يمانيون|خاص| عبدالحكيم عامر
الأسلاف والأعراف اليمنية، باعتبارها موروثًا اجتماعيًا تشكل عبر قرون، وأسهم في بناء مجتمع يمني متماسك قادر على إدارة ذاته، وحماية كرامته، بل هي منظومات اجتماعية راقية ومتقدمة في تنظيم حياة الناس، وتحقيق العدالة، وبناء التماسك الداخلي، والتكافل والضبط الاجتماعي، تشبه في كثير من خصائصها ما تصبو إليه الأنظمة القانونية والدينية الحديثة، إن إحياءها يعتبر تحصينًا للمجتمع أمام حرب ناعمة تحاول أن تفرغه من مضمونه الحضاري والثقافي.


في زمن تبدلت فيه الثوابت، وتُشن الحروب بأدوات ناعمة تخترق العقول والوجدان، تبدو المعركة على هوية المجتمعات أكثر شراسة من أي وقت مضى، هدفًا مركزيًا في سياق صراع يُراد له أن يقتلع الهوية، ويمحو معالم الأصالة العرفية والدينية، ويستبدلها بمفاهيم هجينة تغذّي الانسلاخ والتبعية، فإن الأعراف يمكن أن تتحول إلى “درع مجتمعي” يحصن الهوية، ويمنع الاختراق، ويغرس قيم الشهامة، الغيرة، العزة، والالتزام، وهي القيم نفسها التي تستهدفها حملات التفكيك الثقافي اليوم.
الحرب الناعمة ليست صواريخ تنهمر على الجبهات، بل هي اختراق ناعم يُشن على الجبهة الداخلية، يتسلل إلى العقول والأذواق واللغة والعلاقات الاجتماعية، أدواتها: الإعلام، التعليم، الفن، التكنولوجيا، ومنظمات تدّعي “حقوق الإنسان” بينما تنسف ما تبقى من الكرامة، هدفها: تدمير الهوية، وتحويل المجتمعات إلى نسخ مفرغة من محتواها، يسهل توجيهها والسيطرة عليها.
وفي ظل الحرب الكونية على اليمن يتعرض اليمن لغزو ثقافي مكثف، يحاول إعادة تشكيل المجتمع وفق قوالب مستوردة، تشجع التفاهة، والانفلات القيمي، وتحقّر الموروث المحلي، وخاصة الأعراف القبلية التي طالما شكّلت خط الدفاع الأول عن كرامة المجتمع اليمني وتماسكه.
وعلى مدى قرون، شكّلت الأعراف والأسلاف القبلية اليمنية منظومة حكم مجتمعي متكاملة، قامت على مبادئ الشرف، الإنصاف، الحماية، والصلح، وكانت بمثابة الدستور الشعبي قبل الدولة، بل هي منظومة قيمية حاكمة، من “العيب الأسود” إلى “الدخالة” و”التحكيم”، شكلت شبكة أمان أخلاقية واجتماعية.
ولم يكن المشروع القرآني الذي أطلقه الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي في تعارض مع الأعراف، بل على العكس، أوجد بينها وبين القيم الإيمانية تكاملًا عضويًا، وقد تمكّن السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، من تفعيل هذا التكامل، بتحويل القبيلة اليمنية تحت راية الهوية الإيمانية، من كيان اجتماعي إلى قوة اجتماعية وسياسية وثقافية، تدافع عن كرامتها ودينها، وتناهض العدوان بشتى أشكاله، ومنها الحرب الناعمة، بل وكانت القبائل في طليعة المدافعين عن فلسطين، والمناهضين للهيمنة الأمريكية والصهيونية، لأنه لامس شرفهم، وغيرتهم، وكرامتهم الأصيلة.
فالأعراف التي تحمي العرض وتجرّم الخيانة وتردع الظلم، ليست بعيدة عن روح الإسلام، بل هي انعكاس لتطبيق القيم القرآنية على الواقع الاجتماعي، ولذلك تحوّلت هذه المنظومة إلى حليف استراتيجي للمشروع القرآني في مواجهة الفوضى الأخلاقية والفكرية القادمة من الخارج في حرب ناعمة.
في زمن التكنولجيا المتوحشة، والتحلل القيمي، تبدو الأعراف اليمنية كجذور عميقة في يمن الوعي، لا تقتلعها العواصف، بل تتجدد مع كل تحدٍّ، وتزداد تماسكًا في وجه كل محاولة استلاب.
وإذا كانت الحروب العسكرية قد فشلت في كسر صمود اليمن، فإن الواجب الآن هو أن نفشل الحرب الأدهى: الحرب الناعمة… ولن يتم ذلك إلا بالعودة إلى أسلافنا، لا لنبكيهم، بل لنحمل رايتهم ونحمي هويتنا بهم ومعهم.

