شدّني هذا العمل لحمد الشهابي. يوجه المؤلف في صفحة إهداء الكتاب إلى: «حبيباتي مريم، منى، مها، مروة، منيرة، وملكة قلبي جميلة»، يليها صفحة المقدمة، التي يوضح فيها سبب انتخابه لهذه القصة المعنونة بـ«الموتى لا يكذبون» لمؤلفها الأديب الفرنسي غي. دو. موباسان. يقول الشهابي: «...قصة الموتى لا يكذبون رائعة من روائع قصصه القصيرة، أبهرتني من قوة المضمون واكتشفت فيها سعيه إلى ترك عدد من الألغاز لكي يفك طلاسمها القارئ.
تعد المسرحية من نوع المسرحية ذات الفصل الواحد؛ «فالمادة الدرامية فيها مكثفة لا تحمِل تطورا دراميا كبيرا، فهي ترتكز على موضوع واحد يُبرز أزمة أو حالة أو يطرح مرحلة في حياة شخصية ما دون الدخول في التفاصيل»، ونظرًا لكثافة الحدث وتركيز بؤرة الصراع الداخلي المتصاعد في دائرة تخصّ علاقة الحبّ بين عاشقين (باتسيتا وأندرو) فإن النص يتميز «بسرعة الإيقاع وبوحدة المكان وبقلة عدد الشخصيات التي تصور بملامحها العامة - المعجم المسرحي»، ويتمظهر هذا كله في مدارة فعل الكذب وفقدُ أحدهما للآخر ظاهريًا بسبب الموت، لنكتشف في نهاية المسرحية أن الموت المعنوي كان قد بدأ مع بداية علاقة الحب، وأن كلاهما كانا يخفيان أمرا ما عن الآخر، وبعد انتقال الحبيبة إلى العالم الآخر وتحين ساعة تسجيل الأثر الطيب على القبر، تُتكشف لنا الحقيقة الأصلية التي تكون بمثابة الصدمة للجميع.
في المسرحية يُغامر الشهابي مغامرة محسوبة وخطرة في آن، عندما يلجأ إلى خلق شخصية الشيطان، والعزف على وتيرة ما يعزفه الشيطان في داخل النفس الأمارة بالسوء! وكيف أدى تدخله إلى تأكيد بعض المقولات المجانية الجاهزة والمغلوطة التي تسكن في ثقافات الشعوب، والمقولة هي: «الشيطان يكمنُ في التفاصيل» فإلى أيّ حد تعدُّ هذه المقولة صائبة وموجودة فعلا تعتمل في تكوين داخل الإنسان؟ وفي أثناء حضور الشيطان في التفاصيل، فهل يَنتخب ما يُريد من تفاصيل أم يلعب مع العقل لعبة أشبه بالمسابقة؟ إنّها لعبة خطرة، لكنها تثري الدراما كثيرا.
من ناحية أخرى، يتمظهر سؤال المسرحية في جانب فلسفي يتعلّق بمجال الحواس، أهي كاذبة أم صادقة؟ هل تخدعنا حواسّنا أم تدلنا على الطريق الصحيح. ويتسع التفكير في ذلك السؤال ليجرّ معه أسئلة أخرى من نوع: هل كنا نعرف الميت قبل موته؟ وهل كنا على دراية بكل شيء حوله؟ ألا نريد أن نحافظ على بقاء ذاكرة الميت خالصة جميلة ونقية وطاهرة في قلوبنا؟ لا نريد تصديق أن الميت الذي أحببناه وصادقناه تمتع بالكذب معنا وبالخداع؟ إن تلك القضية هي جزء دفين مع النفس الغائرة أعماقها في رفضها التصديق بأن مَن كنا نحبه أو نُجلّه قد كان يخدعنا. الأحياء قد يكذبون ومرآة الحبّ عمياء؟ إننا كذلك نكذب، ونستطيع أن نقول (نعم أو لا) بطريقة تبدو أن القيامة سوف تقام في تلك اللحظة! فلماذا نلجأ إلى الكذب؟ وما هو الصدق؟ وما حقيقتنا؟
الناظر إلى فكرة إعداد نص مسرحي عن عمل قصصي يجده مشاعا جدا، وهي من نوع المسلّمات المستقرة نقديا. ويظل السؤال المهم فنيًا: أين الجدّة في الإعداد؟ يلجأ حمد الشهابي إلى إضافة شخصية الشيطان، فعلى حد علمي أن القصة القصيرة التي ألفها موباسان المكونة من صفحة في الترجمة التي قرأتها، ليس في طبعتها أي ذكر للشيطان، لكن المعدّ يوّسع من اللعبة لمغامرة التخييل.
