الرومانسية والمعادل الموضوعي
تاريخ النشر: 5th, February 2026 GMT
آخر تحديث: 5 فبراير 2026 - 11:21 صعلي لفتة سعيد تُعَدّ الرومانسيّة واحدةً من أهم أسس الإنتاج الأدبي منذ ظهورها بأشكالها المتنوّعة، سواء في الشعر أو السرد. فهي تعكس الروح الجماليّة للمنتَج الأدبي الذي يسعى الكاتب إلى توصيله إلى المتلقّي، سواء تجلّت هذه الرومانسيّة بشكلٍ مباشر، أيّ الكتابة من أجلها، أم بشكلٍ غير مباشرٍ من خلال معالجة السلبيّات والصراعات التي تواجه أبطال النصّ، أو عبر روحيّة القصيدة التي تهدف إلى تنقية الأجواء، لا إلى إظهار العيوب فقط.
بمعنى أنّ الأدب منذ بداياته كان مسؤولًا عن تعميم الجمال حتى عند تناول السلبيّات، ليصبح بذلك مفتاحًا للوعي والفهم، ويقدّم للمتلقّي تجربةً جماليّةً، تؤكّد قدرة النصّ على إعادة تشكيل إدراكه للجمال، وإن كان ذلك من خلال مواجهة العيوب والهواجس المجتمعيّة. وقد كانت الرومانسيّة واحدةً من العناصر الجوهرية التي أسهمت في ازدهار الأدب، وجعلته محبّبًا لدى المتلقّي والقارئ معا، لا سيّما في النصوص الشعريّة والسرديّة، إذ أنّ معظم القصص والروايات والنصوص الأخرى، تكاد لا تخلو من هذا الجانب الفاعل، الذي يسرد قصصٍ عشق حقيقيّة، حتى لو انتهت بالفشل. فالنصّ الأدبي، في جوهره، يعكس المجتمع ويجسّد همومه، كما أنّ التلقّي الجمالي للنصوص شكّل وسيلة للهروب من المآسي، أو على الأقل لإعادة صياغة المأساة بشكل يسمح بفهمها والتأمل فيها. فمثلًا، شكّلت قصائد نزار قبّاني نموذجًا حيًّا لتوظيف الرومانسيّة كوسيلةٍ للتعامل مع صراعات الحياة، والهروب من ضغوط الحاضر عبر الانفتاح على العالم، مع مواجهة السلطة السياسيّة، سواء كانت الاحتلالات الأجنبية كالإنجليزيّة أو الفرنسيّة، أو النفوذ الداخلي على المستوى المجتمعي. ويؤكّد الباحثون وعلماء النفس والفلاسفة أنّ الرومانسيّة ليست مجرّد وسيلة للتنفيس عن العاطفة، بل مفتاح لفهم البيئة الاجتماعيّة ومعايشة المجتمع بين أفراده، ومعرفة العلاقة بين الفرد والمحيط والسلطة، إذ أنّها تساعد على كشف خفايا النفوس الإنسانية، من خلال تأمّل طبيعة الإنسان وتفاعله مع محيطه. وكما أشار جان جاك روسّو في (العقد الاجتماعي) أن “الرومانسيّة ليست هروبًا من الواقع، بل بحثٌ عن طبيعة الإنسان الأصيلة، عن البراءة المفقودة التي أفسدها المجتمع”. فالرومانسيّة، بهذا المعنى، ترتبط بالعاطفة وتحرّر العقل او قوة العقلانية، وتتيح لهذه العاطفة مساحةً لمواجهة ضغوط الحياة اليومية والصراعات الداخلية، وتهدي القارئ تجربةً من التوازن بين العقل والخيال. كما قال الفيلسوف والشاعر الألماني فريدريش شيلر في (تربية الإنسان الجمالية) أن “الفنّ الرومانسي يحرّر الإنسان من قيود العقل المجرّد، ويعيده إلى حريّته الداخلية، حيث يتصالح العقل مع الخيال”. إلّا أنّ الرومانسيّة، في الزمن الحاضر، ولا سيّما في الألفيّة الثالثة وخاصة ما بعد الربيع العربي ما سبقها من تغيير في العراق عام 2003، شهدت تراجعًا في النصوص الأدبيّة بجميع أجناسها. فحتى الشعر الذي كان يعبر عن الحبّ والعشق والوله، بل وأحيانًا الجنس، أصبح أكثر اغترابًا عن الرومانسيّة، وانخرط في عمليّة جلد الذات والآخر، ليحلّ محلها ما أُطلقنا عليه