محلل سياسي : نشاط الخلية الأمنية تجاوز النشاط العسكري و لا يمكن لأي مواطن أن يُبرم عقد إيجار دون موافقتها

 

 

في الوقت الذي تتواصل فيه الحرب بين طرفي النزاع، تتصاعد في مناطق سيطرة الجيش حملات أمنية واسعة النطاق تنفذها تشكيلات مشتركة من القوات النظامية تُعرف باسم (الخلية الأمنية) وسط جدل متزايد حول طبيعتها وأهدافها.

فبينما تصف السلطات هذه الحملات بأنها إجراءات ضرورية لملاحقة خلايا نائمة تتبع للدعم السريع، يرى مراقبون أنها تحمل ملامح عودة أجهزة النظام السابق إلى المشهد الأمني تحت غطاء محاربة التمرد.

التغيير  ــ كمبالا

حملات الخلية الأمنية التي رافقتها مداهمات واعتقالات وتفتيش واسع للمواطنين، أثارت مخاوف سياسية وحقوقية من أن تكون واجهة لإعادة تمكين عناصر النظام السابق، خاصة بعد توسع نفوذ الخلايا الأمنية في إدارة الشأن المدني داخل المدن الخاضعة للجيش، وتحولها إلى جهة تتحكم في القرارات المحلية وتفرض الولاء السياسي تحت ذريعة الحفاظ على الأمن.

الفرز السياسي والاجتماعي

اشار المحلل السياسي محمد تورشين، إلى أن ما يُسمى بالخلية الأمنية في مناطق سيطرة الجيش ليست مجرد تشكيل ميداني لمحاربة خلايا الدعم السريع، بل تعبير عن عودة منظمة لسيطرة النظام السابق على مفاصل الدولة والحياة المدنية. ويضيف : إن هذه الخلايا تستثمر في الحرب نفسها لتوسيع نفوذها وإعادة تمكين عناصر المؤتمر الوطني داخل مؤسسات الدولة، مستخدمة خطاب الحرب لتعبئة الشارع واستقطاب المقاتلين وتبرير التضييق على المدنيين.
وأوضح أن نشاط “الخلية الأمنية” تجاوز البعد العسكري إلى ما وصفه بـ”الفرز السياسي والاجتماعي”، إذ يُمارس الترهيب والضغط على المواطنين لتحديد موقفهم، “فإما أن تكون موالياً، أو تُصنّف فوراً كداعمٍ لقوات الدعم السريع”، على حد قوله.
واعتبر أن هذه الممارسات ليست جديدة، بل تشبه ما كان يحدث في فترات الحرب خلال عهد البشير، حيث تُستخدم الأجهزة الأمنية لتصفية المعارضين ومراقبة النشاط العام. وأضاف أن “الخلية الأمنية أصبحت اليوم نافذةً على الحياة المدنية، لا يمكن لأي مواطن أن يُبرم عقد إيجار أو يمارس نشاطاً اقتصادياً دون موافقتها”، في إشارة إلى سيطرة هذه التشكيلات على تفاصيل الحياة اليومية.
كما حذر من أن توسع نشاطها يفتح الباب أمام الاستهداف السياسي والعرقي، مبيناً أن بعض الإجراءات الأخيرة، مثل حملات الإخلاء في المناطق العشوائية وملاحقة المهاجرين والنازحين، تحمل طابعاً انتقامياً واقتصادياً، يهدف إلى “إعادة تمكين الموالين للنظام القديم واستغلال الأراضي والممتلكات لمصالح خاصة”.

