ليس من مهمة الدولة إدخالك الجنة. ليست وظيفتها أن تقودك إلى المطلق، ولا أن تُلقنك شكلًا واحدًا للخلاص، ولا أن ترسم لك طريقًا سرمديًا نحو النجاة.

الدولة، في جوهرها، كيان مادي، هش، مؤقت، قائم على التفاوض بين المصالح، خاضع لقوانين التاريخ والتقلبات الاجتماعية. لا يمكنها أن تدّعي امتلاك مفاتيح الأبدية.

ومع ذلك، ما زالت السرديات السلطوية تصرّ، بإلحاحٍ وضاعة، على الالتفاف حول العقل الجمعي، وتدجينه عبر منظومات الخطاب الديني والسياسي، بحيث يُغلق الأفق أمام أي محاولة للفكاك من قبضتها.



لكن لماذا تحتاج السلطة إلى الدين؟ ولماذا يتكئ المستبد على رجل الدين كما يتكئ الاعرج على عصاه؟

يبدو الأمر وكأنه استدعاءٌ مقصود لوهم السرمدية، حيث يحاول الحاكم، كيانٌ زائل بحكم التاريخ، أن يُلبس نفسه رداء المقدس، أن يعبر هشاشته عبر أوهام الإطلاق، أن يتمدد في الزمن عبر أذرع الأيديولوجيا اللاهوتية.

منذ اللحظة التي يدرك فيها أي نظام سلطوي محدوديته، يبدأ في استدعاء الغيبي، يحتمي به، يستخدمه كسلاحٍ ضد أي محاولة لتفكيك بنيته.

السردية هنا ليست جديدة: الملك الذي يتوجّه بمباركة الكهنة، الخليفة الذي يُسمى “ظل الله في الأرض”، الطاغية الذي يحيط نفسه بفقهاء السلطة، في مشهدٍ كاريكاتوري يختزل ألفيةً من التاريخ في صورةٍ واحدة، حيث يجلس السياسي في مركز الهيمنة، بينما يجلس رجل الدين على حافة المشهد، كمجرد انعكاسٍ سلطوي لصورة الحاكم.

حين تتحول الدولة إلى وسيطٍ بين الإنسان والمطلق، يصبح الدين أداةً لإعادة إنتاج السلطة، لا مشروعًا روحيًا مستقلًا. لا تكتفي الدولة بتطويع الدين لخدمتها، بل تحوّله إلى خطابٍ مغلق، لا يسمح بأي تأويلٍ خارج المسموح به، ويُستخدم لتبرير الاستبداد، وتشريع الإقصاء، وعزل المثقف أو نفيه أو التخلص منه أو جعله ضمن منظومة الهيمنة.

يتحول الفقر إلى “ابتلاء”، والقمع إلى “حماية”، والصمت إلى “حكمة”.

لا يعود الإيمان مسألةً شخصية، بل يتحول إلى ميثاقٍ اجتماعيٍ قسري، تفرضه السلطة كإجراءٍ إداري، كجزءٍ من البيروقراطية السلطوية، حيث يصبح التدين علامةً إجبارية على الولاء، لا اختيارًا فرديًا ينتمي إلى حقل التجربة الداخلية للإنسان.

في السودان، لم يكن نظام الجبهة الإسلامية إلا امتدادًا فجًّا لهذه السردية، حيث استخدم الإسلاميون الدين غطاءً لتبرير حكمهم، وحوّلوا جهاز الدولة إلى مؤسسةٍ لإعادة إنتاج الطاعة تحت لافتة الشريعة.

حين استولت الجبهة الإسلامية على السلطة بانقلاب 1989، قدمت خطابًا قائمًا على أن الحكم الإسلامي هو الطريق إلى “المدينة الفاضلة”، حيث يصبح السودان نموذجًا “للدولة الرسالية” التي تقود العالم الإسلامي.

لكن في الممارسة، لم يكن هذا المشروع سوى إعادة تدويرٍ لصيغ الاستبداد الكلاسيكي، مع إضفاء طابعٍ ديني يمنحه غطاءً شرعيًا.

