مصريون يجدون وطنا ثانيا في تنزانيا بعد الهجرة جنوبا
تاريخ النشر: 25th, July 2025 GMT
عندما غادر أحمد جينة قريته في دلتا النيل شمال مصر عام 2017 متجها إلى العاصمة التنزانية دار السلام، كان يحمل حلمه لا أكثر، وبعد 4 سنوات أطلق اسم ذلك الحلم على شركته.
قال جينة الملقب بـ"عمدة المصريين في دار السلام" للجزيرة "عندما قدمت إلى تنزانيا في سن 28 لم يتصور أحد لماذا أتجه جنوبا"، موضحا أن كثيرا من أصدقائه وأقاربه في مصر يرون دول أفريقيا جنوب الصحراء بصور المجاعة والفقر والمرض، لكن ما وجده كان إمكانا حقيقيا لبناء مستقبل جديد.
في عام 2021 أسس جينة شركته "دريم تريدينغ" بمدخرات بلغت 3 آلاف دولار، وبدأ بتجارة الأدوات المنزلية المصنوعة من الألمنيوم، ثم توسع لاحقا إلى قطاع الحديد.
وإلى جانب عمله أصبح جينة شخصية مرجعية للمهاجرين الجدد من شمال أفريقيا يقدم لهم المشورة والمساعدة.
روتينه اليومي يبدأ مع سائقه حامد الذي يقله إلى مستودعات الشركة، ثم إلى "سيتي مول" المركز التجاري الشهير في حي كارياكو، وهناك يقضي وقتا في مقهى صومالي يلتقي فيه بمصريين وتنزانيين، ويتشارك معهم إفطارا من الماندازي أو "تشيبسي ماياي".
وغالبا ما يسبق المصريين إلى تنزانيا قريب أو صديق، أما من يأتون وحدهم فيساعدهم جينة على إيجاد سكن، أو يمنحهم فرصة عمل ويغطي جزءا من إيجارهم، كما يقدم لهم ترجمة موثوقة، ولا سيما أن سكان القرى لا يتحدثون إلا السواحلية، مما يعرّض الوافدين الجدد لمخاطر الاحتيال أو سوء الفهم.
يقول جينة "أساعد من جاء ليعمل، لا من يعتمد على الآخرين أو المترجمين، هذا البلد مليء بالفرص، لكنه لا يمنحها للكسالى".
خلال 8 سنوات ساعد جينة عشرات الشباب من قريته على الاستقرار في تنزانيا، حيث يعيش نحو 70 ألف عربي، بينهم 1200 مصري، بحسب السفير المصري في البلاد شريف إسماعيل عام 2023.
إعلان هجرة جنوبية متسارعةفي ظل اقتصاد متعثر بدأ شباب مصريون يبحثون عن بدائل للهجرة غربا، كما يقول أيمن زهري خبير الهجرة في الجامعة الأميركية بالقاهرة.
ارتفع عدد المصريين في دول أفريقية غير عربية من 46 ألفا عام 2017 إلى 54 ألفا بحلول 2021.
ورغم أن بعضهم لا يزال يخوض رحلات محفوفة بالمخاطر عبر البحر المتوسط فإن المصريين شكّلوا عام 2023 أكثر من 7% من الوافدين إلى إيطاليا، بحسب تقرير مركز الهجرة المختلطة.
وجاء رد الاتحاد الأوروبي باتفاق جديد مع مصر بقيمة 7.4 مليارات يورو، لتعزيز الرقابة على الحدود جزئيا.
ويقول زهري إن وجهات الهجرة المصرية تشهد تحولا ملحوظا نحو أفريقيا، توازيا مع توسع العلاقات الدبلوماسية والتجارية المصرية في القارة.
ويضيف أن الهجرة إلى أفريقيا غالبا ما تكون مؤقتة أو دورية، حيث يعود المهاجر إلى مصر أو ينتقل بين دول حسب الفرص المتاحة.
هذا الحراك يظهر جليا في ليالي الجمعة بمطار جوليوس نيريري بدار السلام، حيث تتجه طائرة إلى القاهرة، وخلال مواسم الأعياد تمتلئ بوابات المغادرة بالعائلات المصرية العائدة لزيارة الأهل أو بناء منزل أو تجهيز زواج أو أداء فريضة الحج.
مهارات مصرية مرحب بهاتشهد القارة الأفريقية نموا في الجاليات العربية وشمال أفريقيا، وتحتل دولة جنوب أفريقيا الصدارة بنسبة 85% من المصريين المقيمين في أفريقيا، تليها نيجيريا وكينيا والسنغال.