انتهاكات جسيمة بحق المدنيين

تأسست الخلية الأمنية كجهة عسكرية-أمنية متخصصة في منتصف 2024، بعد أن أصدر والي الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، أمر الطوارئ رقم (2) لسنة 2024م، استنادًا إلى حالة الطوارئ وقرارات لجنة تنسيق شؤون أمن الولاية وتهدف الخلية إلى جمع وتحليل المعلومات وتصنيفها والتعامل معها، والعمل كجهاز إنذار مبكر لبقية القوات النظامية، مع التركيز على التهديدات الأمنية العاجلة التي تستوجب استجابة فورية.
وتشمل مهامها رصد الخلايا النائمة، مراقبة الأشخاص والأماكن والأنشطة المشبوهة، تفتيش ومداهمة المواقع التي تثبت فيها أنشطة عدائية، والاستجواب المشترك للمقبوض عليهم. كما تتولى إحالة القضايا التي تتطلب متابعة طويلة المدى إلى الأجهزة النظامية، ودعم حملات أمنية نوعية بالتنسيق مع القوات النظامية، والقبض على معتادي الإجرام، والحد من وقوع الجرائم، وأي مهام أخرى تكلف بها. وتعمل الخلية تحت إشراف اللجنة العليا للتنسيق الأمني والعملياتي، مع رفع تقارير دورية عن نشاطها.
ووفقًا لحقوقيين، نفذت الخلية، سلسلة من الحملات في مناطق مثل الخرطوم، أم درمان، جنوب الحزام، سنار والدمازين، الجزيرة وغيرها، وغالبًا ما تتزامن المداهمات والاعتقالات مع هجمات الطائرات المسيرة التي تستهدف المنشآت الحيوية.
وتُظهر الوقائع أن هذه الحملات صاحبتها انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، شملت الاعتقالات التعسفية، والاحتجاز غير القانوني، والتعذيب الجسدي والنفسي، إضافة إلى وفاة بعض المحتجزين نتيجة الإهمال أو التعذيب. وقد تم توثيق أن هذه الانتهاكات التي تتم خارج نطاق القضاء وبصورة تتجاوز صلاحيات النيابة العامة، حيث توفي المواطن المعز أبوسوار الشيخ عووضة في بورتسودان بتاريخ 12 أغسطس 2024 بعد احتجازه أحد عشر يوماً بواسطة الخلية الأمنية، رغم صدور قرار من وكيل النيابة بشطب التهم الموجهة إليه وإخلاء سبيله، إلا أن هذا القرار لم يُنفَّذ. خلال فترة احتجازه، تعرض المعز لسوء معاملة حُرم فيها من الغذاء والماء الكافي، وتدهورت صحته بشكل واضح دون أن يُنقل إلى المستشفى لتلقي العلاج. وعند نقله أخيراً، توفي في المستشفى بعد أن أظهر الفحص الطبي نزيفاً في الرئتين وتضخماً في القلب والكبد والكليتين، ما يشير إلى تعرضه لتعذيب أو إهمال جسيم، رغم طلب أسرته ومحاميه فتح تحقيق رسمي، خلصت لجنة التحقيق التي شكلها النائب العام إلى حفظ الإجراءات دون إخطارهم بنتائجها أو تسليمهم نسخة من القرار.
وبالمثل، توفي الشاب ميرغني بهاء الدين ميرغني في الخرطوم بتاريخ 6 أكتوبر 2025 بعد أربعة أيام من اعتقاله في معتقلات الخلية الأمنية، حيث كشفت شهادات شهود عيان عن وجود آثار تعذيب على جسده. رفضت أسرته استلام الجثمان قبل إجراء تشريح لتحديد سبب الوفاة، لكن ضغط المجتمع المحلي أدى إلى دفنه بعد يوم من تسليمه. وأظهرت التحقيقات الأولية أن اعتقاله جاء ضمن سلسلة من تصفيات الحسابات الشخصية التي نفذتها الخلية الأمنية بحق المدنيين، مع تورط عناصر محددين محلياً في توجيه الاعتقالات والتهديدات.

