لجريدة عمان:
2026-07-24@21:55:27 GMT

أوروبا وغاز أمريكا

تاريخ النشر: 13th, February 2026 GMT

أوروبا وغاز أمريكا

أصبحت الولايات المتحدة أحد أهم موردي الوقود الأحفوري (الغاز والنفط) للاتحاد الأوروبي. فوفقا لإحصائية نشرت في عام 2021 بواسطة "بروغل" وهو مركز أبحاث أوروبي متخصص في الدراسات الاقتصادية كانت حصة الولايات المتحدة من إمدادات الغاز للاتحاد أقل من 6%. لكنها بحلول عام 2025 ارتفعت الى أكثر من 26%. والوضع مماثل بالنسبة للنفط.

ففي عام 2025 احتلت الولايات المتحدة المركز الثاني بعد النرويج كأهم مورِّد للنفط الى الإتحاد الأوروبي

موارد جديدة

عقب نشوب الحرب الأوكرانية الروسية في عام2022 بحث الاتحاد الأوروبي عن مصادر بديلة للغاز الطبيعي المسال والنفط. وتوضح أداة تعقُّب (قاعدة بيانات) صفقاتِ الطاقة بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية كيف كانت الزيادة في الواردات من الولايات المتحدة نتيجةً لقرارات فردية بواسطة البلدان الأعضاء في الاتحاد وشركات الطاقة الأوروبية بإبرام عقود طويلة الأجل مع شركاء أمريكيين. لكنها كانت أيضا نتيجةً لقراراتٍ سياسية اتخذت بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

مثلا في مارس 2022 توصلت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مع الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن الى اتفاق لزيادة الإمدادات الأمريكية للمواد الخام (بما في ذلك الغاز) الى الاتحاد الأوروبي.

لقد تم تسليط الضوء علنا على "مشكلة" اعتماد الاتحاد الأوروبي المتزايد على واردات الوقود الأحفوري من الولايات المتحدة وذلك بعد بداية الرئاسة الثانية لدونالد ترامب ومبادرته الصدامية بشأن جزيرة جرينلاند. وفي حين أعلن ترامب عن إجراءات لزيادة القدرات الإنتاجية والتصديرية للنفط في الولايات المتحدة وتعزيز الهيمنة الأمريكية على الطاقة عالميا إلا إنه أيضا يستخدم أدوات السياسة التجارية بشكل عدائي. وهو لا يفعل ذلك ضد المنافسين الجيوسياسيين لأمريكا فحسب (والصين في صدارة هؤلاء) ولكن أيضا ضد حلفائها بما في ذلك الاتحاد الأوروبي.

لا داع للذعر

على الرغم من أن واضعي سياسات الاتحاد الأوروبي يطرحون اعتماد بلدانه المتزايد على واردات الطاقة من الولايات المتحدة كتحدٍّ أو مهدد إلا أن هنالك في الواقع ثلاثة أسباب تدعو الأوروبيين الى عدم الذعر.

أولها، حقيقة أن مستوى اعتماد أوروبا على الإمدادات الأمريكية أقل بكثير من مستوى اعتمادها على روسيا في السابق.

حسب إحصائيات الاتحاد الأوروبي، في عام 2021 كانت حصة روسيا من واردات الغاز الى الاتحاد الأوروبي 45% تقريبا مع بلوغ إجمالي حجم الإمدادات (غاز الانابيب زائدا الغاز الطبيعي المسال) حوالي 157 بليون متر مكعب. وفي نفس العام كان حجم امدادات أمريكا حوالي 21 بليون متر مكعب وارتفع الى ما يقارب 83 بليون متر مكعب بحلول عام 2025.

كما لدى الاتحاد الأوروبي في بداية عام 2026 مصادر إمداد أكثر تنوعا لوارداته من الغاز مقارنة بعام 2021. فهو يستورد من بلدان كالجزائر ونيجيريا والنرويج وقطر وترينيداد وتوباجو. الى ذلك، تراجعَ الحجم الكلي لواردات الاتحاد الأوروبي من الغاز من 361 بليون متر مكعب في عام 2021 الى 313 بليون متر مكعب في عام 2025.

والجدير بالذكر أن الولايات المتحدة مورِّد رئيسي للنفط الى الاتحاد الأوروبي أيضا. لكن حصتها من الواردات الأوروبية تبلغ 15% وموردو النفط الى أوروبا أكثر تنوعا من موردي الغاز. بجانب ذلك وحسب الوكالة الدولية للطاقة، من المتوقع أن يكون هنالك فائض امداد نفطي في السوق العالمية في العقد المقبل. والطبيعة الخاصة بالسوق تجعل تنويع مصادر الإمداد أكثر سهولة. (فمن اليسير نقل النفط. وتنافسيته مرتفعة ويملك إمكانية تنويع كبيرة لمصادره).

ثاني الأسباب، عدم وجود خطر يذكر لتأثير السياسة على الإمداد. فحتى عام 2021 كان اعتماد الاتحاد الأوروبي على امدادات الغاز من روسيا يرتكز أساسا على عقود طويلة الأجل مع شركة "غازبروم". وهي شركة تسيطر عليها الدولة وخاضعة للتوجيهات السياسية (كما اتضح من مواقف روسيا وغازبروم تجاه الأطراف المتعاقدة معها في الإتحاد الأوروبي عام 2022.) لكن في حالة الولايات المتحدة يتم التعاقد على الإمدادات بين شركات أوروبية وشركات أمريكية خاصة. لذلك مخاطر قيام الشركات الأمريكية بتعليق أو تقييد الإمدادات لأسباب سياسية ضئيلة ولا يعتدّ بها. على الأكثر، قد تصبح هذه الإمدادات أغلى إذا استخدمت إدارة ترامب أدوات السياسة التجارية لزيادة تكلفة واردات الوقود الأحفوري وخصوصا الغاز الطبيعي المسال الى الاتحاد الأوروبي.

السبب الثالث لعدم الذعر أهمية السوق الأوروبية للشركات الأمريكية. ففي عام 2025 بلغت الصادرات الأمريكية من الغاز الطبيعي المسال ما بين 153 بليون الى 157 بليون متر مكعب كانت حصة أوروبا منها 60%. وفي السنوات القادمة ستدشن الولايات المتحدة منصات تصدير جديدة لمضاعفة قدرتها التصديرية للغاز الطبيعي المسال. ومن المرجح أن تكون الولايات المتحدة (وأيضا ترامب رغم خشونة خطابه) أكثر اهتماما بالحفاظ على التعاون في مجال الطاقة مع أوروبا بدلا عن العمل على تقويضه.

من الجيد التحوّط

لكن على الاتحاد الأوروبي وبلدانه الأعضاء القيام بثلاثة أنواع من الأنشطة التي تستهدف تقليل مخاطر الاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري من مورِّدين بِعَينِهم.

أولا، على الاتحاد الأوروبي وبلدانه الأعضاء التقيد بمبدأ تنويع مصادر الإمداد والحفاظ على أكبر عدد ممكن من موردي الغاز والنفط. في ذات الوقت على الاتحاد وبلدانه مواصلة جهود الاستغناء التام عن واردات الوقود الأحفوري من روسيا.

تخاطر الاتفاقية التجارية للاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة في يوليو 2025 بربط امدادات الطاقة الى أوروبا بمورِّد مهيمن ووحيد وبالتالي إضعاف أمن الطاقة بالاتحاد. فبموجب الاتفاقية المذكورة تعهد الإتحاد بشراء منتجات طاقة (نفط وغاز طبيعي مسال ونووية) بقيمة 750 بليون دولار بحلول عام 2028. وحسب معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي يمكن أن تزيد العقود الجديدة وطويلة الأجل للإمداد بالغاز الطبيعي المسال نسبة اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز الأمريكي من 27% في عام 2025 الى حوالي 40% في عام 2030.

وسيكون الحفاظ على مسار تنويعي مهمَّا على وجه خاص في سياق المهددات المحتملة في المستقبل أو الضغوط السياسية من إدارة ترامب تجاه الحلفاء الأوروبيين.

في ذات الوقت لتجنب الاعتماد المتزايد على مورّدين محددين (بما في ذلك الولايات المتحدة) على الاتحاد الأوروبي إيجاد قاعدة بيانات شاملة وشفافة لتعقب اعتماده في الأجل الطويل على واردات الوقود الأحفوري. فهذا من شأنه أن يُلقي الضوء على العقود التي أبرمت حتى الآن بواسطة البلدان الأعضاء في الاتحاد والشركات الأوروبية مع بلدان ثالثة وشركات من بلدان ثالثة. ويمكن أن ينشئ الاتحاد الأوروبي وكالة داخلية منفصلة حسب الاقتراح الذي ورد في تقرير مشترك أعدّ بواسطة معهد بروغل للدراسات الاقتصادية ومركز الأبحاث "فوروم انيرجي" والمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية لتمكين المراقبة المستمرة لمستويات الاعتماد على جهات توريد محددة في الاتحاد الأوروبي. هذا سيساعد الاتحاد وبلدانه الأعضاء على تجنب عقود جديدة تزيد الاعتماد على موردين محددين.

أخيرا، على الاتحاد الأوروبي وبلدانه الاستمرار في تقليل الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري. يمكن أن يكون ذلك عبر المزيد من جهود تطوير موارد الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة استخدام الطاقة وتطوير الطاقة النووية والتي يمكنها في الأجل الطويل تقليص دور الوقود الأحفوري في مزيج الطاقة الأوروبي. في ذات الوقت سيعزز ذلك أمن الطاقة بالاتحاد الأوروبي ويجعله أكثر مرونة تجاه الاضطرابات الجيوسياسية في المناطق التي تزود الاتحاد بوارداته من الوقود الأحفوري.

