هل يستطيع ترامب أن يحقق السلام لغزة؟
تاريخ النشر: 18th, November 2025 GMT
ترجمة: أحمد شافعي
قد لا يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على دراية أصلا بكتاب جون مينارد كينز الصادر سنة 1919 بعنوان «العواقب الاقتصادية للسلام» الذي حذر فيه من أن غلظة المطالب المفروضة على ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية ـ «القائمة على قاعدة اقتصادية مجحفة غير قابلة للنجاح» ـ سوف تزعزع استقرار أوروبا كلها.
لكن خطة ترامب للسلام في غزة بنقاطها العشرين تعكس أعمق رؤى كينز التي تتجسد في تحذيره من أن «مخاطر المستقبل لا تكمن في الحدود والسيادة وإنما في الغذاء والفحم والنقل».
لم تكن غزة قط مركزية في النقاشات حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لكن ترامب يرى القطاع باعتباره النقطة الأرشميدسية التي يمكنه منها لا أن يوسّع امبراطوريته التجارية العائلية وحسب ـ وهذا دافع أساسي وراء كثير من سياسته الخارجية ـ وإنما أيضا لتعزيز تحالفات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ودفع برنامج بنية أساسية دولي ضخم قادر على مواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية (BRI).
هذه الطموحات سابقة بأمد بعيد على حرب غزة. ففي عام 2017، خلال ولايته الرئاسية الأولى، توصل ترامب إلى اتفاقية مع اليابان لتقديم «بدائل استثمارية رفيعة المستوى في قطاع البنية الأساسية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ»، وتأسيس شراكة ترمي إلى تعزيز الوصول الرخيص المضمون للطاقة في جنوب شرق آسيا، وجنوب آسيا، وأفريقيا ما دون الصحراء. وقال جيمس ماتيس، وزير الدفاع آنذاك، إن «عالمنا المعولم فيه الكثير من الأحزمة والكثير من الطرق ولا يجب أن يضع بلد واحد نفسه في موضع من يفرض حزاما واحدا وطريقا واحدا».
وتولى الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن زمام البنية الأساسية في عام 2022، حينما أقام مجموعة 2-12 مع الهند وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة للتركيز على «استثمارات مشتركة ومبادرات جديدة في المياه والطاقة والنقل والفضاء والصحة والأمن الغذائي والتكنولوجيا». وفي العام التالي، التزمت إدارة بايدن ـ بجانب فرنسا وألمانيا والهند وإيطاليا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والاتحاد الأوروبي ـ بإنشاء ممر اقتصادي جديد بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) يرمي إلى تحفيز النمو الاقتصادي والتنمية من خلال تعزيز التواصل والتكامل.
يقوم هذا الممر على مشروع «سكك حديدية للسلام الإقليمي» الذي يرجع إلى عام 2018 ومن شأنه أن يربط إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والأردن والمملكة العربية السعودية عبر سكك حديدية عالية السرعة. ويضيف طريقا بحريا من الهند إلى الخليج العربي، وخطوط أنابيب لتصدير الغاز، والهيدروجين الأخضر بالدرجة الأساسية، من الهند إلى بلاد الخليج وأوروبا. وهذا الممر ـ على حد قول رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ـ أكبر من محض «خط سكة حديدية أو كابل»، إنما هو «جسر رقمي أخضر عابر للقارات والحضارات».
لكن تحقيق رؤية الممر لن يكون بالأمر الهين؛ فالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ابتداء شريكان تجاريان استراتيجيان للصين، وهما أيضا جزء من مبادرة الحزام والطريق. كما أن الإمارات قد انضمت إلى تجمع بريكس الذي تقوده الصين سنة 2024 والسعودية تدرس الانضمام منذ دعوتها إليه في عام 2023. ولا بد أن يقنعهما ترامب الآن بالابتعاد عن خطط البنية الأساسية الصينية في الشرق الأوسط وأن يلتزما بدلا من ذلك باستراتيجية مدعومة من الولايات المتحدة.
والأهم من ذلك أن التقدم على صعيد الترابط يقتضي استقرارا في الشرق الأوسط، وهذا بدوره يشترط مسبقا السلام وإعادة الإعمار لغزة.
ولذلك، فخلافا لإدارة الرئيس الأمريكي وودرو ويلسن في ما بين الحربين العالميتين ـ وهي الإدارة التي خضعت لضغوط داخلية انعزالية وانسحبت من جهود إقامة السلام في أوروبا بما أفضي في نهاية المطاف إلى اندلاع حرب أخرى ـ فإن ترامب عازم على احتمال سخط قاعدته المؤمنة بشعار «استعادة عظمة أمريكا» بسبب تركيزه على الشئون الخارجية. فقد استغل السلطة الأمريكية لدفع لاعبي المنطقة العنيدين إلى سلام تنعكس فيه حكمة كينز.
لا تحتوي خطة ترامب للسلام فقط على إيقاف دائم لإطلاق النار ونشر قوة دولية لإحلال الاستقرار (بتفويض من الأمم المتحدة) ونزع سلاح حماس، ولكنها أيضا تحتوي على إقامة إدارة مدنية فلسطينية انتقالية وعلى تنمية غزة اقتصاديا وإعادة إعمارها. وتنص على أن إسرائيل لن تحتل غزة ولن تضمها، وعلى ألا يتم إرغام الفلسطينيين على مغادرة القطاع.
