أعادت الحرب الإسرائيلية الخاطفة على إيران والتي استمرت 12 يومًا (12-24 يونيو 2025) تشكيل المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، حيث عززت الضربات الإسرائيلية ضد البنية التحتية النووية والصاروخية والعسكرية الإيرانية من هيمنة تل أبيب الإقليمية، وقوّضت بشكل عميق وخطير من توازن القوى الإقليمي، وذلك في ظل الإلتزام الأمريكي الدائم وغير المشروط في تحقيق التفوق العسكري النوعي والتكنولوجي الإسرائيلي على كل دول المنطقة.



ومع إزاحة إيران وميليشياتها المسلحة عن المشهد الإقليمي، وسعي إسرائيل لتجريد الدول الإقليمية من قدراتها العسكرية والسماح لها بمجرد قوات شرطيّة، تبرز تركيا كآخر ند عسكري لإسرائيل في الشرق الأوسط. ففي هذا السياق، أشار الكثير من الإعلاميين والمحللين والمسؤولين الإسرائيليين خلال الأسابيع القليلة الماضية الى أن تركيا هي الهدف القادم بعد إيران، وأنّه يجب عدم السماح لها بتطوير قدراتها بشكل يهدد إسرائيل أو مصالحها او أجندتها.

مع إزاحة إيران وميليشياتها المسلحة عن المشهد الإقليمي، وسعي إسرائيل لتجريد الدول الإقليمية من قدراتها العسكرية والسماح لها بمجرد قوات شرطيّة، تبرز تركيا كآخر ند عسكري لإسرائيل في الشرق الأوسط.وقد اتّخذت هذه التصريحات بعداً أكبر مع إصرار تل أبيب على منع السلطات السورية الجديدة من بناء الدولة وتحقيق الامن والاستقرار، وذلك من خلال تدمير قدرات البلاد العسكرية والأمنية، ومحاولة زرع الفتن الطائفية والاثنيّة، وتشكل كانتونات مجرّدة من سلطة وسلاح ونفوذ الدولة الرسمي، وهو ما يتناقض مع ما توجهات وتصورات تركيا الإقليمية التي تسعى الى التأكيد على ضرورة تحقيق الامن والاستقرار، والسماح لسوريا الجديدة بإعادة بناء نفسها وقدراتها.

وينظر الجانب التركي إلى الأجندة الإسرائيلية في سوريا على أنّها تستهدف في نهاية المطاف الأمن القومي التركي. ولذلك، فقد دخل الجانبان في مناوشات إعلامية مؤخراً، بالإضافة إلى محاولات إقناع كل منهما للرئيس الأمريكي ترامب بالانحياز إلى الرؤية التي يمثّلها كل طرف، وذلك بعد فشل محاولات خفض التصعيد واللقاءات التي تمت في أذربيجان.

وبرزت تركيا خلال السنوات الأخيرة بفضل تقدمها السريع في الصناعات الدفاعية المحلّية لاسيما في يتعلق بالأسلحة والمعدّات الاستراتيجية. وأدى إصرار الرئيس أردوغان منذ صعود حزب العدالة والتنمية الى الحكم عام 2002 وحتى اليوم الى تطوير صناعات دفاعية متقدمة للحد من الاعتماد على الخارج وتعزيز الاعتماد على النفس. ونتيجة لهذه السياسات، تطوّر تركيا  العديد من المنجزات العسكرية العظيمة، كدبابتها الوطنية المقاتلة الرئيسية، ومقاتلها الشبحيّة الخاصة من الجيل الخامس، وحاملة طائرات، واسطول من المقاتلات المسيرة متعددة المهام والمواصفات، بالإضافة الى أنظمة الدفاع محلية الصنع وأخرى بالتعاون مع دول كبرى، وأخيراً صاروخها البالستي فوق صوتي وغيرها من المنجزات.