تحولت الدولة إلى مؤسسةٍ عقائدية، تُوظف فيها أجهزة الأمن والمخابرات، ليس فقط لقمع المعارضين، بل لمراقبة إيمان الأفراد، حتى بات الولاء للنظام يتجسد في الشعائر والتصريحات قبل أي شيءٍ آخر.

لم يكن الهدف خلق مجتمعٍ أكثر تدينًا، بل خلق مجتمعٍ أكثر خضوعًا، حيث يصبح التدين جزءًا من البنية البيروقراطية للهيمنة.

كما في كل الأنظمة التي تستخدم الدين كأداة، كان لا بد من تصفية المثقفين الذين يشكلون تهديدًا لهذا البناء.

لم يكن من الممكن السماح لأي خطابٍ بديل أن ينمو، فإما أن يتم تدجين المثقف داخل المنظومة، عبر تقديمه كواجهةٍ دينية “معتدلة”، أو يتم نفيه تمامًا، سياسيًا أو حتى جسديًا.

هكذا وجدنا عشرات المفكرين السودانيين يختارون المنافي، بينما أُفرغت الساحة الثقافية لصالح خطابٍ دينيٍ مؤدلج، يُعيد إنتاج نفسه عبر فقهاء السلطة، الذين تحولوا إلى أدواتٍ ناطقةٍ باسم النظام.

في المقابل، كان الشيوخ والفقهاء الرسميون يتمتعون بامتيازات السلطة: القصور، والصفقات، والظهور الإعلامي المكثف، في حين كانت المساجد المستقلة تتعرض للمضايقة، وأحيانًا الإغلاق.

لم يكن الدين هو المقصود في ذاته، بل كان مجرد قناعٍ سياسيٍ لتمرير مشروع الهيمنة، حيث تتحول المنابر إلى أداة ضبط، لا إلى فضاءٍ للبحث عن المعنى أو للحوار المفتوح.

لكن لماذا تصرّ السلطة على التلبّس بالمقدس؟ ولماذا تعيد إنتاج هذا النموذج رغم فشله؟

الإجابة تكمن في طبيعة السلطة ذاتها، في حاجتها الدائمة إلى تبرير وجودها عبر أدواتٍ ما فوق سياسية.

السياسة، في جوهرها، تقوم على الصراع والموازنة والمصالح، وهي جميعًا أمورٌ نسبية، متغيرة، مؤقتة.

الدولة التي تفقد قدرتها على إقناع الجماهير بشرعيتها من خلال الإنجاز والتنمية، تلجأ إلى استراتيجيةٍ أخرى: تحويل الشرعية إلى سرديةٍ لاهوتية، بحيث لا تعود المسألة متعلقةً بكفاءة الحكم، بل بقدسيته، بحيث يصبح الاعتراض على السلطة نوعًا من التجديف، وتصبح المعارضة السياسية ضربًا من الخروج على النص المطلق، لا على القانون الوضعي.

لكن إذا كانت الدولة ليست مسؤولةً عن خلاص الأفراد، فلماذا تصرّ على لعب هذا الدور؟ ولماذا يصرّ بعض الأفراد على قبول هذه السردية، حتى عندما تكون ضد مصالحهم المباشرة؟

الإجابة تكمن في ما أسماه أنطونيو غرامشي بـ”الهيمنة الثقافية”، حيث لا تفرض السلطة سيطرتها فقط بالقوة، بل عبر التحكم في الخطاب، في الأفكار، في ما يُقال وما لا يُقال.

السلطة الأكثر إحكامًا ليست تلك التي تضطهدك، بل تلك التي تقنعك بأن اضطهادها هو شكلٌ من أشكال الحماية، وأن قمعها لك هو نوعٌ من الرعاية، وأن بقاءها ضروري، حتى لو كان ثمن ذلك هو اختناق المجال العام، وانغلاق الأفق، وانعدام أي إمكانيةٍ لتصور مستقبلٍ خارج الهيمنة.

لكن هل نكتفي بالنقد، أم نطرح سرديةً مضادة؟ هل يمكن تصور دولةٍ لا تحتكر الدين، ولا تُفرغه من مضمونه الإنساني، ولا تستخدمه أداةً في مشاريع السلطة؟

الدولة التي لا تزعم احتكار الحقيقة ليست بالضرورة دولةً ليبراليةً متوحشة، ولا دولةً فوضويةً بلا معنى.

