لقمة صمود.. مبادرة إنسانية تُطعم جوعى غزة وتخفف عنهم آثار الحرب
تاريخ النشر: 27th, October 2025 GMT
النصيرات – لم يكن نسيم الزيناتي الموظف الجامعي الهادئ في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية في غزة، يتخيّل أن مهاراته في الإدارة التكنولوجية والريادة ستتحوّل يومًا إلى سلاح لمواجهة الجوع والموت؛ فالرجل الذي حصد جوائز دولية في مجالات الابتكار والاستدامة، وتوّج مؤخرا بلقب "بطل الاستدامة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، وجد نفسه وسط حرب لا تعرف الرحمة، يقود مبادرات إنسانية بجهد شخصي لنجدة آلاف العائلات المنكوبة.
كان الزيناتي طوال سنوات ما قبل الحرب أحد الداعمين للشباب في مشاريع الريادة والتنمية، وساهم في تأسيس شبكة الشباب العربي للتنمية المستدامة، ناشرًا الوعي حول أهداف التنمية وربطها بالمبادرات المجتمعية، لكن حرب الإبادة الأخيرة غيّرت كل شيء.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2أبرز الصور في أسبوع.. معاناة غزة مستمرة رغم وقف الحربlist 2 of 2إسطنبول تستضيف القمة الإنسانية الدولية من أجل غزة في نوفمبر المقبلend of listيقول الزيناتي للجزيرة نت "لم أتخيّل يومًا أن أكون أنا نفسي في قلب تجربة إنسانية بهذا الحجم، كنت أدعم مبادرات الشباب، فإذا بي أبدأ مبادرتي الخاصة حين رأيت الجوع يزحف على وجوه الناس والبيوت المهدمة تبتلع أحلامهم".
في الأيام الأولى للحرب، لم يكن أمامه سوى دافع داخلي صادق، وشعور بالعجز لا يحتمل، حيث بدأ بخطوات بسيطة، يجمع ما تيسّر من المواد الغذائية والمياه، ويُعد الطعام في بيته المتواضع للنازحين الذين احتموا به.
لم يكن هناك دعم مؤسسي ولا إطار تنظيمي، فقط إنسان يحمل في قلبه همّ الناس، ومع الوقت كبر الجهد الفردي واتّسع، وانضم إليه زملاء وأصدقاء حتى تحوّل العمل إلى مبادرة أكثر تنظيمًا حملت اسمًا دافئا وسط البرد والجوع "لقمة صمود".
"لقمة صمود"في قلب المجاعة التي خنقت قطاع غزة ولا سيما شماله، كانت مبادرة "لقمة صمود" بمثابة شريان حياة لعائلاتٍ بلا مطابخ ولا وقود ولا طعام، اعتمدت على إعداد وجبات بسيطة -غالبها من الأرز والخضار- وتوزيعها على الأسر في الخيام والمناطق المدمّرة.
إعلانيروي الزيناتي "كنا نعمل كخلية نحل، لا ننام إلا بعد أن نطعم المئات، لا أستطيع أن أحدد عدد المستفيدين بدقة، لكن في كل يوم كنا نصل إلى نحو مئتي أسرة أو أكثر حسب ما يتوفر من المساهمات".
يتابع "كنت أرى أن دوري لا يتوقف عند توزيع المساعدات، بل في نقل صوت الناس إلى العالم، وإظهار وجوههم المرهقة التي لم تعد تملك حتى حق البكاء؛ طريق الإغاثة في غزة محفوف بالمخاطر، فالحصار الإسرائيلي والدمار الواسع جعلا الوصول إلى المواد الأساسية معركة يومية، حيث كنا نواجه صعوبة هائلة في توفير الطحين (الدقيق) والعدس والوقود، وفي بعض الأيام كنا نطهو الطعام على الحطب، الحصار جعل كل شيء مستحيلاً من نقل المواد إلى تأمين المياه النظيفة".
يحكي الزيناتي أحد المواقف التي لا تغيب عن ذاكرته "قابلت سيدة انفجرت بالبكاء عندما أعطيناها ربطة خبز، قالت وهي تمسكها بيديها المرتجفتين: هذه لي؟ والله أغلى من الذهب، منذ أسبوعين لم تدخل فمي كسرة خبز"، كان ذلك المشهد كافيًا ليُدرك أن الخبز في زمن الحرب ليس طعامًا، بل كرامة محفوظة في كفّ إنسان آخر.
لم تكن التحديات لوجستية فقط، بل قاسية إلى حد الفقد الشخصي خلال الحرب، بعد أن استهدفت قوات الاحتلال منزل الزيناتي، وأصيب هو بجراح، واستُشهد ابنه، ومع ذلك واصل العمل كما لو أن الفقد لم يزده إلا إصرارًا.
كان يستمدّ قوته من مشاهد البسطاء الذين صمدوا رغم الجوع، ومن تفاعل الناس داخل غزة وخارجها الذين قدّموا ما يستطيعون، ولو كان قليلاً، معبرا عن ذلك بقوله "في كل ابتسامة شكر كنت أشعر أن جهدي لم يذهب سدى، وأن العالم ما زال فيه أناس يسمعون نداء غزة".
الشباب والأمليرى الزيناتي أن الشباب هم الوقود الحقيقي للعمل الإنساني في قطاع غزة، وأن طاقاتهم قادرة على تحويل الألم إلى فعل، ويقول "الشباب هم من يصنعون الفارق، لا ينتظرون أحدًا، بل يبتكرون الحلول رغم الحصار؛ دورهم في الأزمات لا يقل أهمية عن أي منظمة دولية"، وهو يدعوهم دائمًا إلى أن يبدؤوا بخطوات صغيرة، لأن العمل الإنساني لا يحتاج إلا إلى نية صادقة وجرأة في الفعل.
