العامرات.. عندما تتحول واحة التسامح إلى مرآة لأزمات المجتمع
تاريخ النشر: 18th, November 2025 GMT
مرتضى بن حسن بن علي
لم يكن احتفال الجالية الهندية في حديقة العامرات إلا مجرد فعالية ثقافية عابرة، ومع ذلك نجح في إشعال نقاش وطني واسع امتد لأيام. فما الذي جعل مشهدًا ثقافيًا يتحول بهذه السرعة إلى عاصفة رقمية هزّت المزاج العام؟
الجواب أن حادثة العامرات لم تكن أزمة دينية ولا خلافًا مع جالية بعينها؛ بل كانت مرآة لعمق التوترات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والثقافية التي تراكمت عبر السنوات، ووجدت في تلك الواقعة منفذًا للتعبير عن خيبة وقلق واحتقان أصبح يصعب كبته.
الجمر تحت الرماد: اقتصاد مضغوط وجيل يعيش صدمة التحول
على امتداد العقد الماضي، مرّت عُمان بتحولات اقتصادية عميقة اعادت رسم توقعات جيل كامل؛ إذ بعد عقود كان فيها القطاع الحكومي مظلة التوظيف والاستقرار، بدأت قدرة الدولة على استيعاب الخريجين تتراجع بفعل أزمات المالية العامة وتذبذب أسعار النفط، إضافة إلى تشبع الوحدات الحكومية بالوظائف.
وفي الوقت ذاته، واجهت الأسر العُمانية ارتفاعًا ملحوظًا في تكاليف الحياة مع تطبيق الضرائب المختلفة وسحب الدعم التدريجي عن الخدمات لإيجاد توازن بين المصروفات والإيرادات حسبما ذكرتها الحكومة.
هذه التحولات لم تكن “قرارات مالية” فحسب؛ بل تغيير جذري في نموذج الأمان الاجتماعي الذي نشأ عليه جيلان كاملان. ومع ضرورة الإصلاح الاقتصادي، بقي الأثر المباشر على الناس قاسيًا في صورة: زيادة في الالتزامات الشهرية، وتراجع في القوة الشرائية، وتقلص في فرص العمل المناسبة.
التحولات الحالية لم تنشأ من فراغ؛ بل هي امتداد لمسار طويل؛ فمنذ عام 1976، دعت الخطط الخمسية المتتالية إلى: تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، وزيادة الاستثمار في القطاعات المنتجة والموفرة للوظائف، وتعزيز دور القطاع الخاص والتنافسية، وتطوير أنظمة التعليم والتدريب لإحلال العمالة الوطنية. لكن التنفيذ على أرض الواقع لم يواكب طموح تلك الخطط.
وظل النفط المصدر الرئيسي للدخل، وبقي القطاع الخاص هشًا في بنيته، بينما لم تخلق منظومات التعليم المهارات اللازمة لاقتصاد رقمي حديث.
والنتيجة وجود جيل يدخل سوق عمل لا يشبه ما أعدّته له المدارس والجامعات.
الجالية الهندية: شريك تاريخي أم منافس اقتصادي؟
وللجالية الهندية حضور عميق ومتجذر في عُمان، ومساهمة واضحة في التنمية. لكن ضخامة حجمها وانتشارها في قطاعات رئيسية، في ظل بطالة شبابية متنامية، خلقت تصورًا لدى البعض بأنها “شبكة مغلقة” تهيمن على فرص العمل.
ومشكلة هذا التصور أنه ناتج عن نقص التواصل الثقافي والاجتماعي المباشر، ويُغذِّيه الفراغ المعلوماتي حول طبيعة سوق العمل، ويُضخَّم عبر منصات التواصل التي تفضل المحتوى العاطفي على الحقائق.
هكذا أصبح أي احتفال أو تجمع هندّي يبدو- في عين بعض المتابعين- "استعراضًا للنفوذ"، رغم أنه غالبًا مجرد نشاط ثقافي طبيعي يمارسه مئات الآلاف من المقيمين منذ عقود.
الظرف الإقليمي… وتأثير الإعلام
لم يكن المزاج الديني المحيط بعيدًا عن الصورة؛ فالتغطيات الإعلامية في السنوات الأخيرة حول التوترات الدينية في الهند خلقت حساسية عالية تجاه أي رمز هندوسي، حتى لو كان بعيدًا تمامًا عن السياسة. ثم جاءت الحرب على غزة وما رافقها من ألم وغضب وتعبئة عاطفية، لتجعل الشارع أكثر توترًا تجاه كل ما يلامس الهوية والدين.
وفي هذه الحالة المشحونة، يصبح أي اختلاف بسيط قابلًا للتأويل المبالغ فيه.
منصات التواصل: وقود العاطفة وسرعة الاشتعال.