يمكن تصوّر دولةٍ مدنية، اشتراكيةٍ ديمقراطية، تضمن الحقوق دون أن تفرض الوصاية، تحترم الإيمان دون أن تؤدلجه، تتيح المجال للنقد دون أن تمتصّه داخل آلتها البيروقراطية.

في النهاية، الدولة ليست نبيًا، ولا الحاكم قديسًا، ولا النظام السياسي كيانًا سرمديًا.

إنها جميعًا مؤسساتٌ بشرية، قابلةٌ للتغيير، قابلةٌ للزوال، لا تحمل أي قيمةٍ مطلقة، ولا تمتلك أي شرعيةٍ فوق تاريخية.

وإذا كان الإنسان سيحاسب فردًا، فلا مبرر لأن يُفرض عليه طريقٌ واحد، مرسومٌ بأيدي رجال السلطة، باسم الدين، أو باسم الدولة، أو باسم أي سرديةٍ أخرى تحاول تطويعه داخل مشروع الهيمنة.

zoolsaay@yahoo.com  

المصدر

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: حیث یصبح لم یکن

إقرأ أيضاً:

المعتقل السياسي العياشي الهمامي لقيس سعيد: استقل لقد آن لمرحلتك أن تنتهي

وجه المحامي والمناضل السياسي العياشي الهمامي رسالة من داخل سجنه، دعا فيها إلى ضرورة إنهاء مرحلة " العبث" واستقالة الرئيس قيس سعيد لأنها باتت "ضرورة" في ظل الوضع الذي تعرفه البلاد .

وشدد المحامي السجين العياشي الهمامي أن المخرج من "الانقلاب" يكون باستعادة الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات وسراح المساجين والمعارضين.

وقال الهمامي مخاطبا الرئيس سعيد :" إن استقالتَك ليست مطلبًا سياسيًا، بل ضرورةً وطنية عاجلة، لقد فشلتَ، وفقدتَ الشرعية، واستنفدت صبر التونسيين ولم يعد استمرارك في الحكم سوى إمعانٍ في استنزاف الدولة والمجتمع، وتعميقٍ للأزمة، وتأخيرٍ للخروج منها".

وأكد" استقِل، وافتح الطريق أمام إنهاء هذه المرحلة، وإعادة الكلمة إلى الشعب، خمسُ سنوات عجاف مرّت منذ أن انقلبتَ على الدستور الذي أقسمت على احترامه، وافتككتَ كلّ السلطة بلا حسيب أو رقيب أو رادع".

واعتبر أن" المخرج ليس الفراغ ولا الفوضى، ولا استبدال شخصٍ بآخر، ولا الانتقال من استبداد إلى استبداد آخر، المخرج هو استعادة الديمقراطية، دولةٌ يحكمها القانون لا الفرد، ومؤسساتٌ مستقلة، وقضاءٌ مستقلّ، وانتخاباتٌ تنافسية، وحرياتٌ مصونة، وسياساتٌ تعيد للدولة وظيفتها في خدمة مواطنيها، وتنمية تؤمن الرفاه للجميع".

وقال إن:" الإنقاذ يبدأ بالقطع مع سابقة الانقلاب من خلال استعادة الشرعية الدستورية وإرساء أسس دولة القانون، وإلغاء المراسيم القمعية، وإطلاق سراح المساجين السياسيين، وتعليق المحاكمات السياسية، والقطع الصريح مع الخطاب والسياسات التي غذّت العنصرية والكراهية والتمييز، وإعادة الاعتبار لقيم المساواة والكرامة الإنسانية، وتنظيم مرحلة انتقالية تستجيب للأولويات الاقتصادية والاجتماعية، وتمهّد لانتخابات ديمقراطية حرّة تعيد الكلمة إلى الشعب".

وشدد الهمامي، "لقد آن لهذه المرحلة أن تنتهي، حتى تعود الكلمة إلى الشعب، والسلطة إلى القانون، والدولة إلى مواطنيها ومواطناتها".

كما تساءل الهمامي" فماذا أنجزتَ للناس، عدا الخوف والظلم والجوع؟ وماذا حقّقتَ للبلاد، غير التفكّك والاهتراء والتأخر والفشل؟ وعدتَ الناس بالرخاء، فلم يجنوا سوى الغلاء والفقر وانسداد الأفق".

