقيق في ملابسات مقتله ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاك للحق في الحياة.

وحول ذلك، قال أستاذ القانون العام المساعد بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا مجدي الشبعاني في تصريح لشبكة عين ليبيا: “ينص الإعلان الدستوري الليبي على أن حماية الحقوق الأساسية — وفي مقدمتها الحق في الحياة — هي مسؤولية أصيلة للدولة، وأن سيادة القانون هي الأساس الذي تقوم عليه شرعية السلطة، ومن ثم، فإن أي واقعة يُزهق فيها حق الإنسان في الحياة خارج إطار القانون تمثل — متى ثبتت ملابساتها — جريمة جسيمة واختبارًا حقيقيًا لقدرة مؤسسات الدولة على فرض القانون دون استثناء.

وأشار الشبعاني إلى أنه من حيث التكييف القانوني، فإن الأصل في مثل هذه الأفعال أنها تدخل ضمن نطاق القتل العمد، غير أن الوصف النهائي يظل رهين ما تسفر عنه التحقيقات، فإذا ثبت وجود تخطيط مسبق أو تنسيق منظم، فقد يرتقي الفعل إلى جريمة منظمة، فالقانون لا ينظر إلى مكانة الضحية بقدر ما ينظر إلى حرمة الحق في الحياة بوصفه أعلى الحقوق التي يجب صونها.

وأكد أن الإجراء الواجب قانونًا يبدأ بفتح تحقيق جنائي مهني ومستقل، يشمل تأمين مسرح الواقعة، وجمع الأدلة، والاستعانة بالخبرة الفنية والطب الشرعي، وسماع الشهود، وصولًا إلى تحديد المسؤوليات بصورة لا تترك مجالًا للإفلات من العقاب. فالثقة في العدالة لا تُبنى بسرعة الإجراءات بقدر ما تُبنى على نزاهتها ودقتها.

وأضاف أن ما أُثير بشأن تعطيل كاميرات المراقبة، فإن صحّ، فإنه يُعد قرينة قد تشير إلى سبق الإعداد، لكنه لا يشكل دليلًا قاطعًا بمفرده، إذ إن قيمة القرائن في القانون تتحدد بمدى اتساقها مع بقية الأدلة ضمن بناءٍ متكامل للحقيقة القضائية.

ولفت إلى أن استفادة سيف الإسلام القذافي سابقًا من قانون العفو العام، فإن هذا العفو — من حيث المبدأ — يتعلق بالمسؤولية الجنائية عن أفعال ماضية، ولا يمس الحقوق الأساسية التي يتمتع بها أي إنسان، وعلى رأسها الحق في الحياة والحماية القانونية. فالقانون يحمي الإنسان لصفته الإنسانية، لا لمركزه القانوني أو لتاريخه القضائي.

وأكد الشبعاني أن مسؤولية الدولة عن توفير الأمن تظل قائمة تجاه كل من يوجد على إقليمها، غير أن ترتيب المسؤولية القانونية يتوقف على ثبوت تقصير أو إخلال بواجب الحماية، ذلك أن المسؤولية لا تُفترض بل تُثبت وفق معايير قانونية واضحة. وهيبة الدولة تُقاس بقدرتها على حماية الجميع دون تمييز.

وأشار إلى أنه على الصعيد الدولي، فإن وفاة أي متهم تؤدي من حيث الأصل إلى انقضاء الدعوى الجنائية بحقه، وهو مبدأ مستقر في القانونين الوطني والدولي. غير أن ذلك لا يمنع استمرار التحقيق في الجرائم ذاتها إذا ارتبطت بمسؤوليات أشخاص آخرين، لأن الحقيقة القضائية لا تتوقف عند غياب فرد، كما أن مسارات العدالة، لاسيما في سياقات العدالة الانتقالية، لا تقوم على شخص واحد بل على منظومة أدلة ومساءلات.

وقال الشبعاني إن إذا ثبت تورط جماعات مسلحة أو تشكيلات منظمة في مثل هذا الفعل، فإن ذلك يضعه ضمن أخطر الجرائم في القانون الجنائي الليبي، والتي قد تصل عقوبتها إلى أقصى الجزاءات المقررة قانونًا، فضلًا عن احتمال تكييفها ضمن الجرائم التي تمس أمن المجتمع واستقراره. فاحتكار الدولة لاستخدام القوة يظل الحد الفاصل بين منطق الدولة ومنطق الفوضى.

وأكد أن الدعوى الجنائية تبقى موجهة إلى الجناة لا إلى الضحية، كما يظل لأسرة المتوفى الحق في المطالبة بالتعويض المدني وجبر الضرر. فالوفاة لا تسقط حق المجتمع في العقاب، ولا حق العائلة في الإنصاف.

