يُثير الحديث عن تكفل السعودية بملف المرتبات والخدمات، التساؤل عن تأثير ذلك على خطة الإصلاحات الاقتصادية التي كانت الحكومة قد شرعت بها العام الماضي.

ونقلت وكالة "رويترز"، الخميس، عن مسؤولين يمنيين وغربيين قولهم إن الرياض خصصت نحو ثلاثة مليارات دولار على الأقل هذا العام لتغطية رواتب القوات اليمنية وموظفي الحكومة،

مضيفين – وفق الوكالة – بأن هذا المبلغ يشمل مليار دولار تقريبًا لرواتب المقاتلين الجنوبيين، التي كانت أبوظبي تتكفل بها في السابق.

وتُبرر الحكومة، ومعها قطاع عريض من القوى السياسية، قبول الدعم السعودي تحت ذريعة الأزمة المالية التي خلفها وقف تصدير النفط جراء هجمات مليشيا الحوثي أواخر 2022م.

ويصل هذا التبرير إلى التأكيد بأن الإيرادات المحلية ضئيلة ولا تُمكن الحكومة حتى من صرف مرتبات الموظفين والعسكريين في المناطق المحررة.

وهو تبرير يتناقض مع الأرقام الواردة في تقارير البنك المركزي في عدن حول حجم الإيرادات المحلية المحصلة وأرقام فاتورة المرتبات التي تصرفها الحكومة.

فبحسب آخر تقرير سنوي للبنك لعام 2024م، فقد بلغت الإيرادات غير النفطية نحو 800 مليار ريال، وهو رقم يُقارب رقم بند المرتبات الذي يبلغ نحو 850 مليار ريال، أي إن العجز في هذا الجانب ضئيل جدًا ولا يُبرر عجز الحكومة التام عن صرف المرتبات.

ومن جانب آخر، فإن رقم الـ 800 مليار ريال لا يُمثل كافة الإيرادات الحكومية التي يمكن تحصيلها في المناطق المحررة، بل يمثل ما يتم توريده فقط إلى البنك المركزي وفروعه.

في ظل وجود إجماع على عدم توريد كافة الإيرادات للبنك المركزي، وهو ما يُشكل سببًا رئيسيًا للأزمة المالية التي تعاني منها الحكومة، وليس توقف عائدات النفط، التي كانت تمثل نحو 55% فقط من الإيرادات عام 2022م قبل توقف التصدير.

ومثلت معضلة عدم توريد كافة الإيرادات للبنك المركزي أحد الدوافع الضاغطة نحو إقرار خطة الإصلاحات الحكومية وصدور قرار من مجلس القيادة الرئاسي بتنفيذها مطلع نوفمبر من العام الماضي.

إلا أن تفجر الأحداث بالمحافظات الشرقية بعد شهر من ذلك، أزاح الحديث عن خطة الإصلاحات من الواجهة، وتصاعدت الأحداث وصولًا إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي في الشرعية بشكل كبير، من تركيبة مجلس القيادة الرئاسي إلى إعادة تشكيل الحكومة برمتها.

ومع الإعلان مساء الجمعة عن طاقم الحكومة، يعود التساؤل عن مصير خطة الإصلاحات الاقتصادية من جديد، والتي مثلت أهم خطوة تُقرها الشرعية في سبيل الحد من الفساد والعبث الذي طغى على أدائها طيلة السنوات الماضية.

التساؤل عن مصير خطة الإصلاحات يأتي من المخاوف التي يُثيرها تأثير الدعم السعودي المالي غير المسبوق للحكومة والشرعية بشكل عام، من التكفل بدفع فاتورة المرتبات، إلى تقديم منحة مشتقات نفطية لمحطات الكهرباء بالمناطق المحررة بـ 81 مليون دولار.

فرغم الحاجة لهذا الدعم السعودي وفي هذا التوقيت، إلا أنه يُثير مخاوف جدية من أن يتم الركون عليه من قبل الحكومة، ويؤدي ذلك إلى تجميد خطة الإصلاحات الاقتصادية، وما يعني ذلك من استمرار بقاء المناطق المحررة في دوامة الفساد والعبث لسنوات قادمة.

المصدر

المصدر: نيوزيمن

كلمات دلالية: الإصلاحات الاقتصادیة خطة الإصلاحات

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • قبل انطلاقها بأيام.. التربية تستكمل استعداداتها لامتحانات الثانوية العامة في المحافظات المحررة
  • أسد» ثالثًا في شباك التذاكر.. تعرف على حجم الإيرادات
  • وزير التخطيط يستعرض التجربة المصرية في تنفيذ برامج الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية
  • احسب قبضك الجديد .. موعد صرف المرتبات بالزيادة المقررة
  • برنامج الأغذية العالمي يحذر من تفاقم أزمة الأمن الغذائي في لبنان
  • جامعة قنا تستعد لإطلاق تطبيق لمراقبة الإيرادات والمصروفات
  • «خاص وحكومي».. موعد صرف مرتبات شهر يونيو 2026
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • كوريا الجنوبية واليابان تبحثان اتفاقية ثنائية لدعم لوجستي عسكري.. التفاصيل