مدينة قابس التونسية.. حيث تختنق الواحة تحت رماد المصانع
تاريخ النشر: 25th, October 2025 GMT
ويعيد فيلم "قابس.. حياة وموت" الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية فتح جرح قديم عميق في جسد المدينة طالته وعود كثيرة ومتتابعة بالعلاج، لكنه ما زال ينزف تلوثا، كاشفا عن الجذور العميقة لغضب الشوارع الذي يعود اليوم ليطالب بالحق في الحياة.
يُعيدنا الفيلم إلى لقطات أرشيفية بالأسود والأبيض، حيث تبدو الوعود وردية كأحلام اليقظة، مسؤول حكومي يتحدث بثقة مؤكدا أن خطة مقاومة التلوث "لا تعني بالضرورة إيقاف الصناعة.
يليه آخر يطمئن الأهالي قائلا إنه "لا وجود لأي ضرر، ولكن من الناحية النفسية.."، كلمات تتبخر سريعا مع صرخة من أرشيف آخر: "اليوم واحة قابس تطلب النجدة!".
تناقض صارخهذا التناقض الصارخ بين وعود التنمية وواقع الكارثة البيئية هو الخيط الذي ينسج حكاية قابس، فمنذ إنشاء المجمع الكيميائي عام 1972، بدأت المدينة رحلة الموت البطيء.
ويأتي صوت البحر في افتتاحية الفيلم ليبدو أقرب إلى نَفَس تتقاطع معه صفارات المعمل ودويّ المداخن، وعلى الشاطئ، يلتقط الصيادون شباكهم الفارغة ويتجاذبون أطراف الحديث عن أيام كان البحر فيها يهبهم رزقا وملحا وطمأنينة.
يروي الفيلم شهادات من قلب المدينة، أمهات يشكين أمراضا لا تنتهي، وأطباء يتحدثون عن ارتفاع مقلق في معدلات السرطان وأمراض التنفس، في حين يقول أحدهم: "البيئة هنا أصبحت بيئة مرض، نحن نرى النتائج كل يوم".
وفي أحياء المدينة القديمة، يصوّر الفيلم تفاصيل يومية صارت مألوفة للسكان، طبقات غبار على النوافذ، رائحة خانقة تملأ الهواء، ومياه بحر فقدت طعمها وشفافيتها، وبصحبة هذه اللقطات، تُسمع أصوات ماكينات تختلط بصوت الأذان، في تذكير بأن المصنع بات جدارا يفصل الناس عن مدينتهم.
أرقام صادمةيدعم الفيلم الشهادات الإنسانية والمشاهد الدالة بأرقام صادمة تكشف حجم الكارثة البيئية، فخليج قابس يعد من "مناطق التلوث الساخنة" في البحر الأبيض المتوسط، حيث يتم إلقاء ما يقرب من 5 ملايين طن من مادة الفوسفوجيبس في البحر سنويا، وقد أدى ذلك إلى خسارة أكثر من 80% من التنوع البيولوجي البحري.
إعلانولا تقتصر الكارثة على البحر، فالهواء أيضا مسموم، أكثر من 95% من تلوث الهواء في مدينة قابس ناتج عن مصانع المجمع الكيميائي، مما أدى إلى ارتفاع نسبة وفيات أمراض القلب وسرطان الرئة في قابس إلى 1.8 ضعف المتوسط الوطني.
ويستعيد الفيلم بدايات الأزمة منذ ستينيات القرن الماضي، حين أنشئ المجمع الكيميائي بوعود تنموية كبيرة، لكن بدلا من الازدهار، بدأت الواحة تفقد ملامحها، حيث جُرّفت الأراضي الزراعية، وتراجعت الثروة البحرية، واضطر سكان إلى الرحيل.
لكن في مقابل هذا الواقع القاتم، يرصد الفيلم مظاهر الرفض، حيث يجتمع شباب في مقاه متواضعة يناقشون سبل التحرك، بينما تقود نساء حملات توعية في المدارس، وتخرج المسيرات في الشوارع بشعار "نحب نعيش"، في مشهد يختصر تحوّل الألم الفردي إلى مطلب جماعي بالحياة الكريمة والعدالة البيئية.
وسط هذه المفارقات، تبرز لقطات إنسانية تمنح القصة روحها، ومنها لقطة أم تتحدث عن خوفها من إنجاب طفل مريض، وصياد يحدّث الكاميرا عن خسارته مصدر رزقه، وهي مشاهد لا تحتاج لتعليق مطول، إذ تكفي الصورة التي تتحدث بلغة الألم.