الأدب الغاضب. وحتّى النصّ الساخر أصبح غائبًا في كثير من الأحيان أمام طغيان النصوص السوداويّة التي أصبحت السائدة، وهو ما يعكس التطورات السياسيّة والاجتماعيّة والتقنية، في عالم تتحكّم فيه السيطرة الإلكترونيّة وتقنيات الإعلام الحديثة، والتي حرمت الأدب من قدرة التعبير الجمالي والتوثيق الواقعي في آن واحد، ليصبح الأدب مرآةً تكشف هواجس الأمم ومشاعرها الداخلية. وفي هذا السياق، يبرز السؤال عن غياب الرومانسيّة نسبيًا في الأدب العربي المعاصر، وهو إشكالٌ ثقافيّ معقّد يتطلّب تحليلًا متعدّد الأبعاد. ويأتي هذا الكتاب لاستكشاف هذه الظاهرة من خلال مقاربة نقديّة شاملة، تبحث في الجذور العميقة للغياب الرومانسي في الأدب العربي، وتدرس آثارها على المشهد الأدبي والثقافي، فضلاً عن تقديم رؤية مستقبلية لمكانة الرومانسيّة في النصوص القادمة. من هنا فان من الواضح وجود فجوة ٍواضحةٍ في الدراسات النقديّة العربية، إذ بينما ازدهر الأدب الرومانسي في الآداب العالميّة وأصبح مدرسةً واضحة المعالم، بقي الحضور الرومانسي في الأدب العربي خجولًا ومحتشمًا، وغالبًا ما اقتصرت الدراسات على أثر الرومانسيّة في الأدب دون تحليل أسباب غيابها. من هنا يكون الأمر مهما في تفكيك هذه الإشكاليّة، تبدأ بتأسيس مفاهيمي ومنهجي لموضوع الرومانسيّة الأدبيّة، ثمّ رصد مظاهرها واستثناءاتها في الأدب العربي، وبعدها التعمّق في تحليل الأسباب الكامنة وراء هذا الغياب، وصولًا إلى دراسة التداعيات والآثار المترتّبة على ذلك، وانتهاءً برؤية استشرافيّة لمستقبل الرومانسيّة في المشهد الأدبي العربي. يتعبها السعي لتحليل النصّ المقارن، والدراسة التاريخية والاجتماعية، مع الاستفادة من مناهج نقديّة معاصرة لقراءة النصوص وتفسير الظواهر الأدبيّة، بالإضافة إلى الرجوع إلى مصادر متعددة اللغات لتقديم رؤية شاملة ومتوازنة.فالرومانسية تعبير عن دواخل المجتمع وحركة البيئة واستقرارها. وهي المعادل الموضوعي لكل مدركات الحياة التي يتحسّسها الأديب. فلا يمكن للأديب منتج النص ان ينتج نصا رومانسيا وهو في بيئة تخلوا من مقوّمات الوجود الرومانسي.
المصدر
المصدر: شبكة اخبار العراق
كلمات دلالية: فی الأدب العربی الرومانسی ة من خلال ة التی
إقرأ أيضاً:
صقر غباش: أمن الخليج العربي جزء من منظومة الأمن الدولي
بلغراد (الاتحاد)
استقبل فخامة ألكسندر فوتشيتش، رئيس جمهورية صربيا، معالي صقر غباش، رئيس المجلس الوطني الاتحادي، والوفد المرافق له، وذلك في إطار الزيارة الرسمية التي يقوم بها معاليه لجمهورية صربيا.
ونقل معالي صقر غباش إلى فخامة الرئيس الصربي تحيات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، وتمنيات سموهم لجمهورية صربيا وشعبها الصديق دوام التقدم والازدهار.
من جانبه، حمّل فخامة الرئيس ألكسندر فوتشيتش معالي صقر غباش تحياته إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، وتمنياته لدولة الإمارات حكومة وشعباً مزيداً من التقدم والرخاء.
ورحب فخامة الرئيس ألكسندر فوتشيتش، في مستهل اللقاء، بمعالي صقر غباش والوفد المرافق، معرباً عن تقديره الكبير للعلاقات الوثيقة التي تجمع البلدين الصديقين، والتي تشهد نمواً وتطوراً مستمراً في مختلف المجالات.
