هل يحمي قانون تخليق الحياة السياسية سمعة البرلمان في المغرب؟
تاريخ النشر: 14th, November 2025 GMT
الرباط- في سياق الاستعدادات للانتخابات البرلمانية والبلدية المقررة العام المقبل، قدّم وزير الداخلية المغربي، عبد الواحد لفتيت، في البرلمان مشروع قانون لتغيير القانون التنظيمي لمجلس النواب، يهدف إلى تخليق، (تطوير العملية السياسية بقوانين وإجراءات لضمان النزاهة والشفافية)، العمل السياسي وحماية سمعة المؤسسة التشريعية، وذلك بعد تورُّط عدد من النواب في هذه الولاية بقضايا فساد.
وتورّط عشرات النواب في ملفات فساد وتبديد أموال عمومية، وصدرت في حق بعضهم أحكام نهائية، وآخرون لا يزالون رهن المحاكمة، في حين جُرد عدد منهم من عضويتهم في البرلمان.
ومن 375 نائبا في مجلس النواب، أصدرت المحكمة الدستورية في هذه الولاية التشريعية قرارات بتجريد 29 نائبا من عضوية المجلس بسبب تورطهم في قضايا فساد وخرق القانون، وكشفت مصادر إعلامية محلية أن 26 برلمانيا يتابعون في ملفات فساد، بعضهم أدين ابتدائيا وآخرون استئنافا، ومنهم من ينتظر مرحلة النقض.
وأظهر تقرير لوزارة الداخلية اطلعت عليه الجزيرة نت، أن 302 عضو في مجالس البلديات أُحيلوا على القضاء عام 2025 مقابل 137 العام الماضي، ويتعلق الأمر بـ 52 رئيس بلدية و57 من نواب الرئيس و124 عضوا و69 رئيسا سابقا.
المشروع وأهدافه
وقال وزير الداخلية عبد الواحد لفتيت، خلال تقديمه مشروع القانون أمام لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة والشؤون الإدارية في البرلمان، الأربعاء الماضي، إن المشروع يهدف إلى تقوية القواعد اللازمة لتخليق انتخابات أعضاء مجلس النواب ودعم شفافية الانتخابات.
وأضاف أن تحقيق هذه الغاية يشكل قناعة تتقاسمها جميع الأطراف المعنية بهدف صيانة سمعة المؤسسة النيابية لدى الرأي العام الوطني وأيضا الدولي، لافتا إلى أن القواعد التي يقترحها القانون استلهمت من العبر المستخلصة من الممارسة الانتخابية الوطنية طيلة الولايات السابقة ومما يجري العمل به في الديمقراطيات العريقة.
إعلانويهدف المشروع إلى تفعيل قواعد التخليق في مختلف مراحل المسلسل الانتخابي بدءا من فترة إيداع الترشيحات إلى المدة الانتدابية مرورا بفترة الحملة الانتخابية ويوم الاقتراع.
ويمنع مشروع القانون ترشح كل شخص ضبط متلبسا بارتكاب جرائم معينة، والأشخاص الصادرة في حقهم أحكام استئنافية بالإدانة تسقط أهليتهم الانتخابية، والأشخاص الذين صدرت في حقهم أحكام ابتدائية بالإدانة في جناية، فضلا عن الأشخاص الذين عُزلوا من مهمة انتدابية.
كما ينص على تشديد العقوبات السجنية والغرامات المالية بالنسبة للجرائم المرتكبة بمناسبة الانتخابات برفعها إلى الضعف على الأقل، وأيضا تجريد كل نائب يوجد رهن الاعتقال لمدة تعادل أو تفوق 6 أشهر من عضويته في البرلمان.
وصنف القانون بعض الجرائم من جنحة إلى جناية، مثل اقتحام مكاتب التصويت مع حمل السلاح لمنع الناخبين من التصويت، أو انتهاك العمليات الانتخابية من أجل تغيير نتيجة الانتخابات أو الاستيلاء على صندوق الاقتراع قبل فرز أوراق التصويت الموجودة بداخله.
معضلة الثقة
من جهته، قال المحلل السياسي محمد العمراني بوخبزة، إن الشروع في مناقشة مشاريع تهدف إلى تخليق العمل السياسي والبرلماني جاء بعدما أظهرت دراسات أن منسوب الثقة لدى المواطن المغربي في المؤسسات المنتخبة ضعيف جدا، خصوصا في البرلمان والحكومة والأحزاب السياسية.