ويهاجم مسؤولون إسرائيليون تركيا والرئيس أردوغان بشكل مستمر، كما يعمل اللوبي الصهيوني في واشنطن على زيادة الضغط الأمريكي والدولي على أنقرة لحرمانها من التكنولوجيا المتقدمة او الأسلحة او لفرض عقوبات عليها. اذ يقود اللوبي حملة مع لوبيات أخرى -من بينها اللوبي اليوناني- لمنع واشنطن من تسليم مقاتلات اف-35 الى أنقرة، فيما يعارض آخرون بيع أوروبا لمقاتلة تايفون الى انقرة مع أنّها من الجيل الرابع.

وفي هذا السياق، نقلت عدّة تقارير تحذيرات مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى من خطورة حصول تركيا على مقاتلات إف-35، مشيرا إلى أن هذه الخطوة "قد تُستخدم لأغراض هجومية ضد بلاده وانّ "إسرائيل ستتخذ خطوات لإحباط هذه الإجراءات إذا اقتضى الأمر"، مشيراً الى أن "أنقرة تسعى لاستعادة نفوذها العثماني، بما في ذلك في القدس".

وحذّر الوزير الإسرائيلي عميخاي شيكلي الشهر الماضي من أن خطابات أردوغان تؤكد أنه خلال 10 سنوات ستكون تركيا وسوريا هي الشغل الشاغل للمنظومة الأمنية في إسرائيل، واصفاً الرئيس التركي بأنه "صاحب تأثير واسع في العالم الإسلامي"، ومؤكداً أن قدرات إيران العسكرية لا تقارن بالقدرات العسكرية التركية. كما ذكر تقرير للجنة ناغل الإسرائيلية المتخصصة في قضايا الأمن والدفاع تمّ رفعه إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شهر فبراير/شباط الماضي ما مفاده أنّ إعادة بناء قدرات سوريا بدعم تركي سيشكل الخطر الأكبر على إسرائيل خاصة اذا ما تحولت سوريا في هذه الحالة الى حجر زاوية لاعادة بناء الإقليم وفق التصوّر التركي.

ومنذ العدوان الإسرائيلي على غزّة مروراً بلبنان وسوريا وإيران واليمن، دان المسؤولون الاتراك السياسات الإسرائيلية بشدّة معتبرين أنّها تشكل خطراً على الامن والسلم الإقليمي والدولي. وتنظر تركيا الى إسرائيل باعتبارها اكبر خطر حالياً على أمن واستقرار المنطقة وانّ تحقيق هذا الأمر يتطلب وقفها. وإعتبر أردوغان أنّ تنياهو يشكّل أكبر تهديد لمنطقة الشرق الأوسط، وأكّد بعد الحرب الإسرائيلية على إيران على ضرورة ان تكون تركيا جاهزة لردع كل التهديدات والمخاطر.

ينظر الجانب التركي إلى الأجندة الإسرائيلية في سوريا على أنّها تستهدف في نهاية المطاف الأمن القومي التركي.تؤكد هذه التصريحات على تصور تركيا لإسرائيل كقوة مزعزعة للاستقرار، حيث تهدد قدراتها العسكرية ـ المدعومة من الولايات المتحدة ـ الوضع الإقليمي ومصالح تركيا الاستراتيجية، خاصة في سوريا والعراق، حيث تسعى أنقرة لملء الفراغات القوية الموجودة. في المقابل، تخشى إسرائيل من طموح أنقرة لإعادة بناء الإقليم، وتنظر الى قدرات العسكرية المتزايدة على انّها تهديد. ففي تصريح له، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي مؤخراً “الإمبراطورية الثمانية لن يُعاد إحياؤها قريبًا، حتى لو كان هناك من يختلف معي".

تعكس هذه الملاحظة تصور إسرائيل لتركيا كمنافس استراتيجي، خاصة مع تقدم صناعة الدفاع التركية. ويعبّر جوناثان أديري، مستشار سابق للرئيس الإسرائيلي شيمون بيريس، عن هذا التصور بقوله أنّ تركيا تصعد بشكل صامت لن استراتيجي، وأنّ "إسرائيل وتركيا تتجهان نحو الحرب". وتشير التصورات المتبادلة للتهديد والقوة بين تركيا وإسرائيل إلى تنافس متصاعد قد يصطدم على خط التماس في سوريا.