وأكد فخامته أن العلاقات بين دولة الإمارات وجمهورية صربيا، تعد نموذجاً ناجحا للتعاون البنّاء القائم على الثقة والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، مشيراً إلى حرص بلاده على تعزيز التعاون مع دولة الإمارات في المجالات السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والعلمية.
تم خلال اللقاء بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية صربيا في مختلف المجالات، إضافة إلى تبادل وجهات النظر بشأن عدد من القضايا والموضوعات محل الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها الأوضاع والتطورات في المنطقة.
حضر اللقاء أحمد برغش المنهالي، سفير الدولة لدى جمهورية صربيا، وكل من: سعيد راشد العابدي، وحميد أحمد الطاير، وخالد عمر الخريجي، وشيخة سعيد الكعبي، وعائشة إبراهيم المري، وهلال محمد الكعبي، أعضاء المجلس الوطني الاتحادي، والدكتور عمر عبد الرحمن النعيمي، الأمين العام للمجلس الوطني الاتحادي.
أسس راسخة
من جانبه، قال معالي صقر غباش، إن دولة الإمارات، بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، تحرص دائماً على أن تكون علاقاتها بالدول قائمة على أسس راسخة من التعاون المشترك والصداقة والاحترام المتبادل، وتوطيد مبادئ الأخوة والتعاون، وترسيخ أسس السلام والتعايش.
وأكد معالي صقر غباش عمق العلاقات الإماراتية - الصربية، وما تشهده من تطور متواصل بفضل الرؤية المشتركة والحرص المتبادل من قيادتي البلدين على تعزيز التعاون والشراكة في مختلف المجالات، مشيراً إلى أن الثقة المتبادلة بين القيادتين أسهمت في فتح آفاق واسعة للتعاون الاقتصادي، والاستثماري، والتنموي، والتكنولوجي. ونوه معاليه بأن دولة الإمارات تنظر إلى صربيا، باعتبارها شريكاً مهماً في جنوب شرق أوروبا، ودولة تتمتع بموقع استراتيجي وقدرة على الإسهام في تعزيز الاستقرار والتنمية والتواصل الاقتصادي في المنطقة، مؤكداً أهمية مواصلة البناء على ما تحقق من إنجازات لتعزيز الشراكة بين البلدين.
وقال معاليه: «تثمن دولة الإمارات المواقف الصربية الداعمة، لا سيما زيارة فخامة الرئيس الصربي إلى دولة الإمارات في مارس الماضي، وإدانته الاعتداءات الإيرانية الإرهابية التي استهدفت دولة الإمارات، ووقوف صربيا إلى جانب الدولة في مرحلة دقيقة، مؤكداً أن المواقف الصادقة تبقى راسخة في ذاكرة الدول والشعوب». وأضاف معاليه أن أمن منطقة الخليج العربي لم يعد شأناً إقليمياً، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الدولي، في ظل الترابط الوثيق بين استقرار الخليج وأمن الطاقة العالمي وسلامة سلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية، مشدداً على أن أي تهديد لأمن الخليج أو للممرات البحرية الحيوية أو للبنى التحتية للطاقة ستكون له انعكاسات مباشرة على الأسواق الأوروبية والاقتصاد العالمي.
وأكد معاليه أن العلاقات الإماراتية - الصربية تقوم على الثقة المشتركة والاحترام المتبادل بين الدولتين، وتمثل نموذجاً لشراكة وثيقة تسهم في دعم الاستقرار والتنمية، مشيراً إلى أن دولة الإمارات وجمهورية صربيا تتشاركان نهجاً يقوم على بناء الجسور، وتعزيز التعاون مع مختلف دول العالم، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني والسيادي. وأكد الجانبان أهمية تعزيز التعاون البرلماني والاقتصادي والاستثماري، وتوسيع مجالات الشراكة لتشمل قطاعات الطاقة المتجددة والأمن الغذائي والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين والشعبين الصديقين.
وشددا على أهمية الحوار والتعاون الدولي في مواجهة التحديات المشتركة، وتعزيز الاستقرار والتنمية المستدامة، وترسيخ قيم التفاهم والتعايش بين الشعوب.