يروي جينة قصة أصبحت رمزا شعبيا: شاب زار صديقه في جنوب أفريقيا أواخر التسعينيات، فاعتُقل بسبب مخالفة تأشيرة، وعند خروجه لم يكن يملك سوى بعض أواني الألمنيوم فباعها ليشتري تذكرة العودة، ومن هنا انتشرت فكرة وجود سوق واعدة للسلع المنزلية المصرية.
ومنذ ذلك الحين توسعت الأعمال المصرية في القارة لتشمل التصنيع والزراعة والمعادن.
ويرى جينة أن موجة جديدة من الهجرة بدأت بعد ثورة 2011 حين تأثرت دول الخليج وليبيا بالتوترات السياسية، فاتجه البعض جنوبا.
محليا، وجد المهاجرون بيئة عمل أكثر ترحيبا، فقد أطلقت الحكومة التنزانية مركز الاستثمار لتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين، منها تخفيض الرسوم الجمركية وإعفاءات ضريبية وتحفيز نقل الأرباح وتأجيل الضرائب للمشروعات الخاسرة حتى 5 سنوات.
ويقول مفوض السفارة التنزانية في القاهرة مكامي إدي مكامي إن بلاده توفر استقرارا سياسيا واقتصاديا بنسبة تضخم منخفضة وسعر صرف مستقر، مما يمنح المستثمرين أمانا ماليا.
ويضيف زهري أنه رغم محدودية الفرص داخل مصر فإن بعض الدول الأفريقية منفتحة على المهارات المصرية في قطاعات البناء والزراعة والتعليم والتقنية.
ومع ذلك، تبقى الهجرة إلى أفريقيا محدودة مقارنة بدول الخليج وأوروبا، بسبب الصورة الذهنية السلبية الراسخة لدى البعض تجاه القارة.
تبعد قرية مايان نحو 550 كيلومترا جنوب شرق دار السلام، وهناك أسس محمد الشافعي (34 عاما) مصنعين لمعالجة الكاجو عام 2018، مستفيدا من محصول يشكل 10 إلى 15% من عائدات تنزانيا من العملات الأجنبية.
إعلانوقال الشافعي "تجارة الكاجو قائمة على الثقة، العملية دقيقة تبدأ بزراعة وحصاد حساس، ثم معالجة تجهز الكاجو للتصدير"، وتحتل تنزانيا المركز الثامن عالميا في إنتاج الكاجو.
تخدم شركة الشافعي عملاء من العالم العربي وتركيا، وتشغّل نحو 400 عامل مصري وصيني وتنزاني، إضافة إلى عمال موسميين في أكتوبر/تشرين الأول.
بدأ رحلته صدفة، إذ درس الصينية في جامعة القاهرة، ثم أكمل تعليمه في بكين، وهناك تعرّف إلى فيتناميين يعملون في المجال، فاكتشف أن تنزانيا فرصة واعدة، وأنه يمكنه توفير معدات الصناعة من الصين.
وبتشجيع منهم، تواصل مع مزارعي الكاجو عام 2017، ومع استثمار أولي قدره 200 ألف جنيه مصري (نحو 11 ألف دولار حينها) أنشأ شركته واستورد آلتين من الصين.
وفي عامي 2023 و2024 أنجزت شركة الشافعي للاستثمار المحدودة 13 شحنة تصدير بقيمة تقارب 719 ألفا و700 دولار.
انتقل مع أسرته إلى دار السلام ليكون بالقرب من أولاده، ويعيش وسط الجالية المصرية والعربية إلى جانب تنزانيين من أصول يمنية وعمانية وإيرانية قدموا إلى البلاد في زمن الحكم العربي قبل ثورة زنجبار عام 1964.
ويقول إن المصريين مندمجون في المجتمع، ويشاركون في احتفالات مثل يوم "سابا سابا"، وعيد الأضحى، ويوم اللغة السواحلية عبر وجبات جماعية في قرى مزارع الكاجو.
أما جينة فيقول "نبني صداقات حقيقية مع التنزانيين، ونتواصل في العمل والمساجد والأندية الاجتماعية"، لكنه يعترف بأن أصعب لحظات الغربة تكون عند الوفاة، إذ يتكاتف المصريون لإعادة الجثمان ودعم الأسرة ماليا ومعنويا.
ويضيف "حين تكون عائلتك إلى جوارك تزول الغربة، ومع التقنية الحديثة نرى أهلنا يوميا عبر الهاتف".
ويختم قائلا "تنزانيا أصبحت بحق وطنا ثانيا لي، حيث ينشأ أبنائي، لا أعلم متى سأعود إلى بلدي".
