وصايا عمرو بن العاص.. 4 تحذيرات لأهل مصر
تاريخ النشر: 8th, November 2025 GMT
في حديثٍ يعيد إحياء عبق التاريخ وعمق الفقه الإسلامي، استعرض الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، وصايا القائد والصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه لأهل مصر، موضحًا أن كلماته كانت رسالة خالدة تجمع بين البصيرة الدينية والحكمة الاجتماعية والسياسية.
وقال الدكتور جمعة، عبر صفحته الرسمية على موقع "فيس بوك"، إن الرسول الكريم ﷺ وجّه الأمة إلى التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، مستشهدًا بحديثه الشريف:«فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ».
ثم أكمل موضحًا أن الخلفاء الراشدين ومن تبعهم من الصحابة نقلوا إلى الأمة فقه الإسلام العملي، وكانوا نماذج حية في تطبيق الشريعة في واقع الناس، ومن بينهم عمرو بن العاص رضي الله عنه الذي فتح مصر، وأقام فيها نظامًا إداريًا وحضاريًا فريدًا، وترك لأهلها وصايا خالدة تصلح لكل زمان ومكان.
وصايا عمرو بن العاصقال الدكتور جمعة إن عمرو بن العاص رضي الله عنه خطب في أهل مصر بعد أن استقرت البلاد، فوجه إليهم خطابًا بليغًا جمع بين الحكمة، والخبرة، والفقه في إدارة الحياة.
قال عمرو في خطبته الشهيرة:«يا معشر الناس، إيّايَ وخلالًا أربعًا؛ فإنها تدعو إلى النَّصَب بعد الراحة، وإلى الضيق بعد السَّعة، وإلى المذلة بعد العزّ.»
ثم فصّل وصاياه فقال:«إيّايَ وكثرةَ العيال، وإخفاضَ الحال، وتضييعَ المال، والقيلَ والقال من غير دركٍ ولا نوال.»
وأوضح الدكتور علي جمعة أن هذه الكلمات ليست مجرد نصائح اقتصادية، بل رؤية إصلاحية متكاملة، أراد بها عمرو بن العاص أن يحافظ على توازن المجتمع المصري بين الطموح والعمل، وبين النعمة والمسؤولية.
التحذير الأول: كثرة العيال دون مسؤولية
فسّر الدكتور علي جمعة قول عمرو: «إيّاي وكثرة العيال» بأنه تحذير من التوسع في الإنجاب دون قدرة على التربية والرعاية.
وأوضح أن كثرة الأبناء قد تكون نعمة إذا صاحبها الإيمان والعلم والتقوى، لكنها قد تتحول إلى نقمة إذا عجز الآباء عن تربيتهم، فتنتج عنها مشكلات اقتصادية وأخلاقية واجتماعية.
وأشار إلى قول ابن عباس رضي الله عنهما:«كثرة العيال أحد الفقرين، وقلة العيال أحد اليسارين».
أي أن كثرة الأبناء بلا إمكانات هي بابٌ من أبواب الفقر.
وبيّن أن الإسلام لم يدعُ إلى التكاثر العددي فقط، بل دعا إلى التكاثر النوعي في الإيمان والقوة والعمل الصالح، مستشهدًا بقول النبي ﷺ:«تزوجوا الودود الولود، فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة».
ثم تساءل جمعة:«أيُباهي النبي ﷺ بالأقوياء الأتقياء الأنقياء، أم بالضعفاء الذين لا يُقيمون دينًا ولا حضارة؟»
التحذير الثاني: إخفاض الحال والتهاون في السعي
أما قوله: «إيّاي وإخفاض الحال»، فيحمل معنى التحذير من الكسل عن العمل والانصراف عن الإنتاج والسعي الشريف.
يقول الدكتور علي جمعة إن المقصود هو الحفاظ على الكرامة الاقتصادية والاجتماعية، فالإنسان الذي يُهمل عمله أو يتواكل على غيره يفقد عزته ومكانته، وتتحول الأمة إلى أمةٍ ضعيفةٍ متسولة، بعد أن كانت عزيزة قوية.
وهذا المعنى يتفق مع قول النبي ﷺ:«اليد العليا خير من اليد السفلى»،
أي أن العمل والكسب أفضل من الاتكال والكسل.
التحذير الثالث: تضييع المال وسوء الإنفاق
كما حذّر عمرو بن العاص من تضييع المال، وهو ما فسره العلماء بأنه الإسراف في غير حق، أو البخل في غير موضعه.
فالإسلام دين الوسطية، يأمر بالاعتدال في الإنفاق كما قال تعالى:«وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا» [الفرقان: 67].
وأوضح الدكتور جمعة أن المال أمانة في يد الإنسان، يُحاسب على كيفية كسبه وإنفاقه، وأن المجتمعات تنهار حين يُهدر المال العام أو يُسرف في الكماليات، بدلاً من توجيهه إلى إعمار الأرض وتحقيق العدالة الاجتماعية.
التحذير الرابع: آفة الألسن وضياع الأمانة
قال علي جمعة إن التحذير الأخير من عمرو بن العاص، وهو: «إيّاي والقيل والقال من غير دركٍ ولا نوال»، يُعد درسًا أخلاقيًا خالدًا.
فالقيل والقال – كما فسر الدكتور جمعة – يعني نقل الكلام بلا علمٍ ولا فائدةٍ ولا هدفٍ إلا إثارة الفتنة، وهذه الآفة، كما قال النبي ﷺ، من علامات الساعة، إذ قال:«سيأتي على الناس زمان يكثر فيه القيل والقال، ويقل فيه العمل».
