عربي21:
2026-06-02@21:49:28 GMT

هل كُتب على الليبيين أن تحكمهم العائلات؟

تاريخ النشر: 19th, February 2026 GMT

ليس المقام مقام استعراض لتاريخ سياسي طويل تعاقبت فيه الأسر والسلالات على حكم ليبيا، بخاصة في تاريخها الحديث والمعاصر، لكن يكفي أن نشير إلى أن ظاهرة "العائلة الحاكمة" لم تكن طارئة على المشهد الليبي، فمنذ عهد أحمد باشا القرمانلي وبداية الأسرة القرمانلية، مع مطلع القرن الثامن عشر، مرورا بأنماط حكم وراثي بأشكال مختلفة، وصولا إلى نموذج الدولة الجماهيرية بقيادة الأخ العقيد والمفكّر الأوحد معمر القذافي، ظلّ سؤال الدولة المؤسسية مؤجلا، وسؤال التداول السلمي مؤطرا بالخوف أو العسكرة أو الشعارات الكبرى.



المشكلة لم تكن يوما في اسم العائلة بقدر ما كانت في الفكرة ذاتها، فكرة اختزال الوطن في عائلة، واختزال الدولة في إرث، واختزال الشعب في تابع.

حين تتحول البلاد إلى "مزرعة سياسية" تُدار بمنطق الولاء لا بمنطق الكفاءة، يصبح الحكم مشروعا عائليا، بمباركة برلمانية أو ثلّة من المفسدين المنتفعين لا همّ لهم سوى الثراء الفاحش الناتج عن الفساد المستشري وتوزيع صكوك الولاء، وتتحول مؤسسات الدولة إلى أذرع حماية لا أدوات خدمة.

لقد ارتبطت الديكتاتورية الصلبة في الوعي الليبي بالعسكرتارية، ولغة النار والحديد، والقبضة الأمنية، والاغتيالات، والتغييب القسري، وصناعة الخوف، وتقديس القائد المنقذ.

كانت صورة مباشرة لا لبس فيها؛ ديكتاتورية تعلن نفسها بوضوح، وتفرض بقاءها بالقوة، وتظن أنها خالدة. لكن التاريخ القريب قبل البعيد أثبت أن ما بُني على القمع يسقط على صخرة الإرادة الشعبية، ولو بعد حين.

غير أن الإشكال الأخطر اليوم ليس فقط في استنساخ النموذج الخشن المهيمن على برقة وفزان، بل في بروز نموذج آخر أكثر دهاء بديكتاتورية ناعمة، تتخفّى وراء شعارات الحرية والعدالة والدولة المدنية، بينما في الواقع تُدار البلاد بعقلية الغنيمة، وتُختزل الثورة في مكاسب، وتُستنزف الموارد في شبكات المحاباة والفساد، لا يُرفع السوط عاليا كما في برقة وفزان، بل تُرفع اللافتة البرّاقة، ويُمارس الإقصاء بأدوات قانونية ملتوية، وتُنهب الدولة باسم التمكين.

قد يستغرب المرء! كيف يمكن أن تنشأ أسرة حالمة بالحكم الوراثي بعد أن رأى الليبيون بأم أعينهم النهاية الدامية لتجربة سابقة؟ كيف يُنسى المشهد المرعب بهذه السرعة؟ أهي الذاكرة السياسية القصيرة؟ أم إنها أزمة وعي جمعي لم تُعالج جذورها بعد؟

إن أخطر ما في الأمر أن يتحول الحلم بالحكم العائلي -شرقا كان أم غربا- إلى مشروع معلن أو مضمر، وأن يُسوَّق للناس بوصفه "ضمانة للاستقرار" وكأن الاستقرار لا يتحقق إلا بتوريث السلطة، وكأن الشعب قاصر يحتاج إلى وصاية دائمة. هذه المعادلة المختلّة هي التي تعيد إنتاج الاستبداد، ولو بأقنعة مختلفة.

ليبيا اليوم لا تعاني من فائض عائلات حاكمة، بل من غياب دولة حاكمة بالقانون، الدولة التي يكون فيها المنصب تكليفا لا تشريفا ووصاية، مسؤولية لا ميراثا، عقدا اجتماعيا لا غنيمة حرب.. حين تغيب هذه الفلسفة، تتكاثر المشاريع العائلية، ويُعاد تدوير الاستبداد في صور متعددة.

