ناسا تمكنت من لمس الشمس فكيف حصل ذلك؟
تاريخ النشر: 31st, December 2024 GMT
كشفت وكالة الفضاء الأميركية ناسا عن تمكن مسبارها الفضائي "باركر" من تحقيق رقم قياسي جديد باقترابه من الشمس بمسافة لم يصل إليها أي جسم صنعه الإنسان من قبل، إذ وصل مسبار الفضاء اليوم، 24 ديسمبر/كانون الأول، إلى مسافة 6.1 ملايين كيلومتر فقط من سطح الشمس، محققا سرعة هائلة تتجاوز 190 كيلومترا في الثانية، وبذلك فقد تمكن المسبار من لمس أثر الجسيمات التي تمثل الغلاف الخارجي للشمس.
ويُعد هذا الاقتراب، المسمى بـ"الحضيض الشمسي" الـ22 من نوعه، الأول ضمن مجموعة من التحليقات القريبة المخطط لها حتى عام 2025، وأكدت وكالة ناسا أن المسبار في حالة تشغيل كاملة ومستعد للمناورات الفضائية المقبلة.
الكثير من الأسئلةباركر هي أولى رحلات البشر للشمس، لذلك سوف تكون محملة بالكثير من الأسئلة على متنها، فالشمس أقرب النجوم لنا، والتعرف إلى تركيبها ونشاطها وآليات تفاعلها مع الفضاء المحيط يعطينا مدى واسع من البيانات يمكن لنا تطبيقه على نجوم أخرى وفهم تركيب الكون بشكل أعمق. والشمس كذلك هي مصدر الحياة على سطح الأرض، لذلك كلما ازداد فهمنا لها ارتفعت درجة فهمنا للحياة هنا على الأرض، أو ربما على كواكب أخرى.
ناهيك عن احتياجنا الشديد لفهم طبيعة الرياح الشمسية، التي تنطلق في شكل غازات متأينة من سطح الشمس لتعبر الأرض بسرعات تصل إلى 500 كم/ثانية، ليؤثر ذلك على الغطاء المغناطيسي للأرض، وكذلك على أقمارنا الصناعية وأدوات اتصالنا، كذلك سوف يعطينا التعرف إلى تركيبها وآليات عملها فرصة أفضل لحماية روّاد الفضاء المنطلقين خارج الغلاف الجوي وتصميم أدوات تساعد على حمايتهم من الآثار الضارة لتلك الرياح الشمسية.
إعلانلذلك فإن المهمة الأساسية للمركبة "باركر" سوف تكون دراسة كيفية تحرك الطاقة والحرارة خلال الهالة الشمسية، وفهم السبب في تعجيل الرياح والجسيمات الشمسية الأخرى، لهذا السبب تحديدًا تمت تسمية المركبة باسم مسبار باركر، نسبة إلى الفيزيائي الفلكي يوجين باركر من جامعة شيكاغو، رائد علوم فيزياء الشمس والذي توقع نظريًا وجود الرياح الشمسية قبل ستين عامًا.
ربما كذلك تستطيع المركبة إعطاءنا كمّا من البيانات المفيدة والذي يمكن أن يفسر سبب الفارق المهول في درجات الحرارة بين سطح الشمس (حوالي 5800 درجة مئوية) وهالتها (ملايين الدرجات المئوية بنسب متفاوتة لا تقل عن نصف مليون درجة)، لنفترض مثلًا أنك – مع بعض الأصدقاء – تجلسون الآن في أحد الأيام الشتوية حول النار للتدفئة، من الطبيعي أنك كلما ابتعدت عن تلك النار سوف تقل درجة الحرارة الخاصة بها، لكن ما يحدث على الشمس عكس ذلك.