وتوظف تركيا الكشف عن آخر ما توصلت إليه صناعاتها الدفاعية في سياسة عرقلة الهيمنة الإسرائيلية الكاملة على المنطقة وردعها، لكن ذلك يضعها تحت المجهر ويكثف الجهود الإسرائيلية لمنعها من التقدم، حيث ترى إسرائيل صعود تركيا كتحدٍ لهيمنتها الإقليمية المطلقة. ويُخفي عدم الإصطدام المباشر بين الطرفين منافسة استراتيجية عميقة، حيث تستعد كلتا الدولتين لتصعيد محتمل بينما تعملان على إنشاء تحالفاتهما الخاصة وتتعاملان مع ضغوطهما الداخلية. لكن، وفيما تستعجل إسرائيل فرض تفوقها العسكري على المنطقة، تعمل تركيا على تطوير قدراتها العسكرية وانشاء توافقات سياسية إقليمية في مواجهة إسرائيل. ومع أنّ مثل هذه السياسة قد لا تردع إسرائيل، إلا انّها قد تعزلها إقليميا وتوفر الوقت اللازم لتركيا لرفع جهوزيتها للتعامل مع أي تصعيد إسرائيلي محتمل ضدها في المرحلة المقبلة.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه الإسرائيلية تركيا سوريا سوريا إسرائيل تركيا علاقات رأي مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة مقالات سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة قدراتها العسکریة الشرق الأوسط فی سوریا الى أن

إقرأ أيضاً:

أمريكا تستورد زيت الوقود العراقي عبر سوريا للمرة الأولى

بدأت الولايات المتحدة استيراد شحنات من زيت الوقود العراقي عبر سوريا للمرة الأولى، في خطوة تعكس توسع العراق في استخدام مسارات تصدير بديلة عبر البحر المتوسط، بعد الاضطرابات التي شهدتها الملاحة في الخليج خلال الحرب على إيران.

وأظهرت بيانات شركة كبلر ومصادر مطلعة أن ثلاث ناقلات من طراز "أفراماكس" حملت شحنات من زيت الوقود من ميناء بانياس السوري بين يونيو/حزيران الماضي ويوليو/تموز الجاري، لتتجه إلى ساحل الخليج الأمريكي، بعد نقل الوقود العراقي بالشاحنات عبر الحدود إلى سوريا.

اقرأ أيضا list of 3 itemslist 1 of 3العراق يوقع 48 اتفاقية مع شركات أمريكية بقيمة 60 مليار دولارlist 2 of 3العراق يرفع إنتاج ثلاثة حقول نفطية مع تعافي الصادراتlist 3 of 3العراق يستهدف إنتاج 7 ملايين برميل نفط يوميا خلال 3 سنواتend of list

ويأتي هذا المسار ضمن جهود العراق لتنويع منافذ تصدير منتجاته النفطية وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، الذي أدى تعطله في وقت سابق من العام إلى إرباك حركة تجارة النفط والوقود في المنطقة.

وأظهرت بيانات كبلر أن الناقلة "أون باشن" غادرت ميناء بانياس في 17 يونيو/حزيران محملة بنحو 716.6 ألف برميل من زيت الوقود، جرى تفريغ جزء منها في جزر الباهاما، على أن تصل الكمية المتبقية إلى ولاية تكساس لاحقا.

كما حملت الناقلة "نيسوس كريستينا" نحو 288.5 ألف برميل وغادرت الميناء في الثامن من يوليو/تموز، ومن المقرر أن تفرغ حمولتها على ساحل الخليج الأمريكي مطلع أغسطس/آب، فيما نقلت الناقلة "غرين ووريور" نحو 414.4 ألف برميل، ويتوقع وصولها إلى الولايات المتحدة خلال الأسبوع الثالث من أغسطس/آب.

