عربي21:
2026-07-24@15:07:49 GMT

إسرائيل وإيران وتصدّع الحروب الوجوديّة

تاريخ النشر: 28th, June 2025 GMT

شكّل بنيامين نتنياهو، بعد هجمات السابع من أكتوبر 2023، عنواناً لدمج بين تصميمين استراتيجيين في إسرائيل: التصميم على تدمير أي قوة في الإقليم ترفع شعار القضاء على إسرائيل، والتصميم، في الوقت ذاته، على منع قيام دولة فلسطينية، أياً كانت صيغتها.

هذا التحول يشي بتعديل على ما كان يُشكّل جوهر خطّ «حيروت-الليكود» التاريخي قبل 7 أكتوبر.


صحيح أن نتنياهو عُرِفَ، منذ صعوده الأول إلى رئاسة الحكومة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، برفضه المبدئي لـ«حل الدولتين»، وتبرّمه العلني من اتفاق الحكم الذاتي الموقع مع منظمة التحرير في 1993. بل إنه، بعد أفول نجمه مؤقتاً داخل اليمين لصالح أرييل شارون مطلع الألفية، استعاد شرعيته الحزبية والأيديولوجية من خلال اتهامه شارون بالارتداد عن مبدأ «وحدة أرض إسرائيل»، وذلك في أعقاب قمع هذا الأخير للانتفاضة الفلسطينية الثانية، ومن ثم تبنّيه خيار «فك الارتباط» مع قطاع غزة، بما شمل الانسحاب وتفكيك المستوطنات، وانشقاقه عن الليكود لتأسيس حزب «كاديما»، معلناً بوضوح أن «إسرائيل لا يمكنها أن تسيطر على الفلسطينيين إلى الأبد».

غير أن نتنياهو، وحتى السابع من أكتوبر، ظل يُراهن على إدارة الصراع لا على حله، سواء في السياق الفلسطيني أو الإقليمي الأوسع.

فقد اعتقد أن بوسعه الاستثمار إلى ما لا نهاية في وضعية فلسطينية انقسامية عصيّة على التجاوز: غزة تحت حكم «حماس» ومحاصَرة، مقابل سلطة حكم ذاتي ضعيفة ومنكمشة في الضفة الغربية. وقد عمد إلى هندسة دورات تصعيد تتبعها فترات تهدئة، موازياً ذلك بإعطاء الأولوية لفتح قنوات، ثم إبرام اتفاقيات تطبيع مع دول عربية غير مجاورة، كالمغرب والسودان ودول مجلس التعاون الخليجي.
استراتيجية نتنياهو كانت، حتى يوم الهجمات، تقوم على تحييد المسألة الفلسطينية وتجفيفها ببطء، من دون الذهاب إلى مواجهة اجتثاثية شاملة.

كانت استراتيجية متناغمة تماماً مع التصور الذي وضعه زئيف جابوتنسكي، رائد «الصهيونية التنقيحية»، في مقاله الشهير عن «الجدار الحديدي»، حيث كتب مطلع العشرينيات أن العرب لن يقبلوا طوعاً بقيام دولة يهودية، وبالتالي لا بد من بناء جدار حديدي من القوة يجعلهم ييأسون من المقاومة، وعندها فقط يمكن التفاوض.

وقد عمل نتنياهو على إقامة هذا الجدار، مستنداً إلى الجدار العازل باعتباره سجنًا جماعياً للفلسطينيين، وعبر تعميق انسداد الأفق والاستثمار في الجمود، ضمن إطار تطبيع إقليمي مشروط بوضع المسألة الفلسطينية بين مزدوجين.

احتاج حزب الليكود، بعد السابع من أكتوبر، إلى إعادة تأويل معنى «الجدار الحديدي». لم يعد مقبولا لديه ترك الجماعات التي ترفع، بشكل منهجي، شعار «تدمير إسرائيل» وشأنها، بانتظار أن تتجفف أو تذبل دوافعها واندفاعاتها من وراء الجدار.

في الأساس، لم يدعُ جابوتنسكي إلى «تدمير العدو»، بل إلى عزله وتركه يتحلل خلف الجدار. وكان له انتقاد لاذع لمرامي اليسار داخل الحركة الصهيونية، معتبرًا أنهم أضاعوا الوقت والجهد في محاولة تعديل نظرة العرب إلى المشروع، متعاملين معهم كأطفال، بينما المطلوب هو التعامل مع العرب ومع أعداء الفكرة الصهيونية باعتبارهم راشدين، وفرض الإرادة عليهم بالقوة، وترك عامل الزمن وحده كفيلابسحب فكرة تدمير هذا المشروع من أذهانهم.

