الصهيونية عنصرية.. عريضة حزب الخضر تكسر محرمات لندن السياسية
تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT
لندن- لم تعد العريضة السياسية "إيه 105" المقدمة لمؤتمر حزب الخضر البريطاني لعام 2026 مجرد صدى للحراك الشعبي المؤيد لفلسطين، بل بدت كنتاج إستراتيجي لتطور هذا الحراك وتحوُّله من "احتجاج عابر" في الشارع إلى فعل سياسي منظم يخترق صلب المؤسسات الحزبية.
فبينما ألف المشهد البريطاني المظاهرات التضامنية، تأتي هذه العريضة لتنقل نقد الصهيونية وطروحات "حل الدولة الواحدة" من الغرف المغلقة إلى طاولة النقاش السياسي العلني، وهو ما يطرح تساؤلا جوهريا حول ما إذا كان المشهد السياسي يقف اليوم أمام تحوُّل جذري في قواعد اللعبة التي طالما حصرت القضية الفلسطينية داخل "تابوهات" (محظورات) أيديولوجية لا تُمس.
والعريضة التي يتبناها نشطاء بارزون داخل الحزب، لا تكتفي بتصنيف الصهيونية كأيديولوجيا عنصرية، بل تذهب أبعد من ذلك لتطرح حل "الدولة الواحدة" كخيار سياسي للنقاش، متجاوزة التهديدات التقليدية بتهم "الإرهاب" أو "معاداة السامية" التي كانت تُجهز مسبقا لإسكات أي صوت يجرؤ على مساءلة جذور الصراع.
تضامن فعلي
وبغض النظر عن مآلات هذه العريضة، فإن قيمتها السياسية والأكاديمية تكمن في كونها تُمثّل نقلة نوعية تشرعن نقاشات كانت بالأمس القريب سببا للملاحقة، محولة الصهيونية من "مقدس سياسي" إلى مادة للتحليل العلني في قلب واحدة من أعرق الساحات السياسية في العالم.
وكشفت عضوة حزب الخضر، لبنى سبتيان، عن الدوافع العميقة خلف العريضة التي تهدف لتحويل الخضر إلى "حزب مناهض للصهيونية"، وقالت للجزيرة نت إن ارتباطها بالمبادرة هو ارتباط بالدم والهوية قبل الالتزام الحزبي، مضيفة "أنا ابنة الشتات الفلسطيني، وفُجعنا بمقتل 56 فردا من عائلتي في غزة خلال الحرب الجارية، بينهم الطفلة هند رجب".
وتابعت لبنى أن الهدف الإستراتيجي هو تحدي سلاح "معاداة السامية" وتعريفات التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (آي إتش آر إيه) والتي وُظّفت لسنوات كدرع لحماية إسرائيل من أي نقد بنيوي.
وهذا الاندفاع الميداني يلتقي مع رؤية سياسية يتبناها أعضاء بريطانيون داخل مؤسسات الحزب؛ حيث أكد داميان وايلي عضو مجلس محلي عن الخضر في "كورنوال" للجزيرة نت، أن دعم العريضة ينبع من قناعة ضرورة إنهاء مرحلة "التضامن الشكلي".
إعلانورأى وايلي أن المشكلة تكمن في تجاهل "الأيديولوجيا" التي تنتج الفظائع، وقال "هذه العريضة تجبر الحزب على التوقف عن التظاهر بأن هذا مجرد نزاع في السياسة الخارجية؛ إنه اعتراف بأن الصهيونية هي أحد أشكال العنصرية، وهو ما يعيدنا لجوهر قرار الأمم المتحدة التاريخي رقم 3379″.
وأشار بذلك إلى القرار الأممي الصادر عام 1975 الذي نص صراحة على أن "الصهيونية شكل من أشكال العنصرية"، وهو القرار الذي أُلغي عام 1991 بضغوط سياسية، وتسعى العريضة اليوم لإعادة إحياء جوهره لتفكيك الحصانة الأيديولوجية التي تتمتع بها الصهيونية في الغرب.
عرقلة الديمقراطيةومن جانب آخر، تواصلت الجزيرة نت مع كافة التكتلات المعارضة للعريضة، منها مجموعتا "اليهود الخضر" و"يهود ضد معاداة السامية"، اللتان تقودان حراكا مضادا.
ورغم عدم تلقي رد مباشر منهم، فإن المكتب الإعلامي لحزب الخضر بعث برسالة إلكترونية ردا للجزيرة نت -تعقيبا على استفساراتنا الموجهة للقيادي المعارض "بين صامويل"- أوضح فيها أن "العريضة كغيرها ستخضع لفرز أولويات لتحديد ما إذا كانت ستُطرح للنقاش في المؤتمر العام أم لا؟"، وهو ما فسرته الصحف المحلية ومقدمو العريضة كونه محاولة لعرقلة الديمقراطية.
ويكشف تآكل الخطوط الحمراء بهذا التسارع عن خروج المسلمات الأيديولوجية من دوائر "النشاط الفردي" إلى صلب نقاشات السياسة الكبرى؛ حيث باتت الصهيونية معرضة للنقد الجريء بالتوازي مع طرح "حل الدولة الواحدة" كأفق سياسي ينهي حقبة "الامتيازات الأيديولوجية".
وحول ذلك، قال المحامي والحقوقي البريطاني البارز، فرانك ماغينيس "تمثل هذه العريضة ترسيخا للمكتسبات التي حققها الفلسطينيون منذ (طوفان الأقصى). إنها تمضي لمدى أبعد بكثير مما حققه جيرمي كوربين داخل حزب العمال؛ فنحن أمام إجماع سياسي جديد يتشكل حول الواقع السياسي بالحقيقة البديهية بأن الصهيونية أيديولوجيا عنصرية بطبيعتها".
وقد انتقل النقاش أخيرا من دائرة الخوف إلى دائرة المشروعية؛ حيث بات بالإمكان تفكيك الأيديولوجيات دون خشية من "مقصلة الملاحقة".
وسواء نالت العريضة الأغلبية لتصبح سياسة رسمية تضع قيودا على المعتنقين لفكر الصهيونية داخل الحزب، أو لم تمر إجرائيا، فإن انتصارها الحقيقي قد تحقق بالفعل؛ إذ نجحت في فرض تيار سياسي يعلن أن "الصهيونية فكر عنصري" ويطرح ذلك كمادة للنقاش السياسي المعترف به.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات هذه العریضة حزب الخضر
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..