فما أن ترتفع فوق سطح الشمس حوالي 2100 كم -بداية منطقة الهالة- حتى ترتفع درجات الحرارة لتصبح أكبر بمقدار 200- 500 مرة، هناك العديد من النظريات لتفسير ذلك، أحد الأسئلة مثلًا هو: هل تتسبب جزيئات البلازما في ذلك الارتفاع الهائل في درجة حرارة الهالة؟ كذلك، هل تسخن الهالة الشمسية لتلك الدرجات مرة واحدة في كل السطح الشمسي؟ أم أن ذلك يحدث على هيئة بقع انفجارية تنقل الحرارة بين بعضها البعض؟ ستكون إحدى مهمات باركر -ربما- هي التأكيد على صحة تلك الفرضيات من عدمها.
قد يبدو ذلك الخبر مفاجئًا حينما تسمعه لأول مرة، فالبعض يتصور أن تلك مهمة بسيطة؛ خاصة أن البشر تمكنوا بالفعل من إطلاق مركبات كـ فوياجر والتي تتجهز الآن للخروج من المجموعة الشمسية، وكاسيني التي استكشفت عوالم الكواكب الثلجية، لكن في الحقيقة هناك تحديّان رئيسيان واجها رحلة كتلك، وما أن تم تجاوزهما حتى أصبح التخطيط للرحلة ممكنًا.
إعلانالمشكلة الأولى لباركر ذات علاقة بتركيب المسبار ذاته، فالمركبة تقترب من الشمس بشكل يرفع من شدة الضوء والإشعاع الصادر منها بقيمة 520 مرة عن الأرض، بالتالي سوف نحتاج درعا لحماية المركبة من التأثر بتلك الحرارة والإشعاع الشديدين، هذا الدرع يقف في مواجهة الشمس طوال دوراة المسبار حولها حاميًا بقية أدوات المركبة خلفه، في باركر استخدم باحثو ناسا ما نسميه درع "الكربون-كربون المقوى، بسمك 11.5 سنتيمتر تقريبًا.
الكربون-كربون المقوى هو مادة مركبة من ألياف كربون، يتم استخدامها لتقوية شبكة من الجرافيت، تتميز تلك التركيبة بقدرتها الشديدة على تحمل قوة الشد المرتفعة، والحرارة الشديدة التي تصل إلى 2500 درجة مئوية، خاصة أنها ذات وزن خفيف ومُعامل تمدد حراري منخفض، لذلك فهي شائعة في الاستخدامات الفضائية وسباقات السيارات.
المشكلة الثانية، وهي ربما الأكثر دفعًا للتعجب، لها علاقة بكيفية وصول المركبة إلى الشمس، فالبعض يتصور أن الوصول للشمس أمر سهل بفعل جاذبيتها لنا، كل ما تحتاجه هو الارتفاع في الفضاء وترك نفسك للسقوط في الشمس، لكن ذلك غير صحيح، ببساطة لأن الأرض بالفعل تسقط في الشمس، لكنها لا تصل لها أبدا (بل تفوّتها) بسبب سرعة الأرض، فهي تدور حول الشمس بسرعة 30 كيلو متر في الثانية، وهذا ما يجعل كل محاولة لها للوقوع في الشمس تمثل دورة كاملة حولها وهكذا.. وهو ما يفعله القمر في مداره حول الأرض.
لذلك فإن ما سوف يحدث إذا ارتفعت للفضاء وتركت نفسك للسقوط في الشمس هو أنك سوف تتخذ مدارا كالأرض حولها فقط ولن تسقط فيها، لأن سرعتك بالفعل هي سرعة الأرض التي انطلقت منها، بالضبط كما تكون سرعة الذبابة المزعجة في السيارة حولك هي سرعة السيارة التي تتحرك بداخلها، لذلك، سوف تحتاج في البداية لأن تجري عكس اتجاه الأرض ولكن بنفس السرعة، أي 30 كم في الثانية، حتى تخفض من سرعتك وتسقط إلى الشمس.
إعلانلذلك كانت أحد الحلول المقترحة لمدار باركر في البداية، وأي مسبار شمسي آخر، هي أن يذهب أولًا للمشتري، حيث أنه من المعروف أن السرعة المدارية للكوكب ترتفع كلما اقترب من الجسم الذي يدور حوله، وتنخفض بابتعاده عن مركز الدوران، فالمشتري يدور حول الشمس بسرعة مدارية حوالي 13 كم في الثانية، وهي سرعة يمكن لنا الحصول عليها، إذن يمكن للمركبة أن تذهب أولًا لمدار المشتري، والسقوط منه إلى الشمس ثم الدوران حولها على مسافة قريبة.