من أجل إحداث صدمة على القارئ يلجأ الشهابي إلى جعل الشيطان يؤدي دورًا مزدوجًا، فنراه أمامنا بعد فتح الستارة وهو «جالس لوحده في صالة شقة أندرو وباتيستا. الشيطان قلق يقلم أظافره بأسنانه بين الفينة والأخرى ينظر ناحية باب غرفة النوم»، ويهدف من قيامه بذلك التنصّت على باب الغرفة لكي يغوي الاثنين ويضحك عليهما ويفرق بينهما.
ينطلق الشهابي من وظيفة ثابتة للشيطان في ثقافة المرجعية الدينية الإسلامية نصَّ عليها القرآن الكريم في قوله تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم: «إنما يُريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء» -سورة المائدة-91، وقوله تعالى أيضا: «يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما» -سورة الأعراف-27، وفي غيرها من الآيات الدالة الفاضحة لوظيفة الشيطان وهي فعل الوسوسة.
ويستفيد الشهابي من القرآن الكريم ليُدلل على تلك الوظيفة في مواقف كثيرة توزعت على فصلين ولوحات المسرحية الست. فعندما تُقرر باتيستا الخروج والذهاب لزيارة صديقتها قائلة: «...أحس أني تأخرت على موعدي مع صديقتي، ولقد أخبرتك عنه منذ يوم أمس.. لقد وعدتها بالحضور، ولا أستطيع أن أخلف وعدي»، فإن أندرو الذي كان يعلم ذلك ولكنه يُفضل أن تبقى معه ناثرا عليها معسول الكلام قائلا: «... لا تتصورين مقدار الحب الذي أشعر به، وسعادتي التي لا توصف وأنا معك»، عندئذ؛ يتدخل الشيطان للتعليق على الكلام فيقول: «لا يحبك، هذا حديث قد عفى عليه الزمن. اذهبي حيث شئت.. أنت حرة في حياتك، في جسمك، في جمالك! وهذا شيء تمتلكينه أنت وليس غيرك!»
إن الموقف الدرامي هنا، يدعو إلى السخرية؛ فالشيطان يسخر من الشخصيتين، فيجعل المشاهد مستقبلًا سلبيًا للحدث، بمعنى أن المتفرج يعي وجود الشيطان لأنه يراه أمامه، ويعي أنه يوسوس للشخصيتين كلُّ على حدة، فإمّا أن يتعاطف المتفرج مع الشخصيتين ويعدّهما ضحيتين، أو ينتظر المتفرج لعبة الخفاء والحيل التي سيلجأ إليها الشيطان لإغواء الضحيتين. تبلغ السخرية متعتها عندما يتهكم الشيطان حتى على نفسه بالقول: «(معلقا) سحر النساء.. أوف.. أخاف منه وأنا الشيطان»، وفي موضع آخر يقول: «واصلي.. (يلتفت إلى المشاهدين) هذه المرأة تستطيع أن تضحك حتى عليَّ أنا، وتخدع عفاريت العالم وغيلانه جميعًا..».
منبع التعليقات الساخرة كما يرى باتريس بافيس في (معجم المسرح) تصدر بفعل مبدأ السخرية الدرامية، فهي مرتبطة بالموقف الدرامي الذي تنطلق منه. فالمهم في هذا الموقف بالمسرحية أن يجري تثبيت وظيفة أن الشيطان يكمن في التفاصيل، وبما أننا لا نراه ولا نسمعه إلا في التكوين الداخلي للنفس البشرية الضعيفة، فإن الشيطان يولّد طاقة التخييل على قدر الموقف الدرامي، وعند هذه اللحظة -بحسب باختين- يعثر المتفرج على ميزة السخرية الضاحكة؛ بتحويل فعل الضحك- ضحكنا- إلى سخرية تجعلنا في وضعية كشف لذواتنا من خلال الصورة التي يقدمها لنا الشيطان.