وبيّن جمعة أن كثرة الكلام في غير علم، وتداول الشائعات بين الناس، يُفقد المجتمع ثقته بنفسه ويهدم وحدته، وهو ما حذّر منه الصحابي الجليل منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، وكأن كلماته تُقال اليوم في زمن الإعلام المفتوح ومواقع التواصل.
الدين حياة وتنظيم وعمل
اختتم الدكتور علي جمعة حديثه مؤكدًا أن وصايا عمرو بن العاص رضي الله عنه كانت تجسيدًا لروح الإسلام، فهو لم يأتِ إلى مصر فاتحًا بالسيف، بل داعيًا بالعدل والعلم والنظام.
وأضاف أن كلماته لم تكن مجرد موعظة زمنية، بل دستورًا أخلاقيًا واقتصاديًا يصلح لبناء الدول والمجتمعات، لأنها تُوازن بين مسؤولية الفرد وواجب الأمة.
وقال جمعة:«أحسن عمرو بن العاص النصيحة حين قال: إيّاي وكثرة العيال، لأن كثرتهم دون تربية تؤدي إلى اضطرابٍ في المجتمع، وينتشر الفقر وتقلّ المؤونة، وهذا هو إخفاض الحال الذي حذر منه. فهكذا تكون النصيحة الخالدة التي تبني الأمم، لا التي تُقال ثم تُنسى.»
حين يتجدد صوت التاريخ في حاضرنا
كلمات عمرو بن العاص رضي الله عنه التي نقلها الدكتور علي جمعة ليست مجرد موروث من الماضي، بل رسالة معاصرة للمجتمعات الحديثة التي تواجه اليوم نفس التحديات: كثرة دون تربية، وثرثرة دون عمل، وإسراف دون وعي.
وفي زمنٍ امتلأ بالضجيج، تظل وصيته تقول لكل جيل:“احذروا أن يفسد الرخاء أخلاقكم، أو أن تضعف الكثرة قوتكم.”
وهكذا يبقى الدين – كما يراه العلماء – منارة تهدي العقول قبل أن تضبط الأفعال، وتغرس في النفوس وعيًا يقيها ضياع الطريق بين الغفلة والادعاء.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: التحذير جمعة علي جمعة الدكتور علي جمعة مصر عمرو بن العاص الرسول الخلفاء الراشدين الدکتور علی جمعة الدکتور جمعة النبی ﷺ
إقرأ أيضاً:
مختار جمعة: يجوز شرعًا سداد المصروفات الدراسية للطلاب غير القادرين من أموال الزكاة
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دعا الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف السابق، إلى استثناء الطلاب المتفوقين غير القادرين على سداد المصروفات الدراسية من قرارات حجب النتائج، مؤكدًا أن الحفاظ على حقهم في التعليم ودعم تفوقهم العلمي يمثل واجبًا وطنيًا ومجتمعيًا لا يقل أهمية عن أي استثمار في مستقبل الدولة.
وقال “جمعة” في تعليق له على قرار حجب درجات الطلاب غير المسددين للمصروفات الدراسية، إن من الضروري مراعاة الظروف الاقتصادية للأسر غير القادرة، مقترحًا استثناء الطلاب المتفوقين من هذا الإجراء تقديرًا لتفوقهم العلمي، أو أن تتولى مؤسسات المجتمع المدني وكبار رجال الأعمال سداد المصروفات المستحقة عنهم، باعتبار أن التعليم يمثل أولوية قصوى وقاطرة التقدم لأي أمة.
وأكد وزير الأوقاف السابق، أنه يجوز شرعًا سداد المصروفات الدراسية للطلاب غير القادرين من أموال الزكاة، سواء بصورة فردية عن طالب بعينه أو بصورة جماعية عن مجموعة من الطلاب المتعثرين، مشيرًا إلى أن هذا الأمر يمكن أن تضطلع به أيضًا وزارة التضامن الاجتماعي أو المؤسسات الخيرية المختلفة، في إطار مسؤوليتها المجتمعية تجاه دعم التعليم.
وشدد على أن الدولة المصرية تضع التعليم في مقدمة أولوياتها، وهو ما يستوجب أن يصبح دعم العملية التعليمية أولوية لدى جميع مؤسسات الدولة، وكذلك لدى مؤسسات المجتمع المدني وأهل الخير والقادرين من أبناء الوطن.
وأشار إلى أن حرمان طالب متفوق من استكمال مسيرته التعليمية بسبب عجز أسرته عن سداد المصروفات يمثل خسارة كبيرة للمجتمع بأكمله، متسائلًا عن الأثر النفسي الذي قد يتركه هذا الحرمان على الطالب، في مقابل ما يمكن أن يشعر به إذا وجد من يمد له يد العون ويفتح أمامه أبواب الأمل لاستكمال تفوقه الدراسي.
واستشهد وزير الأوقاف السابق، بأبيات لأمير الشعراء أحمد شوقي كان قد دعا فيها إلى رعاية طلاب الأزهر المكفوفين، مؤكدًا أن دعم المتفوقين ورعاية الموهوبين استثمار حقيقي في مستقبل الوطن، وأن الطالب الذي نساعده اليوم قد يصبح غدًا عالمًا بارزًا أو قائدًا ناجحًا يسهم في نهضة بلاده.
وشدد على أن الاستثمار في المعرفة والتعليم الجيد هو أعظم أنواع الاستثمار على مستوى الفرد والمجتمع، مشددًا على أن دعم الطلاب المتفوقين، خاصة من غير القادرين، يجب أن يحظى بأولوية خاصة لما يمثله من استثمار مباشر في مستقبل مصر وأجيالها القادمة.