ورغم قتامة الواقع، يترك الفيلم مساحة صغيرة للضوء، بمشهد أطفال يرسمون شجرة خضراء على جدار مدرسة متهالكة، وناشطين بيئيين يزرعون فسائل جديدة في أرض قاحلة، وهي رغم كونها لحظات بسيطة، فإنها تبرز روح المقاومة، وتذكّر بأن قابس ما زالت قادرة على استعادة حياتها إن أُعطيت حقها في الهواء والماء.
Published On 25/10/202525/10/2025|آخر تحديث: 14:12 (توقيت مكة)آخر تحديث: 14:12 (توقيت مكة)انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare2شارِكْ
facebooktwitterwhatsappcopylinkحفظ
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات قابس التونسیة
إقرأ أيضاً:
«ياس كلينك - مدينة خليفة» يطلق مختبراً تشخيصياً من الجيل القادم
أطلق مستشفى ياس كلينك - مدينة خليفة في أبوظبي مختبراً تشخيصياً متطوراً من الجيل القادم، في خطوة تستهدف تعزيز كفاءة الخدمات التشخيصية وتسريع وتيرة اتخاذ القرارات الطبية، عبر منظومة متكاملة توفر نتائج دقيقة وسريعة تدعم رحلة علاج المرضى وترتقي بجودة الرعاية الصحية. يشكل المختبر الجديد بيئة تشخيصية متطورة صممت وفق أعلى المعايير التشغيلية حيث جرى تطوير جميع العمليات والإجراءات بما يضمن السرعة والموثوقية والدقة في مختلف مراحل العمل، بدءاً من استلام العينات ووصولاً إلى إصدار النتائج للأطباء، بما يسهم في تقليص زمن الانتظار وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمرضى. يضم المختبر قائمة موسعة من الفحوص التي تجرى داخل المنشأة، مدعومة ببنية تحتية قابلة للتوسع، الأمر الذي يحد من الاعتماد على الإحالات الخارجية، ويعزز قدرة الأطباء على اتخاذ قرارات تشخيصية وعلاجية أسرع وأكثر دقة، فضلاً عن توفير قدر أكبر من الطمأنينة والراحة للمرضى خلال المراحل الحساسة من رحلتهم العلاجية. ويقع المختبر في قلب المستشفى الذي يضم 71 سريراً ويؤدي دوراً محورياً في دعم عملية اتخاذ القرار الطبي اليومية، فيما تستهدف المرحلة المقبلة تحويله إلى مختبر مرجعي مركزي يخدم عدداً من المرافق التابعة لشبكة ياس كلينك، بما يضمن توحيد المعايير ورفع مستوى جودة الخدمات التشخيصية عبر مختلف المواقع. وقالت الدكتورة ميسون آل كرم، المدير التنفيذي للشؤون الطبية في ياس كلينك، إن المختبر يشكّل ركيزة أساسية في منظومة الطب الحديث ومحوراً رئيسياً في دعم القرارات السريرية، مؤكدة أن دقة النتائج التشخيصية تسهم في تعزيز وضوح الرؤية أمام الأطباء ورفع مستوى الثقة لدى المرضى. وأضافت أن الاستثمار في التقنيات التشخيصية المتقدمة ينعكس مباشرة على سلامة المرضى وجودة حياتهم، لافتة إلى أن المختبر يمثل «البطل الصامت» في الطب الحديث، إذ تمنح كل نتيجة دقيقة الأطباء قدرة أكبر على اتخاذ القرارات العلاجية المناسبة وتوفر للمرضى مزيداً من الطمأنينة والثقة في مسار الرعاية الصحية. وأكدت الدكتورة أمينة عمر إبراهيم، مدير المختبر في ياس كلينك، أن أهمية المشروع تتجاوز البعد التقني لتجسّد التزام المستشفى بتوفير رعاية صحية متقدمة تتمحور حول احتياجات الإنسان، مشيرة إلى أن المختبر يهدف إلى إتاحة خدمات تشخيصية بمعايير عالمية للمجتمع بالقرب من أماكن إقامتهم. وأضافت أن وضع الإنسان في قلب التقدم العلمي يسهم في تقديم رعاية صحية أكثر إنسانية وكفاءة، وهو النهج الذي يجسده المختبر الجديد من خلال توظيف أحدث التقنيات التشخيصية لخدمة المرضى وتعزيز جودة الرعاية الصحية.
أخبار ذات صلة