صراع المسؤولية والائتمان في قانون الشركات
تاريخ النشر: 21st, February 2026 GMT
د. بدر المسكري **
الشركة محدودة المسؤولية نموذجًا
تُعدّ الشركة محدودة المسؤولية إحدى أبرز الصيغ القانونية التي تبنّتها التشريعات المُعاصرة لتحقيق معادلة دقيقة بين تشجيع الاستثمار وضبط الائتمان التجاري. وقد جاء قانون الشركات التجارية العماني ليكرّس هذا الشكل بوصفه إطارًا ملائمًا لتنظيم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وجذب رؤوس الأموال، مستندًا إلى ركيزتين جوهريتين هما الشخصية الاعتبارية المستقلة للشركة، والمسؤولية المحدودة للشركاء.
غير أن هاتين الركيزتين، على الرغم من أهميتهما الاقتصادية، تثيران تساؤلات قانونية متصلة بمدى كفاية الحماية المقررة لدائني الشركة، لا سيما في حالات التعثر أو سوء الاستعمال.
فالشركة، منذ تسجيلها، تكتسب شخصية اعتبارية مستقلة عن أشخاص الشركاء، بما يترتب عليه قيام ذمة مالية منفصلة، يكون لها وحدها حق اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات. وهذا الاستقلال يعني أن العلاقة بين الشريك والشركة ليست علاقة تطابق أو اندماج، بل علاقة قانونية يحكمها مبدأ الفصل بين الذمتين. وقد استقر القضاء العُماني على هذا الفهم، إذ أكدت المحكمة العليا العمانية في أكثر من مناسبة- من بينها الطعن رقم 877/201- أن الشركة كشخص معنوي لا تختلط شخصيتها بشخصية شركائها، وأن ديونها لا تُعد ديونًا عليهم، وهو تأكيد قضائي يُعزز القراءة التشريعية دون أن يُنشئها.
وانطلاقًا من هذا الأساس، قرر المشرع في المادة (234) من القانون ذاته أن مسؤولية الشريك تقتصر على مقدار حصته في رأس المال، فلا تمتد إلى أمواله الخاصة. وهذا التنظيم لا يمثل امتيازًا استثنائيًا بقدر ما يُجسد فلسفة اقتصادية قوامها حصر المخاطر في نطاق المشروع ذاته، بما يشجع على الاستثمار ويُسهم في تنشيط الحركة التجارية. وقد جاء القضاء ليؤيد هذا الاتجاه عند تطبيقه، حيث بيّنت المحكمة العليا العمانية في الطعن رقم 859/2019 أن الرجوع على الشريك خارج حدود حصته يُعد خروجًا على القاعدة التي أرساها القانون، وهو ما يعكس انسجام الاجتهاد القضائي مع الإرادة التشريعية في حماية مبدأ المسؤولية المحدودة.
غير أن هذه الحماية، وإن كانت مبررة من زاوية الاستثمار، قد تُلقي بظلالها على مركز الدائنين؛ إذ ينحصر ضمانهم في أصول الشركة وحدها. فإذا تبين أن هذه الأصول غير كافية أو تم العبث بها، فإن الائتمان التجاري يتعرض للاهتزاز. ومن هنا تدخل المشرع ليقرر استثناءات محددة تُجيز الخروج على مبدأ الشخصية الاعتبارية المستقلة للشركة والمسؤولية المحدودة للشركاء في حالات بعينها، حيث أورد بعض الاستثناءات التي تهدف إلى إسقاط حاجز الحماية عن الشريك وتجعله مسؤولًا في أمواله الخاصة. فقد ورد أول استثناء صريح في المادتين 234و235 قانون الشركات في حالة تجاوز عدد الشركاء للحد الأقصى المسموح به قانونًا وكذلك أورد المشرع العماني استثناء اخر في المادة 236 من قانون الشركات التي تهدف إلى حماية الغير حسن النية ممن يتعامل مع هذه الشركة ضد التضليل بما يتعلق بطبيعة المسؤولية المحدودة للشركاء في هذا الشكل من الشركات؛ حيث تقرر استبعاد ميزة المسؤولية المحدودة للشركاء في حالة عدم ذكر نوع الشركة في اسمها ومراسلاتها وهذا قد يضلل الغير حسن النية الذي يتعامل مع الشركة.
