لماذا صمتت المنصّات الكبرى عن صلات مجرم الجنس إبستين بالاستخبارات الإسرائيلية؟
تاريخ النشر: 18th, November 2025 GMT
#سواليف
تتواصل في #الولايات_المتحدة #نقاشات حادة حول #المعايير التي تحكم #التغطية_الإعلامية لقضايا حساسة تمسّ أجهزة #الاستخبارات وشبكات النفوذ السياسي، لا سيما بعد تعاظم الانتقادات الموجّهة لوسائل الإعلام الغربية على خلفية تجاهلها شبه التام للوثائق المتداولة حول ارتباط #جيفري_إبستين بــ #الاستخبارات_الإسرائيلية.
فخلال الأسابيع الستة الماضية، نشرت منصة Drop Site News أربعة تقارير مطوّلة مدعومة بعشرات الوثائق الرسمية، تُظهر — وفق ما قدمته — تعامل إبستين مباشرة مع جهات أمنية إسرائيلية. ورغم حساسية هذه المعلومات واتساع النقاش العام حولها في منصات مستقلة، فإنها لم تحظَ بأي صدى ملموس في وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول معايير اختيار القصص التي تستحق المتابعة، ومتى يتم تجاهلها عمدًا.
الصحفيان رايان غريم ومرتازا حسين لفتا في مقالات مشتركة إلى أن هذا التجاهل لا يبدو بريئًا؛ إذ تساءلا عن سبب انخراط الإعلام الأمريكي بحماسة في تغطية ارتباطات إبستين بالرئيس دونالد #ترامب، مقابل صمته المطبق أمام وثائق تتناول علاقاته بجهات استخباراتية أجنبية. ويرى الكاتبان أن مثل هذه #الملفات تكشف جانبًا معتمًا من علاقات القوة والتأثير في واشنطن، وأن تجاهلها يحرم الرأي العام من فهم الصورة الكاملة.
مقالات ذات صلةوتذهب الكاتبة كاتلين جونستون في نقدها إلى أبعد من ذلك؛ إذ تتهم الإعلام الغربي بالانشغال المفرط بصلات إبستين الداخلية — خصوصًا تلك المتعلقة بترامب — وتغييب ما تسميه “الانكشاف الأخطر”، أي شبكة علاقاته مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. وترى أن معيار التغطية في الإعلام الأمريكي بات مرتهنًا للثنائية الحزبية بين الديمقراطيين والجمهوريين، بحيث تُضخّم القضايا التي تخدم هذا الانقسام، بينما يتم التعتيم على أي قضية لا تعزز السرديات الحزبية المتنافسة.
وتعتقد جونستون أن هذا النمط الإعلامي يعكس أولويات “الإمبراطورية الأمريكية”، على حد وصفها؛ إذ تُقدّم واشنطن وتل أبيب في الإعلام السائد بوصفهما شريكين طبيعيين، فيما تُحجب أي معلومات قد تُربك هذا التصوّر، سواء تعلّقت بالتعاون الأمني أو بالعمليات العسكرية الأمريكية المستمرة في أفريقيا، مثل الصومال وكينيا. وبحسبها، فإن الجمهور الأميركي يُصدم في كل مرة تظهر فيها وثائق تذكّره بأن تلك الحروب لم تتوقف، بل تتواصل بلا مساءلة أو رقابة.
وترى الكاتبة أن ممارسات “الإمبراطورية” — من الحروب إلى سياسات التوسع الاستعماري، مرورًا بعسكرة الشرطة واتساع الرقابة والدعاية — تنتقل بسلاسة من إدارة إلى أخرى دون تغيير جوهري، في حين ينشغل الإعلام بتفصيلات حزبية داخلية تُقدَّم على أنها صلب السياسة الأميركية.