لكن ذلك سيستهلك الكثير من الوقت والجهد والطاقة، هنا طوّر الباحثون فكرة أفضل، وهي أن تسقط المركبة في البداية إلى مدار الزهرة، وهذا ممكن، ثم تستخدم جاذبية هذا الكوكب سبع مرّات في سبع سنوات لدفعها إلى الشمس، يشبه الأمر -تقريبًا- أن تربط صخرة صغيرة في حبل وتلفها بيديك حولك بسرعة ثم تترك الحبل، فتندفع الصخرة للأمام متخذة من دورانها حولك – بسبب شدك لها أثناء الدوران – القوة للإندفاع، كذلك ستتخذ باركر من جاذبية (أو شد) كوكب الزهرة لها دفعة للإمام.
خلال سبع سنوات بداية من 2018، سوف تتم باركر أربعة وعشرون دورة حول الشمس تنتهي بحلول شهر يونيو للعام 2025 وتنتهي معها مهمتها، خلال تلك الرحلة سوف تتخطى سرعة باركر 700 ألف كيلومتر في الساعة، وسوف تقترب من الشمس بأكبر درجة وسرعة ممكنتين في الدورات الثلاثة الأخيرة، وخلال مجموع تلك الدورات سوف تقسم أجهزة باركر مهماتها لاستخراج كل البيانات الممكنة من سطح الشمس.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات فی الثانیة سطح الشمس إلى الشمس فی الشمس
إقرأ أيضاً:
ما هو موقع "بيكاكس ماونتن" الإيراني المرتبط بالبرنامج النووي؟
هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمهاجمة موقع مرتبط بالبرنامج النووي الإيراني، يعرف باسم "بيكاكس ماونتن"، وهو منشأة محصنة على عمق كبير تحت الأرض، بالقرب من أحد المواقع النووية الإيرانية الرئيسية.
ويعكس التهديد تصاعد التوتر في ظل تبادل طهران وواشنطن للضربات في المنطقة، ما يعرقل الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع.
What is Pickaxe Mountain, the Iranian nuclear-linked site threatened by Trump? - https://t.co/po86dHbHa3
— Reuters Iran (@ReutersIran) July 15, 2026 أين يقع؟يقع بيكاكس ماونتن على بعد 220 كيلومتراً جنوبي طهران، وعلى بعد كيلومترين من مجمع نطنز النووي.
تعرض موقع نطنز، حيث تقع اثنتان من محطات تخصيب اليورانيوم الإيرانية، للقصف خلال الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط) الماضي، وخلال الحرب التي استمرت 12 يوماً العام الماضي.
وقال معهد العلوم والأمن الدولي، وهو مركز أبحاث مقره الولايات المتحدة يركز على حظر انتشار الأسلحة النووية، إنه لم يتم استهداف المنشأة التي لا تزال قيد الإنشاء في بيكاكس ماونتن في أي من هاتين الحربين.
وترتفع قمة الجبل إلى نحو 1600 متر فوق مستوى سطح البحر. وكانت هناك محطتان للتخصيب قيد التشغيل في نطنز، واحدة فوق الأرض والأخرى تحت الأرض.
وذكرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التابعة للأمم المتحدة، أن المحطة الموجودة فوق الأرض دمرت. أما المحطة الأخرى الموجودة تحت الأرض، فمن المرجح أنها تعرضت على الأقل لأضرار بالغة.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية في 22 يوليو (تموز) الحالي، إنه لا يوجد أي نشاط نووي في بيكاكس ماونتن.
President Trump says the US will be hitting the Pickaxe Mountain area, a heavily fortified site linked to Iran's nuclear program, 'pretty soon and very heavily' https://t.co/A8DHUX0kqX pic.twitter.com/Y6bE56FZ4O
— Reuters (@Reuters) July 21, 2026 ما هو بيكاكس ماونتن؟يرتبط الموقع بالبرنامج النووي الإيراني الذي يتسبب منذ فترة طويلة في توتر العلاقات بين الغرب وإيران، التي تنفي سعيها لامتلاك قنبلة ذرية.