#قبائل اليمنأسلاف وأعرافعبدالحكيم عامر

المصدر

المصدر: يمانيون

كلمات دلالية: الحرب الناعمة

إقرأ أيضاً:

خبير أممي يكشف تأثير السوشيال ميديا على الهوية الثقافية للشباب

أكد الدكتور عماد الساعي مستشار الأمم المتحدة لإدارة المخاطر، أن المجتمع المصري يتعرض لحملات إعلامية ممنهجة عبر منصات التواصل الاجتماعي، تستهدف تشويه الهوية الوطنية وإحداث حالة من الارتباك لدى الشباب، مشددًا على أهمية بناء وعي حقيقي يحصّن الأجيال الجديدة من الشائعات والأفكار المغلوطة.

وأوضح الساعي، خلال لقائه مع الإعلامي مصطفى بكري في برنامج «حقائق وأسرار» المذاع على قناة صدى البلد، أن حماية الهوية الوطنية لا تتحقق إلا من خلال ترسيخ الثوابت التاريخية والثقافية، وتمكين الشباب من امتلاك المعرفة والأدوات اللازمة لمواجهة حملات التضليل.

وقال الساعي إن اختزال هوية مصر في الحقبة الفرعونية وحدها يعد طرحا سطحيا، مؤكدا أن الحضارة المصرية تمتد عبر آلاف السنين، وأن أرض مصر كانت مأهولة قبل العصر الفرعوني واستمرت حضارتها في التطور عبر عصور متعاقبة، مشيرًا إلى أن فهم اللغة المصرية القديمة لم يتحقق إلا بعد فك رموز حجر رشيد.

اقتصاد الانتباه يغيّر صناعة المحتوى

وأشار الساعي إلى أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت تعتمد على ما يُعرف بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث تسعى إلى جذب المستخدمين عبر مقاطع فيديو قصيرة لا تتجاوز دقيقة واحدة، بهدف زيادة نسب المشاهدة وتحقيق عوائد مالية للمنصات وصناع المحتوى.

وأضاف أن هذه الآلية تجعل المحتوى السطحي أكثر انتشارًا في كثير من الأحيان مقارنة بالمحتوى العلمي أو الثقافي، ما يدفع بعض صناع المحتوى إلى تقديم مواد تركز على الإثارة من أجل تحقيق الأرباح.

وشدد الساعي على ضرورة توظيف المنصات الرقمية في إنتاج محتوى قصير وجذاب يعكس التاريخ والثقافة المصرية، مؤكدا أن مصر تمتلك قوة ناعمة قادرة على جذب اهتمام العالم إذا جرى تقديمها بأساليب حديثة تتناسب مع طبيعة الإعلام الرقمي.

اقرأ أيضاً«السيادة والسلام ودعم الشرعية».. مصطفى بكري يكشف رسائل خطاب الرئيس اليمني

في ذكرى رحيله.. مصطفى بكري: اللواء عمر سليمان تصدى للعديد من المؤامرات ضد الوطن

في ذكرى ثورة 23 يوليو.. عبد الحكيم عبد الناصر ومصطفى بكري يزوران ضريح الزعيم (صور)

مقالات مشابهة

  • صالون الثقافة الجماهيرية بطوخ يستعرض دور القوة الناعمة في تعزيز الوعي
  • خبير أممي يكشف تأثير السوشيال ميديا على الهوية الثقافية للشباب
  • الساعي : مصر تمتلك مقومات قوية لبناء الهوية الوطنية وتعزيز قوتها الناعمة
  • فيلم عن البابا شنودة.. مقترح من عالم أزهري لإحياء القيم في المجتمع
  • القمة النسوية اليمنية تُثمّن إسهامات الزهراء لنقي في دعم السلام وتعزيز مشاركة النساء في اليمن
  • رويترز تكشف معلومات جديدة وخطيرة عن حمولة الطائرة الإيرانية التي وصلت اليمن.. طهران ارسلت كمية من الذهب وعتاد عسكري ونحو 20 خبيراً من الحرس الثوري
  • من خلف الشاشات.. خارطة أدوات الحرب الناعمة ومخططات الهيمنة الصامتة في العصر الرقمي
  • انفو…| خارطة أدوات الحرب الناعمة ومجالات الاستهداف
  • انفو..| خصائص وأشكال الحرب الناعمة لتفكيك المجتمعات
  • بو الرايقة: الليبيون يخوضون معركة يومية تستنزف المال والأعصاب كل صباح