لكن نتنياهو، بعد 7 أكتوبر، وجد نفسه مضطرًا إلى «تعديل جابوتنسكي»، فأعلن رفضه لاحتواء «أي تهديد وجودي يختبئ خلف حدودنا مترصدًا لحظة الانقضاض». اعتمد معياراً استئصالياً يؤدي الى حرب إقليمية شاملة، وإن تعددت جولاتها ولحظاتها وامتدت لسنوات: كل من يرفع، بشكل منهجي، شعار تدمير إسرائيل، اعتبر ضالعاً في المنظومة القيمية والعنفية التي أفضت إلى 7 أكتوبر، ويجب بالتالي ضرب كل أضلاع هذه المنظومة، أحيانًا بالتتابع وأحيانًا بالتزامن.

غير أن كلفة سحب شعار «تدمير إسرائيل» تباينت من ميدان إلى آخر. ففي غزة، اقترنت بحرب على السكان أنفسهم، اتخذت سمة إبادية مستمرة. أما في لبنان، فكانت حرباً تقويضية على حزب الله، استثمرت في الانقسام اللبناني الحاد حول الحزب وسلاحه وحروبه. وفي إيران، شنت الحرب المركزة على ضرب القدرات النووية الإيرانية وهو ما تحقق إلى حد كبير وعلى ترسانتها الباليستية، وهو ما يبدو أنه لم يحقق نتيجة حاسمة، بمثل ما جرى التركيز على إضعاف هيكل «الحرس الثوري». أما مسألة تغيير النظام «ككل»، فمرتبطة بالنسبة لإسرائيل بمعيار وحيد: إما أن يفكّ هذا النظام ارتباطه بما في ذلك العقائدي والدعائي بشعار تدمير إسرائيل، وإما أن الحرب عليه ستستمر «بعد الحرب».

المفارقة هنا مزدوجة. فمن جهة، استدعى تدمير منشآت فوردو ونطنز وأصفهان تدخلاً أمريكياً مباشراً، ثم استدعى هذا التدخل، بعد بضعة أيام، «تجميد الحرب» ووقفها، ما دامت قد تجاوزت «حدودها» وأخذت المواجهة «الجو-صاروخية» فيها منحى يتعارض، خصوصاً بعد الضربات الأمريكية، مع أولوية ترامب المُعلنة بعدم توريط مشاة البحرية الأمريكية مجدداً في نزاع لا طائل منه، واستنزافي للقوة العظمى.
رغم استمرار النظام في تبنّي الموقف العقائدي الرافض لوجود إسرائيل، إلا أن ثمة ما تغيّر فعلياً في نظرته إلى الولايات المتحدة
ومن جهة أخرى، فإن هذا الأسلوب غير المسبوق في إدارة النزاع التدخل النوعي السريع لتوجيه ضربة حاسمة، ثم تجميده مباشرة يدفع إيران إلى مغادرة عصر بأكمله من الشعارات الثورية، وعلى رأسها «الموت لأمريكا».

ورغم استمرار النظام في تبنّي الموقف العقائدي الرافض لوجود إسرائيل، إلا أن ثمة ما تغيّر فعلياً في نظرته إلى الولايات المتحدة. بدلامن أن تفضي المشاركة الأمريكية، أولاً في التوطئة التضليلية للحرب الإسرائيلية على إيران، ثم في حسم مفصلها النووي عبر التدخل المباشر، إلى مزيد من الإدغام بين شعاري «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل»، فإنها تدفع اليوم في اتجاه فكّ الارتباط بينهما.

تجري إذاً، والحال هذه، عملية «إعادة توزيع» للعداء: إذ لم يعد للإيرانيين مصلحة في تصوير أمريكا وإسرائيل كجسم واحد لا ينفصل، وهذا من بعد حرب خاضتها كل من إسرائيل وأمريكا على إيران! لكن، ما تؤسسه أيام المواقعة الكبرى يتجاوز هذه العتبة: فتبنّي إسرائيل الليكودية لمنطق «الحرب الوجودية» بعد 7 أكتوبر، وذهابها الى الحرب الكلّية ضد إيران، يفتح أمام هذه الأخيرة، وللمرة الأولى بهذا القدر من الجلاء، باب مصلحة استراتيجية-ثقافية في النأي بنفسها عن منطق «الحرب الوجودية»، القائم على تقدير حتمية الإلغاء المتبادل: إما زوال إسرائيل إما سقوط النظام الإسلامي في طهران.