إن مقولة الشيطان للجملة السابقة سيُؤدي إلى إضحاك الجمهور، مما ينقل شخصيته من وظيفة الشر المُطلق، إلى تسكينه في دور أقرب بدرجة من درجات فن الفارْس Fairs وهو فن يقوم فيه الإضحاك على المبالغة الكلامية والحركية، وكم تبدو هذه الشَعرة حادة وطفيفة تقلب الجدية إلى سخرية.
في النص الثاني (رقصة الباليه الأخيرة) المكثف حدثًا وبناءً وتوصيلًا يلعب الشهابي على ثلاث شخصيات هي (ياسين، وهو شاب متهور لعوب، وسُمية زوجته، وعواطف حبيبته)، ويسبق التعريف بشخصيات المسرحية، كلمة المؤلف التالية: «احذر من اللعب ضد المرأة؛ لأنها لو اكتشفتك تفعل ذلك ستحولك إلى لعبة نكرة...».
سأتجاوز هذا التحذير للتركيز على نقطة واحدة تتمثل في ديمومة الدراما بالاتكاء على خصوبة أضلاع مثلث العلاقات الزوجية: ضلع الزوجة والزوج والصديق. لا يتكرر حضور هذا الضلع بتقليديته في هذه المسرحية، لكنه يحوم في أرجائه ويتغلغل عبر فعل الخيانة المحبب كثيرا في هذا النوع من العلاقات الدرامية؛ لأن فعله يقود إلى لعبة الانتقام. فمتن النص الحواري ولعب الشخصيات الثلاث يكشف عن اشتراكها المتكافئ معا في إدارة الصراع.
ختاما، ستعثر منظومتا علم النفس والنسوية على ضالتهما في هذين النصين الجميلين اشتغالا، سواء على صعيد المحتوى أو على صعيد البناء. وستكون مهمة المُخرج المسرحي أو الدراماتورج الذي سوف يتصدى أحدهما إلى تقديم نص العرض المسرحي، الاستناد قبل كل شيء إلى قراءة المنهج الذي يُساعد على توليد العلامات غير الظاهرة وفق المنظورين (الداخلي - الخارجي) كعلامات حوار عامل المقبرة: «اسمع يا بني.. قد يَكذب الأحياء علينا، ولكن الموتى لا يكذبون» والتي بعدها يكشف (أندرو) الجانب الخفي الحقيقي الصادم لحبيبته (باتيستا)، والعلامات المتشابهة الأخرى على قبور الآخرين. كذلك حوار (سمية وعواطف) وإعلانهما معاقبة (ياسين) على ما اقترفه من ذنب تجاههما، والنهاية الساخرة لشخصيته.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فی التفاصیل
إقرأ أيضاً:
ما الذي على ترامب أن يسمعه في الرياض غدًا؟!!
تختلف القمة الخليجية الأمريكية التي يحضرها الرئيس الأمريكي ترامب هذه المرة عن تلك التي حضرها في ولايته الرئاسية الأولى، فالعالم لم يعد هو العالم والشرق الأوسط تغير كثيرا عما كان عليه في عام 2017، حتى أفكار ترامب نفسها تغيرت رغم أن استراتيجية «الصفقة» ما زالت هي التي ترسم تفاصيل المشهد في مجمله.
عودة ترامب إلى المنطقة هذه المرة لا تمثل استئنافا لتحالفات تقليدية ولكنها اختبار لتوازنات جديدة تتشكل بهدوء في شرق العالم وغربه. ولذلك سيكون أمام قادة دول الخليج الذين سيحضرون القمة غدًا مسؤولية كبيرة ليُسمعوا ترامب ما يجب أن يسمعه حول مستقبل الشراكة الخليجية الأمريكية وحدودها وشروطها.
أحد أهم الأفكار التي على ترامب أن يسمعها غدًا في الرياض أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة تجاوزت كل الحدود وباتت عبئا أخلاقيا واستراتيجيا على حلفاء واشنطن، وفي مقدمتهم دول الخليج. وإذا كانت دول الخليج لا تستطيع، منطقا، الطلب من أمريكا أن تتخلى عن إسرائيل، فإن عليها في هذه القمة أن تطلب من أمريكا قبل ترامب إعادة تعريف العلاقة معها ضمن إطار يحفظ للمنطقة استقرارها ويكبح جماح السياسات التي تهدد بإشعال صراعات لا يمكن احتواؤها.