اليوم، وبعد عامين من الحرب، يواصل نسيم الزيناتي جهوده الإغاثية في المبادرات، ويسعى إلى بناء نماذج مستدامة تضمن التعافي الحقيقي لا المؤقت، كما يطمح إلى إطلاق مشاريع تركز على تمكين الشباب اقتصاديا، ودعم التعليم في مناطق النزوح، وتوفير مساحات عمل آمنة للطلبة الجامعيين، لأنه يؤمن أن الاكتفاء الذاتي هو الطريق الوحيد لبقاء غزة واقفة على قدميها.
يوجّه الزيناتي رسالة إلى العالم، تبدو كصرخة صادقة من قلب الركام "كفوا عن النظر إلى غزة كخبر أو رقم في نشرة المساء. هنا يعيش بشر لهم أسماء وأحلام وأطفال ينتظرون الحليب والماء. نحن بحاجة إلى دعم عاجل ومفتوح، ورفع الحصار فورًا، لأن العالم إذا صمت اليوم، سيُذكر غدًا كشريكٍ في الجريمة".
ويختم حديثه بكلماتٍ تشبه وصية الميدان "تجربتي علمتني أن كل جهد إنساني مهما كان صغيرا يمكن أن يُحدث فرقا. لا شيء أعظم من إنقاذ حياة أو حفظ كرامة إنسان. نحن في غزة لا نملك ترف اليأس، بل نعيش على الأمل، ونؤمن أن الخبز الذي نمنحه للآخرين هو الذي يُبقينا أحياء".
إعلان
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
تقرير: 296 ألفاً و835 أسرة من النازحين وأفراد المجتمع المضيف في مأرب بحاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية عاجلة
قال تقرير حديث صادر عن مكتب التخطيط والتعاون الدولي بمحافظة مأرب، أن 296 ألفاً و835 أسرة من النازحين وأفراد المجتمع المضيف بحاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية عاجلة خلال العام الجاري، في ظل استمرار تداعيات النزوح وتراجع التمويل الإنساني، بما يكشف حجم الاحتياجات الإنسانية وتفاقم الوضع الإنساني في المحافظة التي تستضيف أكبر تجمع للنازحين، حيث تشير التقارير الأممية إلى أن نسبة النازحين فيها تتجاوز 62 بالمائة من إجمالي النازحين في البلاد.
وأوضح التقرير أن 234 ألف أسرة تعاني من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الجاري، بزيادة بلغت 13 بالمائة مقارنة بعام 2024م..مشيراً إلى أن 71 بالمائة من الأسر النازحة تعيش في مخيمات وملاجئ طارئة متهالكة ومعرضة لمخاطر الحرائق والفيضانات والتقلبات المناخية، في حين يواجه 69 بالمائة من النازحين المقيمين في منازل مستأجرة خطر الإخلاء القسري نتيجة ارتفاع الإيجارات وتدهور الأوضاع المعيشية.
وبيّن التقرير أن 63 بالمائة من السكان لا يزالون بحاجة إلى مصادر آمنة ومستدامة لمياه الشرب، الأمر الذي يفاقم المخاطر الصحية والبيئية، خصوصاً في مناطق النزوح والتجمعات السكانية المكتظة.
كما كشف التقرير، عن وجود 6 آلاف و229 طفلاً خارج العملية التعليمية بسبب الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة، إضافة إلى افتقار 47 بالمائة من الأطفال النازحين لشهادات الميلاد، ما يشكل عائقاً أمام حصولهم على العديد من الخدمات الأساسية.
وفي القطاع الصحي، أوضح التقرير أن 63 بالمائة من المرافق الصحية تعمل بشكل جزئي أو تحتاج إلى إعادة تأهيل وصيانة وتوفير التجهيزات الطبية اللازمة، فيما تحتاج 99 ألفاً و879 امرأة من الحوامل والمرضعات إلى خدمات الرعاية الصحية والتغذية الأساسية.
وأشار التقرير إلى أن مكتب التخطيط والتعاون الدولي عزز خلال العام الماضي دوره كحلقة وصل رئيسية بين السلطة المحلية والشركاء الدوليين والمنظمات الإنسانية والجهات المانحة، بهدف رفع كفاءة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة في المحافظة، حيث نجح المكتب في التوقيع على اتفاقيات لتنفيذ 26 مشروعاً إنسانياً متنوعاً، توزعت بين 11 مشروعاً طارئاً، وخمسة مشاريع تشغيلية، وعشرة مشاريع مستدامة، بإجمالي كلفة تقديرية بلغت 16 مليوناً و894 ألفاً و424 دولاراً أمريكياً، استهدفت قطاعات الحماية والأمن الغذائي والصحة والمياه والتعليم.
وبحسب التقرير، أنجز المكتب خلال العام الماضي إعداد وتنفيذ 412 دراسة ومشروعاً، إلى جانب إعداد سبع خطط تنموية وثماني مصفوفات احتياج. فيما تتركز رؤيته الاستراتيجية للعام الجاري 2026م على تعزيز التنمية المستدامة، والتمكين الرقمي، وتنمية رأس المال البشري، وتوسيع الشراكات مع القطاع الخاص والمنظمات الدولية، ورفع كفاءة المؤسسات المحلية، بما يضمن استجابة أكثر فاعلية للاحتياجات الإنسانية والتنموية المتزايدة، ويسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي بمحافظة مأرب.