وأوضح للجزيرة نت، أن هذه المعضلة "تمس جوهر العملية الديمقراطية"، ما يجعل اتخاذ إجراءات عملية لاستعادة الثقة أولوية كبرى في المرحلة الراهنة.
كما أكد المحلل السياسي محمد شقير، أن المشروع الذي قدمه وزير الداخلية يجب وضعه في سياقه السياسي العام، الذي يتسم بوجود إرادة سياسية واضحة لدى العاهل المغربي للحد من مظاهر الفساد التي تفاقمت خلال الولاية التشريعية الحالية.
وأضاف شقير للجزيرة نت، أن السلطات أبدت صرامة غير مسبوقة في ملاحقة المنتخبين المتورطين في قضايا الفساد سواء في البلديات أم في البرلمان.
وكان العاهل المغربي الملك محمد السادس قد أكد في خطاب العرش في يوليو/تموز الماضي على ضرورة توفير المنظومة العامة المؤطرة للانتخابات البرلمانية، وأن تكون معتمدة ومعروفة قبل نهاية السنة الحالية، وأعطى توجيهاته لوزير الداخلية للإعداد الجيد للانتخابات التشريعية المقبلة، وفتح باب المشاورات السياسية مع مختلف الفاعلين.
وعقد وزير الداخلية اجتماعين، الصيف الماضي، مع زعماء الأحزاب السياسية، تم الاتفاق فيهما على تقديم الأحزاب مذكرات تتضمن تصوراتها لتنظيم الانتخابات المقبلة.
وأوضح المحلل شقير، أن المشروع المقدم للبرلمان هو ثمرة لهذا الحوار السياسي بين وزارة الداخلية والأحزاب بهدف إعادة الثقة في المؤسسات المنتخبة.
بينما أكد الخبير العمراني بوخبزة، أن وزارة الداخلية، ومنذ الخطاب الملكي الأخير، تعمل على تجويد النصوص القانونية المؤطرة للعملية الانتخابية والأحزاب السياسية بهدف معالجة الوضعية المقلقة التي يعيشها المشهد السياسي.
ولفت إلى أن هذه القوانين لا تستهدف فقط ضبط العملية الانتخابية أو رسم الخريطة السياسية كما في السابق، بل تروم في جوهرها إعادة ثقة المواطنين في البرلمان والمؤسسات المنتخبة وتخليق الحياة السياسية، داعيا إلى إصدار ميثاق للأخلاقيات داخل البرلمان.
وتزايدت أخيرا الانتقادات الموجهة للنخب السياسية الممثلة في البرلمان، خصوصا مع استعداد المملكة لتنظيم تظاهرات إقليمية ودولية كبرى.
إعلانوذهب المحلل شقير إلى أن المرحلة الراهنة تستدعي بروز نخب سياسية وإدارية كفؤة ونزيهة، معتبرا أن "النخب الحالية المتورطة في قضايا فساد أصبحت تشكل عبئا على المغرب وتسيء إلى سمعته في الخارج".
من جهة أخرى، أشار المتحدث نفسه إلى أن الإصلاحات المقترحة حاليا تأتي تجاوبا مع التعبيرات الشبابية التي ظهرت أخيرا ورفعت شعارات تطالب بمحاربة الفساد.
وكانت مجموعات شبابية أطلقت على نفسها حركة "جيل زد 212″ قد نظمت احتجاجات في عدد من المدن المغربية، الشهر الماضي، رافعة شعار "الشعب يريد إسقاط الفساد".
وقال شقير، إن المشروع الذي قدّمه وزير الداخلية في البرلمان جاء استجابة لهذه المطالب، خاصة محاصرة ترشيح النخب المشبوهة في البرلمان، وضبط تمويل الحملات الانتخابية، وإلزام الأحزاب والمترشحين بإحالة تقاريرهم المالية على المجلس الأعلى للحسابات.
وأوضح أن السلطات تُبدي رغبة صارمة في أن تكون الانتخابات المقبلة نزيهة وشفافة، مؤكدا أن هذه الصرامة تعكس توجها واضحا نحو تطهير المشهد السياسي من الممارسات التي أضرت بصورة المؤسسات وأعاقت إنجاز المشاريع الكبرى.
