عقوبات اليمن إلى أين، .. قراءة في الأبعاد الجيوسياسية لقرار مجلس الأمن
تاريخ النشر: 18th, November 2025 GMT
قرار مجلس الأمن الدولي 2801 بتمديد وتوسيع نطاق العقوبات على اليمن، وتكثيف عمليات تفتيش السفن، ليس مجرد إجراء روتيني، إنه مشهد مكثف تنعكس عليه خريطة الصراع الإقليمي والدولي، وتتحول فيه اليمن من مأساة إنسانية إلى رقعة شطرنج جيوسياسية تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى والإقليمية، وتبرز من خلاله أسئلة جوهرية حول ما إذا كانت هذه العقوبات تمتلك القدرة على تغيير مسار الصراع أم أنها مجرد أداة لإدارة الأزمة بدلاً من حلها.
في الدائرة الدولية يبرز أن الولايات المتحدة وحلفاءها ينظرون إلى القرار كوسيلة مباشرة لكبح جماح الحوثيين وضمان أمن الملاحة في باب المندب، وهو الشريان الحيوي للتجارة العالمية، ويمنح القرار عملية الحارس اليمني والوجود العسكري الغربي في البحر الأحمر غطاءً قانونياً تحت شعارات منع تهريب الأسلحة وحماية حرية الملاحة، وهي عناوين يصعب الاعتراض عليها علناً، بينما تتعامل روسيا والصين مع القرار وفق حسابات أوسع، فهما لا ترغبان في تعطيل مصالح الغرب الحيوية هنا مقابل الحفاظ على مساحة مناورة في ملفات أخرى مثل أوكرانيا وتايوان وبحر الصين، مما يجعل مشاركتهما في التصويت أقرب إلى تثبيت حضورهما كقوتين دوليتين لا يمكن تجاوزهما في أي تسوية مستقبلية للمنطقة لا للاستراتيجية الغربية.
وفي المسرح الإقليمي يظهر القرار كدعم دبلوماسي للسعودية والإمارات ومجلس القيادة الرئاسي، لأنه لا يكتفي بتمديد العقوبات بل يعزز سرديتهما الأساسية بأن الحوثيين مليشيات متمردة مصنفة عالمية كجماعة إرهابية من كثير من دول العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية و التي تشكل تهديداً للأمن الإقليمي والدولي وليست طرفاً سياسياً شرعياً، كما يساهم القرار في نقل عبء المواجهة البحرية إلى الأسطول الدولي مما يخفف الضغط العسكري والمالي عن التحالف، وفي الجانب المقابل تستثمر مليشيات الحوثي وإيران القرار في بناء سردية مقاومة تزعم أن العقوبات تستهدفهما بسبب وقوفهما ضد الهيمنة الغربية، ما يمنح القرار بُعداً دعائياً إضافياً يخدم مشروعهما السياسي ويعزز تعبئتهما الداخلية.
وفي سياق التصعيد البحري تبرز الهجمات الحوثية على السفن التجارية كأخطر تطور في المشهد اليمني خلال السنوات الأخيرة، وقد تحولت هذه الهجمات من عمليات محدودة إلى استراتيجية منظمة تعتمد على الاستهداف المنهجي للممرات البحرية الحيوية، بما في ذلك الهجمات التي طالت سفن مثل ماجيك سيز وإيترنيتي سي في البحر الأحمر، واستهداف السفينة الهولندية في خليج عدن، وهي هجمات لا تحمل فقط رسائل عسكرية بل رسائل سياسية واقتصادية لإعادة تشكيل ميزان القوى وتوسيع نفوذ الجماعة خارج نطاقها الجغرافي، ويكشف ذلك عن تطور نوعي في قدراتها الصاروخية والبحرية، وقدرتها على استخدام الطائرات المسيّرة طويلة المدى والزوارق المفخخة لاستهداف الملاحة الدولية، مما جعل البحر الأحمر يتحول إلى منطقة اختبار تكتيكي لإيران التي تنقل خبراتها عبر شبكات تهريب معقدة يصل بعضها عبر بحر العرب وخليج عدن وبعضها الآخر عبر خطوط داخلية تمتد من السواحل العمانية والمهرة وسواحل البحر الأحمر وصولاً إلى حجة و عمران و صعدة معقل المليشيات الحوثية منذ حروب صعدة الستة ايام الرئيس السابق علي عبدالله صالح.
وتتجاوز عمليات التهريب نطاق الأسلحة التقليدية لتصل إلى معدات عسكرية متطورة تشمل الصواريخ الباليستية الدقيقة والطائرات المسيّرة بأنواعها وأنظمة الاتصالات العسكرية، وقد كشفت العديد من عمليات التفتيش الدولية شحنات تحتوي على قطع تفكيكية يمكن إعادة تركيبها داخل الأراضي اليمنية، وهي طريقة تتجاوز المراقبة المباشرة وتسهل على إيران إيصال التكنولوجيا الحساسة دون الحاجة إلى نقل الأسلحة كاملة، كما أن بعض الشحنات تأتي عبر سفن صيد صغيرة لا تجذب الانتباه وتتحرك في مسارات لا تخضع لمراقبة رادارية دقيقة، مما يفسر استمرار تدفق السلاح إلى الحوثيين رغم العقوبات والمراقبة الدولية، ويمنح الجماعة القدرة على تطوير منظومات هجومية جديدة تظهر آثارها في البحر وعلى الحدود السعودية وعلى الجبهات الداخلية، ويتحول هذا التدفق المستمر للأسلحة إلى عنصر أساسي في بقاء الجماعة الحوثية وإطالة أمد الحرب.