وسائل التواصل الاجتماعي لم تكن مجرد مرآة؛ بل كانت مسرّعًا؛ فالخوارزميات تدفع نحو المحتوى الأكثر إثارة، بينما يضعف المحتوى التحليلي والهادئ. وهكذا تحوّلت الحادثة الصغيرة في حديقة العامرات إلى موجة وطنية، ليس لأن المشهد كان خطيرًا؛ بل لأن المجتمع كان أصلًا محمّلًا بالأسئلة والضغوط.
درس التاريخ: الانفتاح قوة لا تهديد.
في وسط الانفعال، يبرز درس من تاريخنا: الحضارات القوية لا تخشى الاختلاف؛ بل تستثمره.
في العصر العباسي الأول، لم تكن بغداد قلعة مغلقة؛ بل مركزًا لترجمة علوم الإغريق، واستيعاب خبرات الفرس، والاستفادة من المعارف الهندية في الرياضيات والفلك والطب. وهذا الانفتاح لم يُضعف الهوية الإسلامية؛ بل جعلها أكثر نضجًا وثراءً.
وهذا بالضبط ما تحتاجه عُمان اليوم: ثقة بالذات تسمح بالتفاعل دون خوف، والبناء دون ردّات فعل.
ماذا يجب أن نفعل الآن؟
لكي لا تتكرر أحداث مشابهة، ولتستعيد واحة التسامح توازنها الطبيعي، نحن بحاجة إلى خطوات واضحة لا شعارات عامة:
1. إصلاح اقتصادي حقيقي يولّد وظائف حقيقية، وذلك عبر تنمية قطاعات إنتاجية (الصناعة، اللوجستيات، التكنولوجيا، الطاقة المتجددة)، وتقليل الاعتماد على العمالة منخفضة التكلفة.
2. إصلاح تعليمي وتدريبي جذري، يُركِّز على المهارات الحديثة: الرقمية، التقنية، الابتكار، والتفكير التحليلي، حتى يصبح العُماني قادرًا على المنافسة في سوق يتغير بسرعة.
3. حوار وطني شفاف، يُوضِّح للناس مسار الإصلاح وأهدافه، ويعالج فجوات المعلومات التي تتحول إلى تصورات خاطئة وتوترات اجتماعية.
4. بناء جسور مع الجاليات المقيمة، عبر برامج ثقافية وتطوعية وتربوية تخلق تفاعلًا إنسانيًا مباشرًا، وتكسر الصور النمطية من الطرفين.
حادثة العامرات لم تكن أزمة؛ بل "إنذار".. إنذارٌ يذكّر بأن التحديات الاقتصادية والاجتماعية إن تُركت دون معالجة، ستبحث عن منفذ تعبّر من خلاله، ولو كان احتفالًا صغيرًا في حديقة عامة.
والقوة ليست في تجنب العواصف؛ بل في معالجة أسبابها وبناء مجتمع قادر على تحويل اختلافه إلى ثراء لا صراع.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
محافظ الزرقاء يرعى احتفال مديرية قضاء الظليل بعيد الاستقلال الـ 80
صراحة نيوز – احتفالاً بمناسبة عيد استقلال المملكة الأردنية الهاشمية الثمانين، وفي أجواء وطنية مميزة ومشاركة رسمية وشعبية واسعة، وبرعاية محافظ الزرقاء الدكتور فراس أبو قاعود، أقام قضاء الظليل احتفالاً وطنياً بهذه المناسبة الغالية.
وأكد محافظ الزرقاء الدكتور فراس أبو قاعود أن هذه المناسبة العطرة تجسد أسمى معاني الانتماء والولاء التي يحملها الأردنيون تجاه وطنهم وقيادتهم الهاشمية الفذة.
وأضاف أبو قاعود أن الاحتفالات الوطنية ما تزال تعم مختلف مناطق محافظة الزرقاء التي تعيش أجواء وطنية مفعمة بالفخر والاعتزاز بهذه المناسبة الوطنية الغالية.
وأشار مدير قضاء الظليل موسى الحوامدة إلى الإنجازات الكبيرة التي تحققت في عهد الهاشميين منذ فجر التحرر والاستقلال، والتي طالت جميع جوانب الحياة على مدى ثمانين عاماً وحتى يومنا هذا، مؤكداً أن الأردن أصبح في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني نموذجاً للعمل الجاد من خلال الإصلاحات السياسية والاقتصادية على المستويات المحلية والعربية والدولية، إلى جانب إرساء قواعد الحياة الديمقراطية وتعزيز الأمن والاستقرار الذي ينعم به الشعب الأردني الوفي لقيادته الهاشمية ووطنه.
وعبّر عدد من المواطنين عن فرحتهم وسعادتهم بهذه المناسبة ومشاركتهم في احتفالات عيد الاستقلال الثمانين، مؤكدين أن هذه المناسبة تجسد فخرهم بوطنهم وانتماءهم العميق للأردن.
واشتمل الحفل على معزوفات موسيقية وطنية وأغانٍ تراثية ووطنية أحيتها فرقة اللوزيين، تغنت بالأردن والهاشميين، وسط أجواء احتفالية عكست مشاعر الفخر والاعتزاز بهذه المناسبة.