أما الخبير العمراني، فيرى أن الإصلاح السياسي عملية معقدة تواجهها دائما جيوب مقاومة، مضيفا أن التجارب السابقة لم تحقق النتائج المنتظرة، غير أن وجود إرادة سياسية واضحة وآليات جديدة للمراقبة قد يتيح للمغرب الانتقال إلى مستوى أكثر تقدما من الممارسة الديمقراطية وفق تعبيره.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات وزیر الداخلیة فی البرلمان إلى أن
إقرأ أيضاً:
العبود: المبادرة الامريكية للسلام كسرت الجمود السياسي
أكد المحلل السياسي، أحمد العبود، أن الجهود الأمريكية المتعلقة بالملف الليبي، وفي مقدمتها المبادرة الامريكية للسلام، أسهمت في تحريك عدد من المسارات السياسية والاقتصادية والأمنية التي كانت تواجه حالة من الجمود خلال الفترة الماضية.
وأوضح العبود، في حديث على قناة “ليبيا الأحرار”، أن تقييم هذه المبادرة ينبغي أن يتم من خلال النظر إلى مجمل المسارات التي تعمل عليها، مبيناً أنها تشمل الجوانب الاقتصادية والعسكرية والأمنية والسياسية، ومعتبراً أن بعض الانتقادات الموجهة إليها تتجاهل حجم التحديات التي تواجه المشهد الليبي وتعقيداته.
وأضاف أن الولايات المتحدة تعمل في إطار إعادة تموضع استراتيجي في المنطقة، وأن اهتمامها بالملف الليبي أصبح أكثر وضوحاً خلال الأشهر الأخيرة، مشيراً إلى أن التحركات الأمريكية ساهمت، وفق تقديره، في دفع بعض المسارات السياسية إلى الأمام بعد فترة من التعثر.
ورأى العبود، أن الزخم الذي تشهده بعض المبادرات السياسية الحالية، ومن بينها اجتماعات لجنة “4+4” المرتقبة في تونس، لا يمكن فصله بالكامل عن الحراك الدولي والأمريكي المتزايد تجاه الأزمة الليبية، معتبراً أن هذا الحراك ساعد على خلق مناخ أكثر ملاءمة لاستئناف الحوار بين الأطراف المختلفة.
كما استشهد العبود، بالاتفاق الذي أُعلن عنه برعاية المصرف المركزي بشأن الميزانية والإطار التنموي، معتبراً أن مجرد التوصل إلى هذا الاتفاق بعد سنوات من الانقسام يمثل خطوة مهمة في اتجاه توحيد المؤسسات الاقتصادية والمالية.
وأوضح أن الاتفاق شمل التفاهم حول الميزانية الموحدة وآليات توزيع مخصصات التنمية، مشيراً إلى أن هذه الخطوات تمثل أساساً يمكن البناء عليه في المراحل المقبلة.
وأشار إلى أن بعض الإجراءات والإصلاحات الاقتصادية بدأت بالفعل – من وجهة نظره – إلا أن تنفيذ الاتفاقات الكبرى يحتاج إلى وقت وإجراءات فنية وإدارية قبل أن تنعكس بشكل واضح على الواقع الاقتصادي، مؤكداً أن تقييم أي اتفاق يجب ألا يقتصر على نتائجه الفورية فقط، بل ينبغي النظر أيضاً إلى قدرته على إنهاء الانقسامات المؤسسية ووضع أطر مشتركة للعمل بين الأطراف المختلفة.
وأكد العبود، أن الاتفاق تم توقيعه رسمياً وأُعلن عنه من قبل الجهات المختصة، وأن العمل يتركز حالياً على استكمال الآليات والإجراءات التنفيذية اللازمة لتطبيق بنوده، معتبراً أن هذه المرحلة تمثل جزءاً طبيعياً من مسار تنفيذ أي تفاهمات مؤسسية واسعة.
وشدد على أن الحكم النهائي على نتائج المبادرات الأمريكية والمسارات المرتبطة بها يجب أن يكون بناءً على ما ستسفر عنه الأشهر المقبلة من خطوات عملية، سواء على مستوى الإصلاحات الاقتصادية أو التفاهمات السياسية والأمنية الجارية بين الأطراف الليبية.