وأشار إلى أن عددًا من رموز النظام السابق إما خارج مراكز الاحتجاز أو يواجه أوضاعًا صحية مختلفة، وهو ما يؤكد أن مسارات العدالة لا ترتبط بأشخاص بقدر ارتباطها بقدرة القضاء على ملاحقة المسؤوليات حيثما توافرت الأدلة، ومن هذه الزاوية، فإن غياب أي متهم قد يخلّف أثرًا إجرائيًا، لكنه لا يعطل مبدأ المساءلة.

وأضاف الشبعاني أن هذه الواقعة تسلط الضوء على التزام جوهري يقع على عاتق الدولة، يتمثل في ضمان حماية كل من هم تحت سلطتها الفعلية، ولا سيما الموقوفين أو المحتجزين، حيث تكون مسؤولية الدولة هنا مباشرة ولا تقبل التهاون. فالدولة لا تُقاس بقدرتها على المحاكمة فقط، بل بقدرتها أيضًا على الحماية.

وأكد أن مثل هذه الحوادث تعيد طرح سؤال مركزي يتعلق بمدى ترسخ سيادة القانون، إذ إن الأمن الحقيقي لا يتحقق بردود الأفعال أو بتعدد مراكز القوة، بل بتعزيز سلطة القانون واحتكار الدولة للأدوات الأمنية. وقد لا تكون الإشكالية دائمًا في نقص النصوص، بقدر ما تكون في ضرورة إنفاذها بكفاءة وعدالة، مع تطوير سياسات حماية للفئات الأكثر عرضة للمخاطر.

وختم الشبعاني بالقول إن المحصلة تظل أن الدولة القوية هي التي تكشف الحقيقة، وتُخضع الجميع لحكم القانون، وتؤكد عمليًا أن العدالة لا تُدار خارج مؤسساتها، وأن حماية الحق في الحياة تظل حجر الأساس لأي نظام قانوني يسعى إلى الاستقرار وترسيخ.”

المصدر

المصدر: عين ليبيا

كلمات دلالية: الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي الزعيم معمر القذافي حكومة الوحدة الوطنية سيف الإسلام القذافي سيف الإسلام معمر القذافي طرابلس معمر القذافي الحق فی الحیاة إلى أن

إقرأ أيضاً:

ست سنوات على اغتيال القعيطي.. أسئلة العدالة لا تزال بلا إجابة

في الذكرى السادسة لاغتيال المصور الحربي نبيل القعيطي، تعود القضية إلى دائرة الضوء من جديد وسط استمرار غياب نتائج قضائية معلنة، وتزايد الدعوات المطالِبة بإعادة فتح ملف الاغتيال وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة قادرة على كشف ملابسات الحادثة وتحديد المسؤولين عنها، في وقت لا تزال فيه قضايا استهداف الصحفيين في اليمن تُصنَّف ضمن الملفات العالقة التي لم تصل إلى العدالة النهائية وفق تقارير حقوقية دولية.

واغتال مسلحون مجهولون المصور الحربي القعيطي، في الثاني من يونيو من العام 2020، حيث نصب المسلحين كمينًا للمصور فور خروجه من منزل في مديرية دارسعد، شمال العاصمة عدن، حيث فتح المهاجمين النار على المصور ما أسفر عن مقتله على الفور، وتمكن الجناة من الفرار.

وتشير منظمات معنية بحرية الصحافة إلى أن اليمن يُعد من أخطر البيئات على الصحفيين خلال سنوات الصراع، مع استمرار ظاهرة الإفلات من العقاب في عدد من القضايا المرتبطة بعمليات اغتيال أو استهداف إعلاميين، وهو ما يعزز المطالب المحلية والدولية بضرورة فتح تحقيقات شفافة ومستقلة لضمان عدم طي مثل هذه الملفات دون محاسبة.

وأكدت أسرة الشهيد أن مرور ست سنوات على اغتيال القعيطي لا يعني بأي حال انتهاء القضية أو سقوط الحق القانوني والأخلاقي في ملاحقتها، بل يمثل—بحسب تعبيرها—دافعًا إضافيًا لإعادة فتح الملف بشكل جاد. وشددت الأسرة على أن غياب أي إعلان رسمي يوضح نتائج التحقيقات السابقة يثير تساؤلات مستمرة حول مسار القضية وأسباب تعثرها.

وقال فتحي القعيطي، شقيق الشهيد، إن الأسرة لا تزال متمسكة بمطلبها الأساسي المتمثل في كشف الحقيقة كاملة دون انتقائية، مؤكدًا أن العدالة لا تتحقق إلا عبر إجراءات شفافة تؤدي إلى محاسبة كل من يثبت تورطه أو تقصيره في الوصول إلى الجناة.