تم نشر هذا التقرير بالتعاون مع منصة إيجاب.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات دراسات دار السلام عام 2017
إقرأ أيضاً:
3 دول وهدف واحد.. استضافة أمم أفريقيا 2032
مع انطلاق سباق استضافة كأس الأمم الأفريقية 2032، دخلت 3 دول من منطقة الساحل على خط المنافسة بملف مشترك يحمل أبعادا رياضية وسياسية وتنموية في آن واحد.
وبين طموح تنظيم البطولة والتحديات التي تواجهها المنطقة، تسعى مالي والنيجر وبوركينا فاسو إلى إقناع الاتحاد الأفريقي لكرة القدم بقدرتها على احتضان الحدث القاري الأكبر.
وأعلنت اتحادات كرة القدم في الدول الثلاث أنها بدأت بالفعل التحرك الرسمي نحو تقديم ملف مشترك، عقب مشاركة مسؤوليها، السبت الماضي في نيويورك، في جلسة عمل مع رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي، خُصصت لبحث ملامح هذا الترشح المشترك، بحسب بيان أصدره الاتحاد المالي لكرة القدم الثلاثاء.
ووصف الاتحاد المالي الاجتماع بأنه يمثل "مرحلة حاسمة" في مسار الترشح، موضحا أنه يتيح للاتحادات الثلاثة استكمال الإجراءات المنصوص عليها في لوائح الاتحاد الأفريقي، تمهيدا للمنافسة على حق استضافة البطولة.
ملف مشتركوأكد البيان أن مالي والنيجر وبوركينا فاسو ستواصل العمل على إعداد ملف ترشح "قوي وموثوق" يحمل رؤية جديدة لتطوير كرة القدم الأفريقية، مع الالتزام بتقديم بطولة تستوفي المعايير الدولية المعتمدة من الاتحاد القاري. كما أعلن الاتحاد النيجري لكرة القدم، في بيان منفصل، انضمامه رسميا إلى هذه المبادرة.
وبحسب الاتحاد النيجري، فقد رحب رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي، بالمبادرة، معتبرا أنها تستند إلى رؤية للتعاون الإقليمي، وشجع الدول الثلاث على مواصلة جهودها لاستكمال ملف الترشح.
وفي مؤتمر صحفي، شدد موتسيبي على ضرورة الفصل بين الجوانب السياسية والرياضية، قائلا إن الديمقراطية وحرية التعبير وإجراء انتخابات دورية تبقى مبادئ أساسية غير قابلة للتفاوض، لكنه أوضح في الوقت نفسه أنه سيزور هذه الدول لمناقشة الملف من زاوية كرة القدم، مؤكدا أن القرار النهائي بشأن الدولة أو الدول المضيفة سيبقى بيد اللجنة التنفيذية للاتحاد الأفريقي لكرة القدم.
إعلانويأتي هذا التحرك في وقت تواجه فيه الدول الثلاث -التي تقودها سلطات عسكرية وصلت إلى الحكم عبر انقلابات وتشكل معا تحالف دول الساحل (AES)- تحديات أمنية معقدة، في ظل تصاعد هجمات الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي القاعدة و"داعش" في منطقة الساحل، وهي هجمات أسفرت عن مقتل آلاف الأشخاص وأثرت على مناطق واسعة من أراضي البلدان الثلاثة.
تحديات الاستضافةوفي هذا السياق، أقر موتسيبي بأن الملف الأمني سيكون أحد العناصر الأساسية في تقييم طلب الاستضافة، قائلا إن مالي والنيجر وبوركينا فاسو ستحظى بالفرص نفسها التي تتمتع بها بقية الدول المرشحة، لكن مسائل الأمن والسلامة ستكون من القضايا التي سيتعين على الاتحاد الأفريقي دراستها بعناية.
وعلى صعيد البنية التحتية، تمتلك بوركينا فاسو ومالي خبرة سابقة في استضافة البطولة، إذ احتضنت بوركينا فاسو كأس الأمم الأفريقية عام 1998، بينما نظمت مالي نسخة عام 2002، في حين لم يسبق للنيجر استضافة الحدث القاري.
وخلال السنوات الأخيرة، استثمرت كل من باماكو وواغادوغو في تطوير منشآتهما الرياضية، ما أتاح لمالي امتلاك 5 ملاعب معتمدة من الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، بينما حصل ملعب 4 أغسطس/آب في واغادوغو على الاعتماد الرسمي من "الكاف" عام 2025.
أما النيجر، فما زالت تواصل أعمال تأهيل ملعب الجنرال سيني كونتشي ليتوافق مع معايير الاتحاد الأفريقي، بعدما فقد منذ عام 2022 أهليته لاستضافة المباريات الدولية بسبب عدم استيفائه متطلبات الاعتماد.