تنويع المسارات

وقالت مصادر مطلعة إن جميع الشحنات عبارة عن زيت وقود عراقي نقل برا إلى سوريا قبل إعادة تصديره عبر ميناء بانياس، مشيرة إلى أن هذه أول شحنات من سوريا تتجه إلى الولايات المتحدة على الإطلاق.

وأضاف مهندس في ميناء بانياس أن سوريا لم تصدر النفط الخام أو المنتجات النفطية منذ سنوات، باستثناء شحنة واحدة في سبتمبر/أيلول 2025، مؤكدا أن جميع الشحنات الحالية من الميناء تقتصر على زيت الوقود العراقي.

إعلان

وكانت الشركة السورية للبترول قد ذكرت في يونيو/حزيران أن ميناء بانياس يشحن ناقلة واحدة من زيت الوقود العراقي كل سبعة إلى عشرة أيام منذ إطلاق مسار إعادة التصدير الجديد مطلع مايو/أيار، بدعم من نحو 900 شاحنة وقود تفرغ حمولتها يوميا.

كما أظهرت بيانات مجموعة بورصات لندن أن شحنات زيت الوقود العراقي المعاد تصديرها عبر بانياس وصلت أيضا إلى عملاء في إسبانيا ومصر.

وكانت رويترز قد أفادت الشهر الماضي بأن العراق يعتزم توسيع هذا المسار ليشمل تصدير النفط الخام والنافثا عبر سوريا، بعدما دفع تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز بغداد إلى البحث عن بدائل لتصدير منتجاتها النفطية.

وقال مسؤولون عراقيون وسوريون إن بغداد تعتزم الإبقاء على استخدام الممر السوري حتى بعد عودة الملاحة عبر هرمز إلى طبيعتها، ضمن استراتيجية تستهدف تنويع طرق التصدير وتعزيز مرونة الإمدادات.

من جانبه، قال مات سميث، رئيس أبحاث السلع الأولية في شركة كبلر، إن الولايات المتحدة تسعى إلى سد فجوة الإمدادات التي نتجت عن اضطرابات تدفقات الوقود من منطقة الخليج، في وقت كثف فيه ميناء بانياس صادراته من زيت الوقود خلال الأشهر الأخيرة.

وأضاف أن هذه الشحنات تعكس استمرار إعادة تشكيل مسارات تجارة الطاقة الإقليمية بعد اضطرابات الشحن في الخليج، مع اعتماد العراق بصورة متزايدة على الميناء السوري للوصول إلى أسواق أوروبا وأفريقيا، والآن أمريكا الشمالية.

مقالات مشابهة

  • واشنطن توسّع خياراتها العسكرية في الشرق الأوسط.. وترامب يلوّح باستخدام أصول إيرانية لتغطية خسائر السفن المتضررة.. وإسرائيل تراقب بقلق تسارع إعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية
  • وول ستريت جورنال: إيران تعيد تأهيل منشآتها العسكرية بسرعة رغم الضربات الإسرائيلية
  • أمريكا تستورد زيت الوقود العراقي عبر سوريا للمرة الأولى
  • استنفار بإيران وإسرائيل.. ترمب يلوح بهجوم واسع وإدارته تحذر الأمريكيين
  • تركيا تستهدف حجم تجارة مع سوريا بقيمة 10 مليارات دولار
  • هيئة البث الإسرائيلية: رفع درجة الاستعداد بسلاح الجو الإسرائيلي
  • سماء الشرق الأوسط تحت التهديد.. أمريكا تطالب رعاياها بالاستعداد لإلغاء الرحلات
  • ثمانية أيام قلبت المشهد.. ماذا جرى خلف الضربات المتبادلة بين إيران وواشنطن؟
  • الأمين العام للأمم المتحدة يزور سوريا
  • تركيا تبحث مع سوريا آليات العودة الطوعية والآمنة للاجئين