وقال العبود، إن الحديث عن شراكة سياسية واسعة بين عدد من الأطراف الليبية لا يتعارض مع هدف الوصول إلى الانتخابات، بل يمثل، من وجهة نظره، خطوة ضرورية لتهيئة الظروف السياسية والمؤسسية اللازمة قبل الذهاب إلى أي استحقاق انتخابي.
وأضاف أن القوانين الانتخابية التي أعدتها لجنة “6+6” حاولت معالجة هذه الإشكالية من خلال الربط بين الانتخابات وبين تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تشرف على المرحلة الانتقالية وتقود البلاد نحو الاستحقاق الانتخابي.
وفي رده على الانتقادات الموجهة إلى مبادرة مسعد بولس، رفض العبود، وصف المبادرة بأنها غير موجودة أو أنها تفتقر إلى النتائج، مشيراً إلى أنها تقوم على 3 مسارات متوازية تشمل الجانب الاقتصادي، والمسار الأمني والعسكري، إضافة إلى المسار السياسي.
واعتبر أن جزءاً من الحراك السياسي الحالي، بما في ذلك الاجتماعات المرتقبة في تونس، جاء في سياق الزخم الذي وفرته التحركات الدولية والأمريكية خلال الفترة الماضية، مؤكداً أن حالة الانسداد التي وصلت إليها العملية السياسية دفعت مختلف الأطراف إلى البحث عن مقاربات جديدة للحل.
وفيما يتعلق بمسار الأمم المتحدة، رأى العبود، أن بعثة الأمم المتحدة كان بإمكانها البناء على التوافقات التي تحققت سابقاً بين مجلسي النواب والدولة، وخاصة فيما يتعلق بالقوانين الانتخابية، بدلاً من الانتقال إلى مسارات جديدة قبل استنفاد فرص معالجة النقاط الخلافية العالقة.
واعتبر العبود، أن العودة إلى طرح فكرة إجراء الانتخابات في ظل وجود حكومتين من شأنها أن تعيد الأزمة إلى نقطة البداية، معتبراً أن أي مشروع انتخابي جاد يتطلب أولاً وجود سلطة تنفيذية موحدة قادرة على إدارة العملية السياسية وضمان تنفيذ نتائجها.
وحول المضامين السياسية لمبادرة بولس، أكد العبود، أن التصورات المتداولة بشأنها تتحدث عن إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، بما يشمل تعديل تركيبة المجلس الرئاسي، والحفاظ على وجود حكومة موحدة تضم مكونات من الحكومتين القائمتين حالياً، بما يساهم في إنهاء حالة الانقسام المؤسسي.
ولفت إلى أن عدم صدور تفاصيل رسمية كاملة حول المبادرة يعود، بحسب تقديره، إلى طبيعة التحركات الدبلوماسية التي تعتمد قدراً من السرية خلال مراحل التفاوض الأولى، بهدف توفير فرص أكبر للتوافق بين الأطراف المختلفة قبل الإعلان عن النتائج النهائية.
وبينّ أن المبادرة لا تزال في طور البناء والتشاور، وأن ما يُتداول بشأنها يمثل تصورات ومناقشات سياسية أكثر من كونه إعلاناً رسمياً نهائياً، مؤكداً أن مخرجاتها السياسية لم تُعلن بصورة كاملة حتى الآن.
ورأى العبود، أن فرص تقدم هذا المسار ما تزال قائمة، متوقعاً أن تتبلور ملامح أوضح خلال الأشهر المقبلة في ظل استمرار الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء حالة الانقسام السياسي والمؤسسي في ليبيا. مؤكدا أن الأزمة الليبية وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها استمرار الوضع الراهن خياراً مريحاً لجميع الأطراف، ما يجعل البحث عن تسوية سياسية جديدة أمراً مطروحاً بقوة على أجندة الفاعلين المحليين والدوليين خلال الفترة القادمة.
وقال إن الحديث المتداول حول اجتماع تونس المرتقب ضمن صيغة “4+4” يأتي في سياق تطور طبيعي للمسارات السياسية الجارية في ليبيا، مشيراً إلى أن النقاشات الحالية تعكس توجهاً نحو شراكة سياسية حقيقية بين الأطراف الفاعلة بدلاً من الاكتفاء بطرح شخصيات محددة كما كان في السابق.