وكذلك أورد المشرع نصًا صريحًا في المادة 242 على المسؤولية الشخصية للشريك في حالة المبالغة في تقييم الحصة العينية التي تضمن جدية وصحة رأس المال وتوضح الملاءة المالية الحقيقية للشركة. فيما عدا ذلك تركز نصوص المسؤولية غير المحدودة في الشركات ذات المسؤولية المحدودة على محاسبة المدير المفوض بالتوقيع والإدارة وفقا للحالات التي نص عليه قانون الشركات. ولا يخفى أن تطبيق هذه المادة من الناحية العملية ينطوي على بعض التحديات العملية مثل صعوبة إثبات سوء النية، مما يضعف فرص دائني الشركة في استرجاع حقوقهم وتظهر أهمية هذه الاستثناءات في كونها أدوات تصحيحية تُفعل عند ثبوت الانحراف، دون أن تمس بالأصل العام.
وقد عكس القضاء هذا التوجه المتوازن، إذ لم يتوسع في تحميل الشركاء أو المديرين مسؤولية شخصية إلا عند قيام موجبها القانوني، بما يحافظ على استقرار المعاملات ويمنع إساءة استعمال الشكل القانوني في آنٍ واحد. فالأحكام القضائية لم تُنشئ نظرية عامة لاختراق الشخصية الاعتبارية، لكنها أيدت تطبيق النصوص الاستثنائية في حدودها المقررة، وهو ما يعزز فكرة أن الحماية الممنوحة للشركاء ليست حصانة مطلقة، وإنما حماية مشروطة بحسن الاستعمال.
ويبدو أن المشرع كان أكثر صراحة في حالة شركة الشخص الواحد؛ إذ أجاز، وفق المادة 296 مساءلة مالكها في أمواله الخاصة عند ثبوت سوء النية أو خلط الذمم، وهو ما يكشف عن إدراك تشريعي لخطورة تركز السلطة في يد شخص واحد. غير أن غياب نظرية عامة لرفع الحجاب القانوني في بقية صور الشركات يطرح تساؤلًا حول مدى كفاية التنظيم الحالي لمواجهة صور التحايل المستحدثة، وهو أمر قد يُترك لتطور الاجتهاد القضائي في إطار النصوص القائمة.
ختامًا.. إنَّ صراع المسؤولية والائتمان في نطاق الشركة محدودة المسؤولية ليس صراعًا عارضًا، بل هو نتيجة طبيعية لفلسفة هذا الشكل القانوني ذاته. فكلما تعززت حماية الشركاء، اتسعت دائرة المخاطر التي يتحملها الدائنون، والعكس صحيح. ومن ثمّ، فإن تحقيق التوازن بين الطرفين يقتضي تطبيق الاستثناءات بحذر، وتفسيرها تفسيرًا ضيقًا يحقق الغاية منها دون أن يُفرغ مبدأ الشخصية الاعتبارية المستقلة للشركة والمسؤولية المحدودة للشركاء من مضمونه.
وقد أظهر القضاء العُماني، في اتجاهاته العامة، حرصًا على هذا التوازن، مؤكدًا أن الشخصية الاعتبارية ليست أداة للتحايل، كما أنها ليست قابلة للإهدار لمجرد تعثر الشركة. وبهذا المعنى، يبقى التوازن بين حماية الاستثمار وصون الائتمان هو المعيار الحقيقي لنجاح التنظيم القانوني للشركة محدودة المسؤولية.
** كلية الحقوق جامعة السلطان قابوس
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الشركة الجزائرية لتحلية المياه تشرع في انجاز ورشات جديدة
تعتزم الشركة الجزائرية لتحلية المياه قريبا إطلاق دراسات جدوى بالشراكة مع مؤسسات و مراكز بحث جامعية، تتعلق باستغلال الهيدروجين الأخضر. و من المياه الجوفية الصحراوية و كذا المحلول الملحي الناتج عن عمليات تحلية مياه البحر. حسبما اكده مسؤول عن هذا الفرع التابع لمجمع سوناطراك اليوم الثلاثاء بالجزائر العاصمة.
وأعلن مدير التطوير بالشركة الجزائرية لتحلية المياه، سفيان زميش، على هامش الدورة الثانية من الملتقى الوطني لتحلية مياه البحر، انه سيتم خلال هذه السنة. اطلاق دراسة جدوى تتعلق باستكشاف إمكانيات استغلال الهيدروجين الاخضر.
وأضاف ان هذه الدراسة ستمكن من تحديد الكيفيات المثلى لمساهمة الشركة الجزائرية لتحلية المياه في تطوير وإنتاج هذه الطاقة بالجزائر. مشيرا الى ان الهيدروجين الأخضر يشكل “قطاعا واعدا” يستحق ايلاءه اهتماما خاصا. بالنظر الى أهميته الاستراتيجية في الانتقال الطاقوي و التنمية المستدامة.