 

قانوني: السلطات العدلية هي الجهة الوحيدة المخولة بإصدار الأحكام وتنفيذها وليس الأجهزة الأمنية أو عناصر الشرطة أو أي تشكيلات ميدانية أخرى

تهمة الانتماء إلى الدعم السريع أداة لتصفية الخصوم

المحامي محمد صلاح من هيئة محامو الطوارئ وصف ما يجري في مناطق سيطرة الجيش من ملاحقات واعتقالات تحت ذريعة الانتماء إلى قوات الدعم السريع بأنه ممارسات مرفوضة تماماً ولا يمكن تبريرها قانونياً أو أخلاقياً. وأوضح أن عمليات التصفية أو القتل خارج إطار القضاء، وكذلك التعذيب أو أي شكل من أشكال الانتقام، تعد جرائم لا تسقط بالتقادم، داعياً إلى محاسبة مرتكبيها وتقديمهم للعدالة مهما طال الزمن. وأكد صلاح أن أي شخص يُتهم بالانتماء إلى الدعم السريع يجب أن يُحال إلى القضاء الطبيعي، لأن السلطات العدلية هي الجهة الوحيدة المخوّلة بإصدار الأحكام وتنفيذها وليس الأجهزة الأمنية أو عناصر الشرطة أو أي تشكيلات ميدانية أخرى، محذراً من أن استخدام تهمة الانتماء إلى الدعم السريع قد يتحول إلى أداة لتصفية الخصوم السياسيين أو استهداف مجموعات بعينها، بما يهدد تماسك المجتمع واستقراره.

لواء شرطة حقوقي : الخلية هي وحدات من الجيش والاستخبارات العسكرية والشرطة و المخابرات العامة لا علاقة لها بالنظام البائد لا علاقة للخلية بالنظام البائد

في المقابل، نفى اللواء شرطة حقوقي الطيب عبد الجليل أن تكون الحملات الأمنية الجارية في مناطق سيطرة الجيش مرتبطة بعناصر النظام السابق، مؤكداً أنها قوات نظامية متخصصة تعمل وفق القانون، وتضم وحدات من الجيش والاستخبارات العسكرية والشرطة وجهاز المخابرات العامة. وأوضح أن هذه القوة جهة عسكرية أمنية فنية مختصة لا علاقة لها بالنظام البائد، وتعمل بموجب قوانين سارية المفعول، تمارس مهامها وفق إجراءات قانونية تهدف إلى حماية المدنيين ومكافحة التهديدات الأمنية. وأشار إلى أن الحملات الأخيرة استهدفت خلايا نائمة تابعة لقوات الدعم السريع بعد تحريات ميدانية دقيقة، وضبطت كميات من الأسلحة والذخائر والعربات والممتلكات المسروقة من المواطنين، مؤكداً أن هذه العمليات تُنفذ في إطار القانون وتهدف إلى حماية المواطنين وتأمين المدن من الهجمات والتخريب، دون أي صلة بأجندة سياسية أو إعادة تمكين عناصر من النظام السابق.

الوسومأجندة سياسية الخلية الأمنية انتهاكات تعزيز النفوز السياسي تهمة التعاون مع الدعم السريع عودة عناصر المؤتمر الوطني

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: أجندة سياسية الخلية الأمنية انتهاكات

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • ضبط 6 عناصر إجرامية بحوزتهم مواد مخدرة وأسلحة نارية وبيضاء بشبرا الخيمة
  • وزير الخارجية الأمريكي: الولايات المتحدة لا تسلح المدنيين في إيران
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • بعد رحيل سهام جلال.. عبير صبري: إلى متى يدفع الفنانون ثمن التهميش؟
  • تعز.. قصف حوثي يستهدف منازل المدنيين في عصيفرة
  • أبل تطور ميزة جديدة لحماية آيفون من السرقة والخطف السريع
  • قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال يدفع نحو هجوم جديد على غزة
  • بعد اتفاق الضاحية.. لبنان يدفع نحو تثبيت الهدوء على كامل أراضيه
  • مقتل 6 أشخاص في سلسلة إطلاق نار بولاية آيوا الأمريكية والمشتبه به ينتحر أثناء ملاحقته
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش