بوصفنا قادة عسكريين نحذر أوروبا من روسيا
تاريخ النشر: 16th, February 2026 GMT
ريتشارد نايتون - كارستن بروير - ترجمة: أحمد شافعي
نكتب اليوم إليكم لا بوصفنا قائدين عسكريين لاثنتين من أكبر الدول الأوروبية إنفاقًا على التسلح وحسب، وإنما بوصفنا صوتين من أصوات أوروبا التي باتت مضطرة الآن إلى مواجهة حقائق مزعجة بشأن أمنها.
خلال السنوات الأولى في مسيرتينا المهنيتين كانت أوروبا تخرج من ظل الحرب الباردة، ورأت الحكومات من شتى التوجهات السياسية أن تنال ما عرف بـ«عائد السلام» ـ أي الاستثمار في الخدمات العامة مع تخفيض الإنفاق الدفاعي، وكان ذلك خيارًا مفهومًا في حينه.
لكن من الواضح الآن أن التهديدات التي نواجهها تستوجب تغييرًا جذريًا في دفاعنا وأمننا.
ولقد ناقش قادة أوروبيون -وكذلك مسؤولون عسكريون ومدنيون- العواقب الضرورية في مؤتمر ميونيخ الأمني السنوي.
بوصفنا قائدين عسكريين نرى يوميا من خلال المعلومات الاستخباراتية والمصادر العلنية كيف تحول الموقف العسكري الروسي تحولًا حاسمًا باتجاه الغرب؛ فقواتها تعيد التسلح، وتستفيد من دروس حرب أوكرانيا، وتعيد تنظيم صفوفها بما يزيد من خطر نشوب صراع مع بلاد الناتو.
وهذا واقع يجب أن نستعد له، ولا مجال للرضا عن النفس؛ فالحشد العسكري الروسي -إلى جانب استعداد روسيا لشن حرب على قارتنا كما تجلى بوضوح في أوكرانيا- يمثل خطرًا متزايدًا جديرًا بأن يستدعي اهتمامنا الجماعي.
في قمة لاهاي العام الماضي التزم قادة الناتو بإنفاق 5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع والأمن بحلول عام 2035. وهذا يعكس واقعنا الأمني الجديد، ويتطلب خيارات صعبة وتحديد أولويات الإنفاق العام لجميع الدول الأعضاء.
وبوصفنا اثنين من قادة الدفاع في اثنتين من أكبر الدول الأوروبية التي توفر الأمن وجب علينا أن نوضح المخاطر؛ لكي يفهم الناس سبب التزام حكوماتنا بأكبر زيادات مستدامة في الإنفاق الدفاعي منذ نهاية الحرب الباردة.
ولذلك؛ فمن المهم أن نوضح حجم التهديد، ولا بد أن يفهم الناس الخيارات الصعبة التي تعين على الحكومات أن تواجها من أجل لتعزيز الردع.
يعلمنا التاريخ أن الردع يفشل عندما يرى الخصوم الانقسام والضعف. وإذا ما رأت روسيا أوروبا بهذه العين فقد تجترئ على توسيع عدوانها حتى يتجاوز أوكرانيا. وواقع الحال أننا نعلم أن نوايا موسكو تتجاوز الصراع الحالي، لكن الخبر السار هو أن أوروبا قوية؛ فحلف الناتو يعد أنجح تحالف عسكري في التاريخ، وقوته العسكرية اليوم مجتمعة لا نظير لها.
لدينا قدرات متطورة في المجالات البرية والبحرية والجوية والإلكترونية، والردع النووي. ونحن نتكيف منذ أمد بعيد مع الواقع الأمني الجديد من خلال إقامة نموذج جديد للأمن الأوروبي يرتكز على المشاركة والاستعداد والتعاون.
يبدأ هذا بتعميق التعاون بين بريطانيا وألمانيا؛ فاتفاقية ترينيتي هاوس التاريخية المبرمة بيننا في عام 2024 تمهد الطريق لتعاون غير مسبوق يعود بالنفع على كل من أمننا واقتصاداتنا.
ولا بد أن يعني الاستعداد العسكري وجود صناعة دفاعية أوروبية قوية؛ إذ يتبين لنا من أوكرانيا أن القواعد الصناعية أساسية لاستدامة أي حرب كبرى، بل تحقيق النصر فيها في نهاية المطاف.
ويثبت من زيادة الإنفاق الدفاعي الجاري في بلادنا أننا نأخذ هذا الأمر على محمل الجد؛ فليس بوسعنا أن نردع ما لم يكن بوسعنا أن ننتج، ولا بد من أن تكون صناعاتنا قادرة على الإنتاج المستدام، وتصنيع الذخائر والأنظمة والمنصات التي تحتاجها قواتنا بالوتيرة التي يتطلبها الصراع الحديث.
تقيم بريطانيا حاليا ستة مصانع للذخيرة على الأقل سوف توفر قدرة دائمة على دعم مخزونات الذخائر.
وتقوم ألمانيا بنشر لواء قتالي كامل بشكل دائم على الجناح الشرقي، وقد عدلت دستورها لتوفير تمويل للدفاع يكون جوهريا غير مقيد.
وقد بدأت عملية شراء آلاف المركبات المدرعة بالتزامن مع توسيع القدرة الصناعية. فضلا عن ذلك؛ ستضخ مبادرة «العمل الأمني من أجل أوروبا» (SAFE) التابعة للاتحاد الأوروبي مائة وخمسين مليار يورو (مائة وثلاثين مليار جنيه إسترليني)؛ لتعزيز قاعدة الصناعة الدفاعية الأوروبية.
وثمة بعد أخلاقي في هذه الجهود؛ فإعادة التسلح ليست دعوة للحرب، وإنما هي العمل المسؤول الذي تقوم به الدول عاقدة العزم على حماية شعوبها والحفاظ على السلام. فالقوة تردع العدوان، والضعف يدعو إليه.
وأخيرا؛ يتطلب تعقيد التهديدات نهجًا مجتمعيًا شاملًا وحوارًا صريحًا على مستوى القارة مع الرأي العام مفاده أن الدفاع ليس حكرا على العسكريين فقط، بل هو مسؤولية كل فرد منا.
والدفاع المجتمعي الشامل يتطلب بنية أساسية متينة، ويتطلب من القطاع الخاص بحوثا وتطويرا في مجال التكنولوجيا المتقدمة، ومؤسسات وطنية مستعدة للعمل في ظل تهديدات متزايدة؛ فالطريق الذي ينتظرنا يستلزم الشجاعة والحوار الصريح مع مواطنينا؛ لأن أمن أوروبا هو مسؤوليتنا المشتركة، وعندما تعمل أوروبا مجتمعة فإننا نصبح قوة هائلة.
ريتشارد نايتون قائد القوات الجوية البريطانية
كارستن بروير رئيس أركان الدفاع الألماني
الترجمة عن ذي جارديان
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..