السؤال إذن ليس: هل قُدِّر على الليبيين أن تحكمهم العائلات؟ بل: هل اختار الليبيون بعدُ أن يحكمهم القانون؟

فالديكتاتورية -مهما تنوّعت أشكالها- معادلة خاسرة. قد تطول، قد تتجذّر، قد تُحسن التمويه، لكنها في النهاية إلى زوال. والتاريخ الليبي، كما غيره من تاريخ الشعوب، شاهد على أن الحكم الذي لا يستند إلى رضا الناس ومؤسساتهم إنما يؤجّل سقوطه ولا يمنعه.

إن التحدي الحقيقي ليس إسقاط عائلة لتحلّ أخرى، ولا استبدال قبضة صلبة بأخرى ناعمة، بل كسر الفكرة ذاتها: فكرة أن الوطن إرث شخصي. وحين تُكسر الفكرة، يسقط الرمز، وتنهض الدولة.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء ليبيا الديكتاتورية قانونية الاستبداد عائلات ليبيا استبداد قانون ديكتاتورية عائلات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

واشنطن: ندعم حصر السلاح بيد الدولة في العراق

هدى جاسم (بغداد)

جددت الولايات المتحدة الأميركية، أمس، موقفها الداعم لإجراءات القوى السياسية العراقية من أجل حصر السلاح بيد الدولة.
وأكد القائم بأعمال السفارة الأميركية في العراق، جوشوا هاريس، خلال لقائه مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم الأعرجي، أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تدعم الحكومة العراقية كما تدعم العراق المستقل بسيادة كاملة، وأن يكون الاقتصاد والتنمية هما المحرك الفاعل للعراق ولشعبه، كما جدد هاريس دعم إجراءات حصر السلاح بيد الدولة.
وكانت قوى «الإطار التنسيقي» فوضت رئيس الحكومة العراقية علي فالح الزيدي القائد العام للقوات المسلحة باتخاذ القرارات والإجراءات الكفيلة بحفظ المصالح العليا للبلاد وحصر السلاح بيد الدولة، وفك الارتباط بين «الحشد الشعبي» عن الأطر السياسية انطلاقاً من الدستور العراقي.
وقالت مصادر صحفية عراقية: إن 5 ميليشيات مسلحة عراقية تجري مفاوضات مع الحكومة العراقية للتوصل إلى آلية لتسليم سلاحها للدولة.

القضاء العراقي
وحذر مسؤولون ومحللون سياسيون في العراق من أن القضاء العراقي يتدخل بصورة مباشرة في حسم ملف الميليشيات المسلحة التي لم تنخرط في مسيرة تسليم السلاح، وهو ما يعني إمكانية وقوع صدام مسلح.

أخبار ذات صلة واشنطن تشترط فتح «هرمز» كاملاً لإنهاء الحصار على إيران لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي تمهد الطريق أمام اعتماد اتفاق الرسوم الجمركية مع الولايات المتحدة

مقالات مشابهة

  • هل أرهقت تكاليف الحياة الأردنيين؟
  • واشنطن: ندعم حصر السلاح بيد الدولة في العراق
  • حسين الشحات يقترب من أهلي طرابلس الليبي
  • مبعوث ترمب: إعادة السلاح إلى الدولة بداية عهد جديد في العراق
  • من الفكرة إلى التطبيق.. طلاب جامعة الجلالة يصممون نظامًا متطورًا لمحاكاة الرنين المغناطيسي
  • بعد دعوة الأزهر.. تصالح آخر العائلات المتضررة في خصومة ثأرية بأسيوط
  • عبدالعزيز: أطلعتُ على توصيات مسار الحوكمة في الحوار المهيكل وعلى الليبيين رفضها
  • الأغذية العالمي: من واجبنا جميعًا ضمان عدم وصول العائلات اللبنانية إلى مرحلة المجاعة
  • ملف المهاجرين يشعل جدلًا واسعًا في الشارع الليبي
  • شبكات تهريب النفط الليبي.. نزيف اقتصادي وخسائر تلاحق الدولة