كما تطمح الشركة الجزائرية لتحلية المياه -يضيف ذات المسؤول- الى تثمين المحلول الملحي الذي يعد المنتج الثانوي الرئيسي لعمليات تحلية مياه البحر. معلنا في هذا الصدد عن التوقيع المقبل لاتفاقية اطار مع المرصد الوطني للبيئة والتنمية المستدامة التابع لوزارة البيئة و جودة الحياة.
وتابع يقول ان هذه الاتفاقية ستسمح للجانبين بالتعاون الوثيق حول الجوانب البيئية المرتبطة بتسيير و تثمين المحلول الملحي.
واشار في هذا الخصوص الى تجربة تقنية أولى تمت بنجاح على مستوى مصنع تحلية مياه البحر بقورصو بومرداس). حيث بادرت الفرق التقنية بتوصيف المحلول الملحي من أجل تحديد المكونات المعدنية التي يحتويها. و هي المرحلة التي اعتبرها “أساسية” من اجل استغلالها الصناعي.
وأضاف السيد زميش “سنعمل على نموذج أولي من شأنه السماح بتحديد الشروط الحقيقية لتثمين هذا المورد. كما سيتم بالموازاة مع ذلك القيام بمشاورات مع المتعاملين الاقتصاديين الوطنيين من اجل دراسة إمكانيات تسويق المنتجات الناتجة عن ذلك”.
ويعد استغلال الموارد المائية للصحراء الجزائرية من بين محاور اهتمام الشركة، إذ أعلن السيد زميش عن التوقيع خلال الأيام المقبلة على اتفاقية-إطار مع جامعة ورقلة التي تملك. كما قال, قاعدة معطيات مفصلة في هذا المجال.وستسمح هذه الشراكة بالاستفادة من كافة المعطيات المتوفرة حول الموارد المائية للجنوب. لاسيما تلك متعلقة بعمق المياه الجوفية والمعطيات الفيزيائية والكيميائية. وذلك قصد إعداد أنظمة تصفية ومعالجة تتلاءم مع لخصوصيات المحلية.
و بخصوص الشطر الأول من البرنامج التكميلي الثاني لتحلية مياه البحر المتعلق بمصانع تلمسان والشلف ومستغانم , تطرق ذات المسؤول إلى “الوتيرة المكثفة”للأشغال ميدانيا.
و يتضمن الشطر الأول الذي أقره رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، إنجاز ثلاثة مصانع كبرى بطاقة إنتاجية تقدر ب 300.000 متر مكعب/يوميا لكل واحد. بولايات لشلف ومستغانم و تلمسان.
لدى تطرقه لمسألة التنمية المستدامة والانتقال لطاقوي، جدد زميش التأكيد على “التزام الشركة بالانضمام كليا لهذا المسعى بشكل تدريجي ومهيكل”،مشيرا إلى أن هذه الأخيرة أطلقت العديد من الدراسات المعمقة من باب المساهمة في ذات المسعى”.
في هذا الإطار, أضاف أن الشركة تتطلع لإدراج الطاقات المتجددة في مشاريعها الخاصة بتحلية مياه البحر، لاسيما من خلال اللجوء لمنشآت الطاقة الضوئية-الشمسية و لحلول أخرى تخص انتاج الطاقة النظيفة على مستوى مواقعها الانتاجية.بدوره، أبرز عبد الحميد أشلي, مدير فرعي بوزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمؤسسات لمصغرة. أهمية ادراج الحلول المبتكرة في سلاسل القيمة الخاصة بتحلية مياه البحر.
وشرح قائلا أن الهدف المحدد من قبل الوزارة يكمن في اشراك ما بين 12 و16 مؤسسة محلية في كل فرع لمحطة التحلية. مستشهدا بمثال التعويض السنوي و إعادة استعمال أغشية المحطات. وهو نشاط يمكن التكفل به محليا من قبل مؤسسات ناشئة جزائرية بدلا من الاستعانة بمؤسسات أجنبية.
و قد عرفت الطبعة الثانية للملتقى الوطني حول تحلية مياه البحر الذي تنظمه شركة “ايكوجيك” تحت الرعاية السامية لوزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمؤسسات المصغرة. مشاركة خبراء وممثلين عن مؤسسات و رؤساء مؤسسات. بالإضافة إلى باحثين تحت شعار: “الابتكار في صميم تحلية مياه البحر: تحسين الكفاءة الطاقوية و التكنولوجيات المتقدمة والرقمنة. و الطاقات المتجددة من أجل نموذج مستدام و مرن”.
div>
إضغط على الصورة لتحميل تطبيق النهار للإطلاع على كل الآخبار على البلاي ستور
إضغط على الصورة لتحميل تطبيق النهار للإطلاع على كل الآخبار على البلاي ستور