وتخلص جونستون إلى أن نشر معلومات إضافية حول علاقة ترامب بإبستين يثير ضجة إعلامية لحظية سرعان ما تتلاشى، بينما قد يؤثر كشف الروابط العميقة بين إبستين وإسرائيل على المزاج العام في الولايات المتحدة ويفتح نقاشًا غير مرغوب فيه داخل مراكز النفوذ السياسي والإعلامي. ولهذا، كما تقول، تُفضّل “أجهزة الدعاية التابعة للإمبراطورية” إبقاء هذا الملف في الظل.
وتعود خطورة الملف المتعلق بإبستين إلى طبيعة الاتهامات التي لاحقته منذ سنوات، والتي تتجاوز دائرة الجرائم الجنسية المعروفة إلى شبهات أوسع تتصل باستخدام شبكاته المالية والاجتماعية في مهام مرتبطة بالاستخبارات. فإلى جانب اتهامه بإدارة شبكة اتّجار بالقاصرات واستغلال نفوذه لاستقطاب قاصرات إلى جزيرته الخاصة، تشير الوثائق التي أعادت تسريبها منصات مستقلة إلى تورّطه في عمليات ابتزاز سياسي طاولت شخصيات نافذة في الولايات المتحدة وخارجها، عبر تسجيلات وعلاقات منظّمة يشتبه بأنها كانت تُستغل لجمع المعلومات أو التأثير في قرارات حساسة. كما تتضمن المستندات إشارات إلى أن إبستين شارك في تحويلات مالية غامضة ولقاءات مغلقة مع شخصيات أمنية إسرائيلية، ما يعزّز — بحسب تلك التحقيقات — فرضية أنه كان يؤدي دورًا يتجاوز إطار النشاط الإجرامي التقليدي ليقترب من عمليات يُحتمل أن تكون استخباراتية.
المصدر
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: سواليف الولايات المتحدة نقاشات المعايير التغطية الإعلامية الاستخبارات جيفري إبستين الاستخبارات الإسرائيلية ترامب الملفات
إقرأ أيضاً:
د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
لم تكن نظريات الإعلام في يوم من الأيام مجرد بوتقة لإفراغ بعض الآراء في هذا المجال، ولكنها حتمًا كانت ضرورية في تنظيم ما تمر به المعلومة الأولى كسلعة أساسية لهذه المنظومة منذ الكشف عنها وحتى وصولها للجمهور، فنظرية كنظرية الأجندة أو ترتيب الأولويات، وما مرت به من تطور في بعض الأوقات وهجومٍ في وقتٍ آخر، كان وجودها ضرورة في تحديد أولويات الجمهور والوقوف على احتياجاته الأصلية من منطلق واقعه الحقيقي لا من واقع توجهات المؤسسات الإعلامية واهتماماتها الخاصة.
لم يستدعِ طرح هذا النوع من النقاش سوى ما نعيشه من تجاهل إعلاميٍّ تامٍّ لواقع الناس الحقيقي، واللهث الدائم خلف تفاهات لا تستهدف سوى تحقيق أرباح لحظية، وهنا على سبيل المثال لا الحصر، حينما نتحدث عن الأمن القومي للأوطان، تتجه الأذهان غالبًا إلى الحدود والسلاح والاقتصاد، غير أن هناك موردًا لا يقل أهمية عن ذلك كله، بل ربما يتقدم عليها جميعًا، وهو الماء؛ ذلك العنصر الذي جعله الله تعالى أساس الحياة وشرط استمرارها، فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.
والماء كقضية، هي في حد ذاتها على رأس أولويات الجمهور، بدءًا من فقه التعامل معها، والإحساس بقيمتها وأهميتها، وانتهاءً بالوعي التام بما يحيط بها.