وخاطب الهمامي في رسالته سعيد قائلا:" حوّلتَ القضاء إلى أداة للقمع والتنكيل، وتصفية المعارضات، وخنقِ الصحافة والإعلام، وسجنِ المواطنين بسبب رأي أو تدوينة، وإعادة مناخ الخوف والرقابة الذاتية، خوّنتَ المجتمع المدني، وكبّلتَ العمل النقابي، وأوصدتَ أبواب الحوار، واستهدفتَ بالقمع كلّ حراكٍ شعبي أو تضامني". 

وتابع" وضعتَ دستورك الفردي ورفضتَ حتى إرساء مؤسساته، فتركتَ البلاد في حالةٍ دائمة من الغموض وشبح الفراغ، أفرغتَ الانتخابات من معناها حين تلاعبت بشروطها وسجنت جلّ منافسيك، فأعدت تونس إلى عهد الانتخابات الهزلية وأغلقت باب التداول السلمي على السلطة".



وأضاف" أما السيادة التي رفعتَ شعارها، فقد فرّطتَ فيها، رهنتَ البلاد لدور حراسة الحدود الأوروبية مقابل بعض المال والاعتراف السياسي، فحوّلتها إلى سجنٍ لأبنائها وكابوسٍ لمن اضطرّ إلى العبور عبرها بحثًا عن أفقٍ أرحب، وغطّيتَ ذلك بشعارات سيادوية ونظريات عنصرية بائسة".

وزاد" جعلت من المهاجرين شماعةً لفشلك، ومنحتَ غطاءً سياسيًا لاعتداءات عنصرية طالت حتى التونسيين السود، زرعتَ الكراهية، وجعلتَ الاختلاف تهمة، والنقد جريمة، والمعارضة خيانة.

وأكد الهمامي أن حصيلة سعيد " كارثية حيث جمع بين السلطة المطلقة واللامسؤولية المطلقة، وظل يرمي بفشله على عاتق أعداء وهميين"

وأكد" الشرعية لا تأتي من احتكار السلطة، ولا تُصنع باستفتاءات صورية، ولا بانتخابات على المقاس، بل من حرية الاختيار، واستقلال المؤسسات، وسيادة القانون، والحاكم لا يبقى لأنه يرفض الرحيل، بل لأنه يقبل الاحتكام إلى شعبه.د وما كان انقلابًا على الدستور لا ينبغي أن يصبح قدرًا للوطن".

ويقبع الهمامي بالسجن منذ نهاية عام 2025 ، بعد صدور حكم ضده يقضي بسجنه 5 أعوام في ما يعرف بملف "التآمر".

وسبق أن توجه الهمامي عند اعتقاله برسالة للمعارضة والمجتمع المدني بضرورة التوحد للتصدي " للاستبداد" و" الانقلاب" واسترجاع الحرية .

مقالات مشابهة

  • صيف ملتهب.. انقطاع الكهرباء يشعل الاحتجاجات ويكشف هشاشة البنية التحتية في دول عربية
  • المطران عطا الله حنا: المحبة في المسيحية ليست ضعفًا ولا استسلامًا للظلم أو انتهاك كرامة الإنسان
  • نقابة أطباء الأسنان ترد بقوة: طبيبة فيديو الرقص ليست مصرية.. وهناك من يتاجر بسمعة الأطباء
  • المعتقل السياسي العياشي الهمامي لقيس سعيد: استقل لقد آن لمرحلتك أن تنتهي
  • علي الدين هلال: نجاح الدولة الوطنية يرتبط بالتوازن بين الحكومة والمجتمع
  • حسني بي: أزمة الكهرباء في ليبيا ليست أزمة محطات.. بل أزمة إدارة وحوكمة ودعم
  • محمد صالح: ثورة 30 يونيو امتداد للإرادة الوطنية التي عبرت عنها ثورة يوليو
  • علي الدين هلال : ثورة 23 يوليو منحت المرأة حق الترشح والانتخاب لأول مرة
  • علي الدين هلال: مكتسبات ثورة 23 يوليو لا تزال حاضرة في المجتمع
  • تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”