دعك من كل مكابرة، لقد ظهر أن هناك فجوة بيّنة بين خوض إيران الحرب بشجاعة دفاعاً عن وجودها، وبين ربط استمرار النظام فيها بالعمل على «محو» إسرائيل من الوجود.

القدس العربي

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه غزة إيران المواجهة ترامب إيران غزة الاحتلال المواجهة ترامب مقالات مقالات مقالات سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة مقالات سياسة سياسة رياضة اقتصاد سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تدمیر إسرائیل

إقرأ أيضاً:

"ترامب": أدرس شنّ أوسع هجوم ضد إيران وعواقب محتملة لانخراط "إسرائيل"

واشنطن - صفا

قال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يوم الخميس، إنّه يدرس شنّ هجوم هو الأوسع ضدّ إيران، مشيراً إلى أنه ستكون لمشاركة "إسرائيل" فيه، عواقب محتملة.

جاء ذلك في تصريحات أدلى بها ترامب لموقع "أكسيوس" الأميركي، مساء اليوم، قال خلالها إنه يدرس بجدية، استئناف العمليات القتالية الكبرى في إيران، بما في ذلك ضربات ستكون أكبر من تلك التي نُفذت خلال الحرب الشاملة الأخيرة، التي أطلقت عليها واشنطن مسمّى "الغضب الملحميّ".

وأوردت تقارير إسرائيلية، بأن رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، سيعقد، غداً الجمعة، اجتماعاً أمنياً مصغّراً، بشأن التصعيد الحالي.

وأقرّ ترامب بأنه ستكون عواقب لقرار كهذا، وأكد أنه لم يتخذ قرارًا نهائيًا بعد. كما لم يحدّد موعدًا نهائيًا لقراره.

وأكد مسؤولان أميركيان آخران، أنه لم يتم إجراء أي اتصال، أو إصدار أي أوامر جديدة للجيش الأميركي، بحسب "أكسيوس".

وقال ترامب "أدرس شنّ هجوم واسع النطاق، أكبر من أي وقت مضى"، مضيفا: "أنا على وشك اتخاذ القرار، ونحن على أتمّ الاستعداد لذلك".

وذكر ترامب أن "إسرائيل ستنضم في غضون دقيقتين، إذا طلبت منها ذلك"، لكنه أكّد مستدركاً: "لسنا بحاجة إلى أي طرف" لشن عملية جديدة ضد إيران.

وقال كذلك، إن انضمام "إسرائيل" إلى الضربات، سيترتب عليه "عواقب"، ملمّحاً إلى ردّ إيرانيّ محتمل، ضد "إسرائيل".

وذكر ترامب أن الإيرانيين "يريدون التفاوض"، لكنهم غير مستعدين لإبرام اتفاق في الوقت الراهن، مضيفاً "لم يتلقوا ما يكفي من الألم بعد".

وأفاد مصدران إقليميان مطّلعان على جهود الوساطة، بأنّ القيادة الإيرانية لم تقبل المقترح الأخير المطروح.

وقال أحد المصدرين: "نحن نحاول، لكن الإيرانيين لا يتعاونون".

وصعّدت الولايات المتحدة هجماتها خلال الأيام الاثني عشر الماضية في محاولة لوقف الهجمات الإيرانية على السفن التجارية في مضيق هرمز.

كما كثفت إيران هي الأخرى، هجماتها في المنطقة.

مقالات مشابهة

  • مكتب رئيس وزراء إسرائيل: نتنياهو يلتقي ترامب الثلاثاء في أمريكا
  • تدمير صاروخ توماهوك أمريكي في سماء محافظة كرمان جنوب شرق إيران
  • هاجم العرب وطلاب الشريعة وصادق إسرائيل.. الرحلة المثيرة لجنرال بوركينا فاسو
  • سيناريوهات التصعيد بين أمريكا وإيران.. هل تنضم إسرائيل إلى المواجهة أم تبقى خارجها؟
  • باذيب: المشاريع التوسعية لإسرائيل وإيران تجعل العودة إلى الوراء شبه مستحيلة
  • مكتب نتنياهو: إحباط مخطط إيراني لاستهداف مسئولين كبار في إسرائيل
  • استخبارات غربية: إيران قد تهاجم إسرائيل استغلالاً لخلافها مع أميركا
  • ترامب يلوّح بهجوم واسع على إيران ويؤكد أن إسرائيل قد تشارك فيه
  • "ترامب": أدرس شنّ أوسع هجوم ضد إيران وعواقب محتملة لانخراط "إسرائيل"
  • ترامب: أقترب من شن هجوم ضخم على إيران.. إسرائيل ستنضم خلال دقيقتين