أمن الطاقة في الأجل الطويل

بصرف النظر عن التوترات السياسية مع الولايات المتحدة، على الاتحاد الأوروبي وبلدانه الأعضاء تجنّب الذعر. وعليه وعلى أعضائه الامتناع عن اتخاذ قرارات طائشة حول التعاون في الطاقة. فإمدادات النفط والغاز من الولايات المتحدة مهمة لتقليل الاعتماد على روسيا. وهو ما يجب أن يظل الأولوية الرئيسية لأوروبا.

في ذات الوقت يجب أن تكرس سياسةُ الطاقة العامة للاتحاد الأولويةَ لتنويع مصادر الواردات والاستمرار في بذل "الطاقة" لكي تعزز حقا "أمن الطاقة" بالاتحاد الأوروبي في الأجل الطويل.

سيمون كارداش زميل سياسات أول بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الى الاتحاد الأوروبی الغاز الطبیعی المسال من الولایات المتحدة الاعتماد على فی ذات الوقت أمن الطاقة على واردات فی عام 2025 فی الأجل عام 2021

إقرأ أيضاً:

الشحاتي: حرق الغاز المصاحب لا يزال أحد أكبر أوجه الهدر في قطاع الطاقة الليبي

قال الخبير النفطي محمد الشحاتي في تصريح لـ«شبكة عين ليبيا» إن حرق الغاز المصاحب لا يزال أحد أكبر أوجه الهدر في قطاع الطاقة الليبي، مشيراً إلى أن ليبيا جاءت ضمن أكبر الدول في العالم من حيث حجم حرق الغاز وفقاً لتقارير دولية حديثة.

وأوضح الشحاتي أن الكميات المحروقة ارتفعت خلال عام 2025 بالتزامن مع ارتفاع إنتاج النفط، لكنه شدد على ضرورة التمييز بين حجم الحرق وكثافة الحرق، موضحاً أن حجم الغاز المحروق ارتفع نتيجة زيادة إنتاج النفط، بينما انخفضت كثافة الحرق بصورة طفيفة، أي أن كمية الغاز المحروق لكل برميل نفط تحسنت نسبياً، وهو ما يعكس تحسناً تشغيلياً محدوداً، لكنه لا يعني أن المشكلة تراجعت، لأن الكميات المطلقة ما زالت مرتفعة.

وأضاف أن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن حرق الغاز لا تقتصر على قيمة الغاز المهدور فقط، بل تشمل أيضاً قيمة الكهرباء التي كان يمكن إنتاجها، وتقليل استهلاك الوقود السائل في محطات التوليد، وإتاحة كميات إضافية من النفط الخام والديزل للتصدير، فضلاً عن خفض الانبعاثات وتحسين كفاءة استغلال الموارد الوطنية.

وأكد أن زيادة إنتاج النفط يجب أن تترافق مع توسع موازٍ في مرافق جمع ومعالجة الغاز، لأن زيادة الإنتاج النفطي دون تطوير هذه المرافق ستؤدي بشكل مباشر إلى ارتفاع كميات الغاز المحروقة.

وأكد الشحاتي أن أكبر المتضررين من استمرار حرق الغاز هو قطاع الكهرباء، باعتبار أن ليبيا تعتمد بشكل أساسي على الغاز الطبيعي في تشغيل محطات التوليد.

وأوضح أن كل متر مكعب من الغاز يتم استرجاعه يمكن أن يساهم في زيادة إنتاج الكهرباء أو تقليل الاعتماد على الوقود السائل، وهو ما ينعكس على خفض تكلفة إنتاج الكهرباء وتحسين كفاءة المنظومة وتقليل الانقطاعات.

مقالات مشابهة

  • كوريا تمدد تخفيضات ضريبة الوقود حتى نهاية سبتمبر
  • كيف دفعت المواجهة في جرينلاند أوروبا للاستعداد للحرب مع الولايات المتحدة؟
  • حسني بيّ: شراء الغاز الطبيعي بالسعر الأوروبي أرخص من استعمال الديزل المحلي
  • الاتحاد الأوروبي يشكك في مبررات واشنطن لفرض رسوم جمركية جديدة
  • كوريا الجنوبية تمدد تخفيضات ضريبة الوقود حتى سبتمبر
  • “رويترز”: الولايات المتحدة تستقبل أولى شحنات زيت الوقود العراقي عبر سوريا
  • وزارة الطاقة الأذربيجانية: 700 مليون متر مكعب صادرات الغاز إلى سوريا
  • الناتو يقر استثمارًا بـ27 مليار يورو لتطوير بنية تخزين وتوزيع الوقود في أوروبا
  • حسني بي: أزمة الكهرباء في ليبيا ليست أزمة محطات.. بل أزمة إدارة وحوكمة ودعم
  • الشحاتي: حرق الغاز المصاحب لا يزال أحد أكبر أوجه الهدر في قطاع الطاقة الليبي