وناشدت الأسرة القائد أبو زرعة المحرمي، والفريق الركن محمود الصبيحي، ومحافظ العاصمة المؤقتة عدن، التدخل لتشكيل لجنة أمنية مستقلة ومحايدة تتولى إعادة فتح التحقيق، ومراجعة الإجراءات السابقة، والعمل على تتبع أي خيوط قد تقود إلى كشف الجريمة.

كما طالبت الأسرة بمساءلة الجهات التي كانت ضمن مسار التحقيق أو أشرفت عليه في مراحل سابقة، معتبرة أن تعطيل الوصول إلى نتائج واضحة أو إغلاق الملف دون محاكمة يمثل خللًا خطيرًا في مسار العدالة.

واستحضر صحفيون وإعلاميون المسيرة المهنية لـنبيل القعيطي، مؤكدين أنه كان أحد أبرز المصورين الحربيين الذين وثقوا أحداث الحرب والصراع في العاصمة عدن ومناطق أخرى، عبر تغطيات ميدانية من خطوط تماس وأماكن شديدة الخطورة.

ويرى إعلاميون أن اغتياله لم يكن حدثًا فرديًا معزولًا، بل جزءًا من سلسلة استهداف طالت صحفيين خلال سنوات الحرب، ما انعكس على بيئة العمل الإعلامي ورفع منسوب المخاطر التي يواجهها العاملون في المجال الصحفي أثناء تغطية الأحداث الميدانية.

وتؤكد تقارير دولية أن استهداف الصحفيين في مناطق النزاع غالبًا ما يرتبط بغياب المساءلة، وهو ما يؤدي إلى ترسيخ حالة الإفلات من العقاب ويشجع على تكرار الانتهاكات بحق الإعلاميين.

وقال الصحفي صالح حقروص إن القعيطي كان شاهدًا ميدانيًا على مرحلة حساسة من تاريخ الجنوب، مشيرًا إلى أن استمرار قضايا اغتيال الصحفيين دون محاسبة يشكل تهديدًا مباشرًا لحرية الصحافة، ويضعف ثقة المجتمع في قدرة العدالة على إنصاف الضحايا.

من جانبه، أكد الإعلامي محمد باحميل أن القعيطي سيبقى رمزًا للصحافة الحرة، موضحًا أن إرثه المصور لا يزال حاضرًا في الذاكرة الإعلامية باعتباره وثيقة بصرية لمرحلة معقدة من الصراع.

أما الصحفي فتاح المحرمي، فاعتبر أن قضية القعيطي لا تزال تمثل اختبارًا حقيقيًا لمفهوم العدالة، مشددًا على أن إنصافه لا يقتصر على أسرته، بل يشمل المجتمع ككل باعتبار أن استهداف الصحفيين يمس الحق العام في المعرفة وحرية الوصول إلى المعلومات.

وتجدد ذكرى اغتيال نبيل القعيطي كل عام نقاشًا واسعًا حول ملف الإفلات من العقاب في قضايا استهداف الصحفيين في اليمن، وسط دعوات متكررة لفتح تحقيقات شفافة ومستقلة، وإعادة الاعتبار للضحايا، وضمان عدم تحول هذه القضايا إلى ملفات مغلقة دون نتائج.

ويرى مراقبون أن استمرار غياب العدالة في مثل هذه القضايا لا يقتصر أثره على أسر الضحايا فحسب، بل ينعكس على كامل المشهد الإعلامي، ويحد من قدرة الصحفيين على أداء مهامهم بحرية وأمان.

مقالات مشابهة

  • المسكوت عنه فى قوانين التصالح
  • ست سنوات على اغتيال القعيطي.. أسئلة العدالة لا تزال بلا إجابة
  • بيتكوفيتش: “هولندا اختبار حقيقي لنا.. ولا جدوى من الحديث عن المونديال الآن”
  • خصم 25% .. الحق اتصالح على مخالفات البناء بالتقسيط
  • 5% من الأرباح إلى الخزانة .. كيف تراهن الحكومة على شركات الدولة لزيادة الموارد؟
  • ماذا ستحصل الخزانة العامة من أرباح الشركات الحكومية؟
  • عصائب أهل الحق تباشر فك ارتباطها بالحشد الشعبي وتُشكل لجنة لحصر السلاح
  • بعيو: ليبيا أمام نموذجين وعلى المواطنين اختيار مسار الأمن ووحدة الدولة
  • إزالة 20 حالة تعد بالبناء المخالف على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة بالشرقية
  • بعد إزالة قصر أكمل قرطام.. هذه عقوبة التعدي على أملاك الدولة بالقانون