وقال معهد العلوم والأمن الدولي إن بناء المنشأة في بيكاكس ماونتن بدأ عام 2020، في أعقاب ما قالت السلطات الإيرانية في ذلك الوقت إنه انفجار ناجم عن عمل تخريبي في منشأة نطنز. وذكرت إيران حينها أن عملية التخريب في نطنز تسببت في أضرار جسيمة قد تبطئ تطوير أجهزة الطرد المركزي المتقدمة لتخصيب اليورانيوم.
وفي سبتمبر (أيلول) من ذلك العام، قال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية آنذاك علي أكبر صالحي، إن "إيران بدأت في بناء مرفق أكثر حداثة وأكبر حجماً وأكثر شمولاً من جميع النواحي في قلب الجبل بالقرب من نطنز، لتصنيع أجهزة الطرد المركزي المتقدمة".
بدوره، أشار مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، رافائيل غروسي، في مقابلة مع شبكة "بي.بي.إس" التلفزيونية في مارس (آذار) الماضي، إلى أن إيران كانت قد أعلنت سابقاً نيتها القيام بأنشطة نووية في بيكاكس ماونتن. وأضاف أن "ذلك يندرج ضمن ما وصفه بأنه توجه إيراني ممنهج لنقل أكثر المنشآت أهمية إلى مواقع تحت الأرض".
ما الذي بنته إيران هناك؟يقول معهد العلوم والأمن الدولي، الذي قام بتحليل صور الأقمار الصناعية للموقع، إنه يضم 4 مداخل يفترض أنها تؤدي إلى منشأة واحدة يُقدر عمقها بما لا يقل عن 100 متر تحت الجبل.
وذكر المعهد في تقرير صدر في 14 يوليو (تموز) الحالي، أن التدابير الدفاعية تتكون أساساً من محيط أمني واسع النطاق وتحصينات شديدة للمداخل. وأشار التقرير إلى أن مدخلي النفق الشرقيين تم ردمهما جزئياً منذ حرب العام الماضي، وبعد اندلاع الحرب الحالية لعرقلة وصول المركبات البرية، لكن لم يتم إغلاقهما بالكامل.
من جهته، قال الباحث في معهد أبحاث السياسة الخارجية سام لير، الذي راجع أيضاً صوراً حديثة للموقع التقطتها الأقمار الصناعية لرويترز إن "تعزيز المداخل من شأنه أن يصعب استهدافها بذخائر خارقة مثل القنابل الخارقة للتحصينات".
ما الغرض الذي يمكن استخدام الموقع لأجله؟قال ترامب في تصريحاته يوم 13 يوليو (تموز) الحالي، إن واشنطن تراقب بيكاكس ماونتن عن كثب ولم ترصد أي نشاط فيه.
وذكر معهد العلوم والأمن الدولي في تقريره أن "تقييمه يشير إلى أن المنشأة لم تبدأ العمل بعد، لكن أعمال البناء مستمرة، وأن من غير الواضح متى يمكن أن تبدأ العمل استناداً إلى صور الأقمار الصناعية وحدها".
وأضاف أنه "إذا بدأت إيران في إعادة بناء قدرتها على تصنيع أجهزة الطرد المركزي، فقد تخطط لتشييد منشأة تجميع أصغر لأجهزة الطرد المركزي في بيكاكس ماونتن قادرة على خدمة برنامج للأسلحة النووية".
كيف يمكن استهداف الموقع؟يرجح خبراء أن المجمع الكائن على عمق كبير يقع خارج نطاق أقوى القنابل الخارقة للتحصينات في ترسانة الولايات المتحدة.
وقال المعهد إن "استهداف الموقع قد يكون ممكناً عبر هجمات أو أعمال تخريب تنفذها قوات برية". وأضاف "مع ذلك، قد توجد نقاط ضعف يمكن استغلالها بواسطة أسلحة تخترق أعماق الأرض عبر هجمات جوية".