وعلى مستوى المشهد اليمني الداخلي تظهر الآثار الأكثر قتامة، لأن أي حديث عن دعم خفر السواحل اليمني هو دعم عملي للجيش اليمني ووزارة الدفاع التابعة للشرعية، كما أن العقوبات المستمرة لا تقضي على اقتصاد الحرب للحوثيين بل تعيد تدويره لأنها تخلق احتكارات جديدة وتثري النخب المسيطرة على شبكات التهريب، بينما يتحمل المدنيون تكلفة التضييق على الموانئ وسلاسل الإمداد وارتفاع أسعار السلع، ويظل الشعب اليمني الطرف الأكثر معاناة في ظل غياب سلطة موحدة قادرة على إدارة مؤسسات الدولة أو ضبط حركة التجارة وارتفاع معدلات الفقر إلى مستويات كبيرة تمثل 80% من الشعب اليمني تحت خط الفقر.
وفي الخلاصة يبدو قرار مجلس الأمن استمراراً لنهج إدارة الأزمة بدلاً من حلها، فهو يعالج عرضاً خطيراً للصراع يتمثل في تهديد الملاحة الدولية، لكنه يتجنب مواجهة الجذور السياسية والاجتماعية والاقتصادية للحرب، ويتحول إلى انتصار تكتيكي في أروقة الدبلوماسية الدولية دون أن يمتلك القدرة على تحقيق نصر استراتيجي، لأن العقوبات قد تزيد كلفة الحرب وقد تستخدم كورقة ضغط في مفاوضات مستقبلية لكنها لا تشكل بديلاً عن الحل السياسي الشامل الذي يعالج أسباب النزاع ويضع حداً لمعاناة الشعب اليمني الذي يبقى المستهدف الحقيقي الوحيد في هذه المعادلة المعقدة.
المصدر
المصدر: مأرب برس
إقرأ أيضاً:
اليمن يدين الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان ويدعو لتحرك دولي لوقفها
يمن مونيتور/ قسم الأخبار
أدان اليمن، الثلاثاء، استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، معتبراً أنها تسهم في تصعيد التوتر بالمنطقة وتهدد الأمن والاستقرار الإقليميين، داعياً المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم لوقف هذه الانتهاكات المتكررة.
وقالت وزارة الخارجية، في بيان، إنها تعرب عن إدانتها واستنكارها الشديدين لاستمرار الهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، بما في ذلك توسيع نطاق التوغل البري في جنوب لبنان وما يرافقه من استهداف للمدنيين وانتهاكات تمس سيادة البلاد وأمنها واستقرارها.
واعتبرت الخارجية اليمنية استمرار العدوان الإسرائيلي بأنه يفاقم من حالة التوتر في المنطقة ويهدد الأمن والسلم الإقليميين.
ودعت خارجية اليمن المجتمع الدولي، إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف هذه الاعتداءات المتكررة، وضمان احترام قواعد القانون الدولي وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، بما في ذلك قرار مجلس الأمن رقم (1701)”.
وأكدت “موقف اليمن الثابت الداعم للجمهورية اللبنانية الشقيقة ووحدتها وسيادتها وسلامة أراضيها”.
وامس الاثنين، عقد مجلس الأمن الدولي، جلسة طارئة بطلب من فرنسا لمناقشة التطورات العسكرية المتسارعة في جنوب لبنان، في ظل التوغل الإسرائيلي المتواصل وارتفاع الخسائر في صفوف المدنيين.
وخلال الجلسة، حذّرت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون السياسة وبناء السلام وعمليات السلام، مارثا بوبي، من خطورة الوضع الميداني، مشيرة إلى استمرار تقدم القوات البرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، بالتزامن مع توسيع هجمات حزب الله إلى مناطق أعمق داخل إسرائيل.
وأكدت المسؤولة الأممية أن المخاوف تتزايد من اتساع رقعة المواجهات بين الجانبين، في وقت تتواصل فيه التحذيرات الإسرائيلية الموجهة لسكان الضاحية الجنوبية لبيروت، وسط حالة من الغموض بشأن مستقبل المحادثات الأمريكية الإيرانية المرتبطة بجهود تثبيت وقف إطلاق النار.
وأوضحت أن العمليات العسكرية الإسرائيلية شملت السيطرة على قلعة الشقيف (بوفورت)، والتقدم إلى ما بعد نهر الليطاني، إلى جانب تكثيف الغارات الجوية على مناطق جنوب لبنان والبقاع وضواحي بيروت، فضلاً عن إصدار إنذارات عاجلة للسكان بإخلاء المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني.
كما لفتت إلى أن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) رصدت نشاطاً عسكرياً مكثفاً شمال الخط الأزرق، حيث سجلت في 30 مايو نحو 992 مساراً لمقذوفات إسرائيلية، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله منذ إعلان وقف الأعمال العدائية في 17 أبريل الماضي.