وأردف العبود، أن أي حديث جاد عن إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في ليبيا لا يمكن أن يتم في ظل وجود حكومتين متوازيتين، مؤكداً أن العملية الانتخابية تتطلب بالضرورة وجود حكومة موحدة كإطار تنظيمي وإداري لضمان تنفيذ الاستحقاق الانتخابي بشكل صحيح.
وأشار إلى أن محاولات سابقة داخل المسار السياسي، بما في ذلك ما صدر عن مجلس النواب، كانت تهدف إلى معالجة إشكالية غياب الحكومة الموحدة باعتبارها شرطاً أساسياً للانتقال إلى الانتخابات، إلا أن استمرار الانقسام المؤسساتي جعل هذا الهدف غير مكتمل حتى الآن.
وفيما يتعلق بالمبادرات الدولية، اعتبر العبود، أن ما يُعرف بمبادرة مسعد بولس يجري العمل عليها عبر ثلاثة مسارات رئيسية: اقتصادي ومالي، وعسكري وأمني، وسياسي. موضحا أن المسار الاقتصادي ارتبط بإصلاحات في المصرف المركزي وتعاون مع مؤسسات مالية دولية، بينما يركز المسار العسكري على لجان مختصة بملف الحدود والأمن، في حين يتناول المسار السياسي إعادة تشكيل السلطة التنفيذية وبحث ترتيبات انتقالية جديدة.
وأكد أن الاتفاقات الاقتصادية، وعلى رأسها ما يتعلق بتوحيد السياسة النقدية وإقرار ميزانية موحدة، تم توقيعها بالفعل، إلا أن تنفيذها لا يزال في مرحلة البحث عن آليات تطبيقية، مشيراً إلى أن غياب بيانات تنفيذية واضحة حتى الآن يعكس أن هذه التفاهمات لم تصل بعد إلى مرحلة التطبيق الكامل.
وفي المقابل، شدد العبود، على أن النقاش حول الشراكة السياسية، لا يجب أن يُفهم فقط كصيغة لتقاسم السلطة، بل كمرحلة انتقالية تهدف إلى توحيد المؤسسات وتهيئة بيئة سياسية مستقرة يمكن أن تقود لاحقاً إلى انتخابات شاملة.
وأضاف أن طرح توسيع دائرة الفاعلين السياسيين عبر إدماج أطراف متعددة يعكس محاولة لمعالجة الانسداد السياسي القائم، في ظل تعثر المسارات التقليدية للحل، سواء الأممية أو المحلية.
وحسب العبود، فإن المسارات الجارية، بما فيها اجتماع تونس، لا يمكن فصلها عن الحراك الدولي والإقليمي الداعم لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي، مشيراً إلى أن نجاح هذه الجهود يبقى مرهوناً بقدرتها على الانتقال من التفاهمات العامة إلى خطوات تنفيذية واضحة وملزمة لجميع الأطراف.
وقال إن النقاش الدائر حول ما يُعرف بـ “الشراكة السياسية الحقيقية” المطروحة ضمن المبادرات الدولية يثير مخاوف مشروعة من أن تتحول إلى صيغة لتقاسم السلطة والبقاء في الحكم بدلاً من أن تكون مرحلة انتقالية تقود إلى انتخابات شاملة. موضحا أن ضمان تحول هذه الشراكة إلى مسار انتخابي فعلي لا يقوم على عامل واحد، بل يرتكز على ثلاثة مستويات رئيسية من الضمانات.
وتابع: الضمانة الأولى تتمثل في قوة الدفع الأمريكية والانخراط الدولي في المسار السياسي، معتبراً أن هذا العامل قد يشكل مظلة ضغط وضمان نسبي لتوجيه العملية نحو الانتخابات، مقارنة بالبعثة الأممية التي وصفها بأنها ضعيفة وهشة وغير قادرة على فرض تنفيذ الاتفاقات.
وأضاف أن التجارب السابقة، مثل اتفاق الصخيرات، أظهرت، بحسب تعبيره، غياب آليات فعالة لضمان الالتزام بالمدد الزمنية والالتزامات السياسية، حيث استمرت بعض الحكومات لفترات أطول بكثير من المدد المحددة في الاتفاقات الأصلية.
أما الضمانة الثانية، حسب العبود، فتتمثل في دور البعثة الأممية عبر ما وصفه بـ “الدعم الجماعي” من أعضاء مجلس الأمن، مشيراً إلى أن فاعلية هذا الدور تبقى محدودة في ظل غياب أدوات تنفيذ مباشرة.