ورغم أن الحديث عن التطبيع مع إسرائيل بات مريرا، بعد سلسلة الجرائم التي ارتُكبت في غزة ولبنان وسوريا واليمن خلال الأشهر الماضية، فإن من الضروري أن توضح دول الخليج موقفها للرئيس الأمريكي إذا ما أعاد طرح ملف الاتفاقيات الإبراهيمية وتحيله إلى شروط المبادرة العربية التي تشترط قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، ودون ذلك، إن الدفع باتجاه تطبيع غير مشروط يعكس ما وصفته دراسات غربية بأنه «تسوية وظيفية» لا «تسوية سياسية»، أي بناء علاقات سطحية دون معالجة جذور الصراع، مما يهدد بإعادة تدوير العنف، إضافة إلى أنه تخلٍ واضح عن القضية الفلسطينية.
وفي هذا السياق، فإن ملف الطاقة لا يُمكن فصله عن مفهوم الشراكة الاستراتيجية. فالاستقرار الاقتصادي الذي تسعى إليه واشنطن مرهون باستقرار سياسي لا تصنعه السوق وحدها، بل يضمنه التفاهم العميق مع الحلفاء.
ولا يجب هنا أن يغيب عن بال ترامب أن موازين القوى في الخليج لم تعد أمريكية بالكامل. فالصين بعد الاتفاق النفطي في عام 2023 مع الرياض، أصبحت شريكا موازيا في التجارة والاستثمار، فيما تتقدم الهند كمحور جيو ـ اقتصادي بديل، كما أن المستثمرين الروس، وهم كثر، نقلوا الكثير من ملياراتهم إلى الخليج منذ فبراير 2022 إلى اليوم. وعلى ترامب أن يسمع بوضوح أن الحديث عن «العودة إلى الشرق الأوسط» لا يكفي وعليه أن يعرف جيدا أن الشراكة اليوم لم تعد عمودية، بل أفقية، قائمة على التوازن لا التبعية.
ثمة أمر آخر شديد الأهمية، وهو إشكالية عميقة تراكمت منذ ولاية ترامب الأولى وتتمثل في تداخل المصالح الخاصة مع مصالح الدولة، ومن حق الدول الخليجية أن تسمع إجابة واضحة: هل الشراكات التي أبرمت منذ ولاية ترامب الأولى إلى اليوم هي عميقة مع واشنطن أم مرحلية عمرها الافتراضي لا يتجاوز أربع سنوات!
هذا السؤال وما شابهه من الأسئلة ليست هامشية؛ فالثقة الاستراتيجية تُبنى على مؤسسات، لا على أفراد. والدول الخليجية لا تريد بناء علاقات استراتيجية قائمة على أفراد وإلا فإنها قادرة على البحث عن توازنات جديدة أكثر موثوقية في لحظة مفصلية من لحظات التغير العميق في العالم.
وفيما يخص الطاقة وهو موضوع لا يمكن فصله عن العلاقات الاستراتيجية والاستقرار السياسي فمن المهم أن يسمع ترامب وجهة نظر خليجية قوية مفادها أن ليس في مصلحة أمريكا أن تضعف أصدقاءها وحلفاءها عبر العمل على انهيار أسعار النفط، وكذلك فرض رسوم جمركية تنهار معها اتفاقيات التجارة الحرة بين أمريكا ودول الخليج.. تحتاج دول الخليج إلى أخذ التزامات من واشنطن تضمن استقرار المنطقة سياسيا واقتصاديا.
سيكون على الرئيس الأمريكي، إذا أراد استعادة ثقة حلفائه، أن يُظهر استعدادا للاستماع إلى الكثير من الملاحظات الاستراتيجية وفي مقدمتها أن الخليج بات قادرا على بناء شراكات استراتيجية أمنية واقتصادية مع أقطاب جديدة في العالم، وأن تكلفة دعم إسرائيل باتت عالية سياسيا وأمنيا، وأن الشراكة الاقتصادية لا يمكن أن تغطي على فجوات الثقة.
لن تكون قمة الرياض، إذن، اختبارا لشكل العلاقة مع إدارة ترامب فقط، ولكن للحظة الخليج نفسها: هل ما زالت ترى في أمريكا شريكا حصريا، أم أصبحت شريكا بين شركاء في نظام عالمي يعاد تشكيله بلا قيادة مركزية؟ الجواب لن يظهر في البيان الختامي ولكن في الخيارات الفعلية التي تتخذها العواصم الخليجية بعد القمة.