إن المتابع للمشهد الإعلامي يلحظ أن كثيرًا من القضايا تحظى بمساحات واسعة من التغطية والنقاش، بينما لا تزال قضية المياه أقل حضورًا مما تستحق، رغم أنها تمس حياة كل مواطن بصورة مباشرة، وتتصل بالأمن الغذائي والصحي والاقتصادي والبيئي للدولة، وهنا لا أتحدث فقط عن مخاطر المياه في حد ذاتها، أكثر من سؤال أود طرحه على القائم بالاتصال، وهو: أين دورك في توعية المواطن بقيمة ما لا يمكنه الاستغناء عنه، وبفقه ترشيد استهلاكه؟ وماذا لو استيقظ المواطن على تحديات يُضطر خلالها إلى الالتزام باستخدام قدر لا يمكن أن يزيد عنه في اليوم والليلة من المياه؟
لقد أصبحت المياه في القرن الحادي والعشرين أحد أهم محددات التنمية والاستقرار، ولذا فإن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن العالم يواجه ضغوطًا متزايدة على الموارد المائية نتيجة النمو السكاني والتغيرات المناخية والتوسع العمراني. وفي ظل هذه التحديات، يصبح الوعي المجتمعي أحد أهم أدوات حماية هذا المورد الحيوي، فماذا قدَّم الإعلام؟!
وإذ كانت أول معلومة تصدر لطلاب الإعلام بأن المهمة الأساسية للإعلام هي التثقيف والتنوير، وأنه دور يفوق المهمة الوحيدة من نقل الخبر والمعلومة دون الإحاطة بأبعادها، فهنا يأتي الدور المحوري للإعلام؛ وهو أن مهمته تمتد إلى بناء الوعي وتشكيل السلوك وصناعة الأولويات المجتمعية، ومن ثمَّ فإن الإعلام مُطالب بأن يجعل قضية المياه قضية يومية حاضرة في أجندته، من خلال البرامج الحوارية والتقارير الميدانية والحملات التوعوية والمحتوى الرقمي الموجَّه لمختلف الفئات العمرية.
إن التوعية بقضايا المياه لا تعني فقط الحديث عن ندرتها أو التحديات المرتبطة بها، بل تشمل أيضًا نشر ثقافة الترشيد، وتصحيح السلوكيات الخاطئة في الاستهلاك، وإبراز الجهود الوطنية في إدارة الموارد المائية، وتعريف المواطنين بالعلاقة الوثيقة بين كل قطرة ماء وبين أمنهم الغذائي ومستقبل أبنائهم، بل وحياتهم أنفسهم.
كما ينبغي الإشارة أيضًا إلى أن المحافظة على المياه ليس مجرد سلوك حضاري، بل هي واجب ديني وأخلاقي، فقد أرست الشريعة الإسلامية منظومة متكاملة تحثُّ على عدم الإسراف في الموارد كافة، وجعلت الاعتدال منهجًا عامًا للحياة، قال تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، وقد بلغ من عناية الإسلام بالماء أن النبي ﷺ نهى عن الإسراف فيه حتى في حال الوفرة، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ مرّ بسعد وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف؟» فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم وإن كنت على نهر جار».
وهذا التوجيه النبوي يؤكد أن قيمة الماء لا ترتبط بمدى توفره فقط، وإنما بكونه نعمة يجب صيانتها وحسن الانتفاع بها. ومن هنا فإن ترشيد استهلاك المياه ليس استجابة لاعتبارات اقتصادية أو بيئية فحسب، بل هو التزام ديني يعكس وعي الإنسان بمسؤوليته تجاه النعمة التي أنعم الله بها عليه.
إن المرحلة الراهنة تتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات الإعلامية والدينية والتعليمية والمجتمعية من أجل ترسيخ ثقافة الحفاظ على المياه، وتحويلها من مجرد رسائل موسمية إلى ثقافة يومية وسلوك مجتمعي مستدام.
ثم إن خلاصة القول لا بد وأن يعلم القائمون على المنظومة الإعلامية أن المعركة الحقيقية ليست فقط في توفير المياه، وإنما في بناء وعي يحافظ عليها، وأنتم لا شك خط الدفاع الأول في هذه المعركة، بكم تقوم الحياة، وفي غيابكم وتجاهلكم تكثر المخاطر والتحديات.