وأكد أن الضمانة الثالثة والأهم تتمثل في الأطراف الليبية نفسها، من خلال التزامها الفعلي بمبدأ التداول السلمي على السلطة وحماية مسار التوحيد السياسي والمؤسساتي، مشيراً إلى أن الواقع السياسي الليبي أظهر خلال مراحل سابقة تراجعاً في الالتزام بهذا المبدأ، سواء بعد انتخابات 2012 أو خلال مسارات الحوار اللاحقة.
واعتبر العبود، أن التجربة الليبية خلال السنوات الماضية لم تُظهر مؤشرات قوية على وجود التزام راسخ بمبدأ التداول السلمي للسلطة، مشيراً إلى أن نتائج الاستحقاقات الانتخابية السابقة كثيراً ما أعقبها انقسام سياسي وصراعات مؤسسية.
واستطرد: مخرجات بعض الحوارات السياسية، بما فيها الأطر الأممية، لم تكن ملزمة بما يكفي لضمان استقرار سياسي طويل الأمد أو منع إعادة إنتاج الانقسام.
وأكد العبود، أن غياب ضمانات حقيقية وملزمة على المستويات الدولية والمحلية يجعل من الصعب الجزم بأن الشراكة السياسية المطروحة حالياً ستقود بالضرورة إلى انتخابات، محذراً من إمكانية تحولها إلى صيغة دائمة لإدارة السلطة وتقاسم النفوذ بدلاً من إنهاء المرحلة الانتقالية.
وقال إن تقييم نجاح مسار “4+4” المرتبط بالحوار السياسي في تونس لا يمكن أن يتم بناءً على الإعلان أو التوقعات، وإنما عبر المخرجات الفعلية والتنفيذ على الأرض، مشدداً على أن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس إلا بما يتحقق فعلياً وليس بما يُعلن.
وأوضح العبود، أن الحديث عن نجاح أي مسار سياسي في ليبيا يجب أن يستند إلى نتائج ملموسة، مستشهداً بعمل لجنة “6+6” التي أنتجت مخرجات محددة، موضحاً أنه في حال عدم تحقق نتائج مماثلة فإن الحديث عن نجاح أي لجنة يظل غير دقيق.
وأضاف أن مسار استكمال المفوضية العليا للانتخابات يُعد مثالاً واضحاً على التحديات القائمة، مشيراً إلى أن الخلاف الحقيقي لا يتعلق بأعضاء المفوضية، بل يتركز أساساً حول منصب الرئيس، في حين أن كل طرف يقوم بتسمية ثلاثة أعضاء وفق التوافقات السابقة.
وأوضح العبود، أن هذا الترتيب، رغم التفاهمات الأولية، لم ينعكس بعد على الواقع العملي، ولم يحقق أي تغيير جوهري في سير العملية الانتخابية، ما يجعل وصفه بالإنجاز محل نقاش، وفق تعبيره. متسائلا عن جدوى اعتبار هذا التقدم إنجازاً في ظل عدم استكمال البنية المؤسسية للمفوضية، وعدم حسم ملف رئاستها، وعدم صدور أي قرارات تنفيذية نهائية من الجهات القضائية ذات الصلة.
وأشار العبود، إلى أن الإشكالية القانونية والتنظيمية ما زالت قائمة، خصوصاً فيما يتعلق بآليات ترشيح واختيار رئيس المفوضية عبر السلطة القضائية، في ظل ما وصفه بتعقيدات تتعلق بالقانون واللوائح وآليات عمل المجلس الأعلى للقضاء.
وشدد العبود على أن الإشكال القائم يتمثل في بقاء ملف رئاسة المفوضية معلقاً دون حسم، وهو ما يجعل أي توصيف للمسار بأنه “ناجح” أو “مكتمل” أمراً غير دقيق، بحسب قوله.
واختتم العبود، بالإشارة إلى أن ما يجري حالياً يمكن وصفه بأنه حالة “انتظار وترقب”، حيث يبقى الحكم على هذه المسارات مرهوناً بالمخرجات النهائية وليس بالمقدمات أو الاتفاقات الجزئية، مؤكداً أن أي إنجاز سياسي أو انتخابي سيظل “برسم المجهول” ما لم يتحول إلى خطوات تنفيذية واضحة وملزمة.