وفي حين أن خطة ترامب لا تمهد طريقا لإقامة دولة فلسطينية، فهي تقر بالدولة الفلسطينية باعتبارها «طموحا للشعب الفلسطيني». ولا يكاد «يعاد تطوير» غزة ويتم إصلاح السلطة الفلسطينية «حتى يحتمل أن تتهيأ الظروف أخيرا لمسار مضمون» لتحقيق هذا الهدف. ولا شك أن إقناع حكومة يمينية في إسرائيل بالموافقة، ولو من حيث المبدأ، على خطة فيها أي إشارة لدولة فلسطينية إنجاز بارز.
لكن هذه محض بداية؛ فالخطة أقرب إلى إطار منها إلى خطوات، وافتقارها إلى الوضوح بشأن كيفية التنقل بين مراحلها المختلفة تترك مجالا كبيرا لتأويلات متباينة من الأطراف. ولقد قالت حماس بالفعل إنها لن تتخلى عن أسلحتها، ومن المحتمل أن تقاوم كل من حماس وإسرائيل كثيرا من عناصر الخطة. ويبقى وقف إطلاق النار هشا. فضلا عن أن تحالف ترامب الإقليمي ممزق بفعل انقسامات أيديولوجية واستراتيجية عميقة: فالمحور القطري التركي شديد الود تجاه حماس والإخوان المسلمين قياسا بالكتلة السعودية الإماراتية الإسرائيلية. ولا نعرف أيضا إلى الآن كيف ستتقبل مصر دورا تركيا في غزة.
ومع ذلك، هيأ ترامب المسرح لسلام في شرق أوسط جديد، قائم على تكامل اقتصادي وترابط في البنية الأساسية. وقد نكون على وشك توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية ـ أي اتفاقات إسرائيل الثنائية التي تقيم علاقات دبلوماسية مع أربعة بلاد عربية (البحرين والمغرب والسودان والإمارات).
ومن أجل تحسين فرص النجاح، اتخذ ترامب عددا من الخطوات لزيادة نفوذ إدارته على اللاعبين في المنطقة، منها توقيع صفقة أسلحة مع المملكة العربية واتفاقية أمنية مع قطر، والإلماح إلى احتمال رفع الحظر المفروض على مبيعات إف-35 لتركيا. وبالنسبة لمصر، يبقى احتمال ضمان عقودة كبيرة في إعادة إعمار غزة أمرا شديد الجاذبية. بل لقد أدخل ترامب سوريا في فلك أمريكا، بينما تستعد الشركات التركية والأمريكية لمنجم ذهب إعادة الإعمار.
ولعل الأشد أهمية هو أن ترامب أوضح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحتاج إليه، بل إنه ذهب إلى حد توجيه رسالة إلى الرئيس الإسرائيلي يطلب فيها لنتنياهو عفوا كاملا في قضية الفساد القائمة ضده.
وفي ظل عزلة دولية، واعتماد كامل على الجيش والدعم السياسي الأمريكيين، ومواجهة غضب المواطنين المتلهفين على إنهاء أطول حروب إسرائيل، ليس أمام نتنياهو خيارات تذكر عدا الانصياع لإرادة ترامب.
أما توافق خطة سلام ترامب برؤيتها المتواضعة لإقامة دولة فلسطينية مع رؤية الجانب العربي، فهذا أمر آخر.
شلومو بن عامي وزير الخارجية الإسرائيلية الأسبق ونائب رئيس مركز طليطلة الدولي للسلام
خدمة بروجيكت سينديكيت
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: والإمارات العربیة المتحدة البنیة الأساسیة
إقرأ أيضاً:
ترامب يعين توم باراك مبعوثًا خاصًا إلى سوريا والعراق
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعيين سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توم باراك مبعوثًا رئاسيًا خاصًا إلى سوريا، إضافة إلى تكليفه بمنصب مبعوث رئاسي خاص إلى العراق، في خطوة تعكس توجه الإدارة الأمريكية نحو تعزيز حضورها الدبلوماسي والسياسي في ملفات الشرق الأوسط، وتوسيع نطاق التنسيق مع حكومتي دمشق وبغداد خلال المرحلة المقبلة، وفق ما جاء في بيان نشره ترامب وأكد فيه استمرار باراك في مهامه الحالية كسفير لدى تركيا بالتوازي مع مسؤولياته الجديدة.
وقال ترامب إن توم باراك قدم أداءً متميزًا خلال الفترة الماضية، مشيرًا إلى أن اختياره لهذه المهمة يأتي في إطار تعزيز التعاون الاستراتيجي مع سوريا والعراق ومواصلة تطوير العلاقات الأمريكية مع البلدين، كما أكد أن باراك سيحظى بدعم كامل من وزارة الخارجية الأمريكية أثناء توليه الملفات الجديدة، معربًا عن تقديره لما وصفه بالتزامه الدائم بخدمة الولايات المتحدة ومصالحها الخارجية.
تحركات أمريكية في المنطقةويعد توم باراك من الشخصيات المقربة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ تولى خلال الفترة الماضية منصب سفير الولايات المتحدة لدى تركيا، كما كُلف بمهام خاصة تتعلق بالملف السوري في ظل التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، بما في ذلك تطور العلاقات الأمريكية مع الإدارة السورية الجديدة بعد رفع عدد من العقوبات وإطلاق مسارات تعاون سياسية واقتصادية جديدة.
وخلال الأشهر الماضية لعب باراك دورًا بارزًا في الاتصالات الأمريكية المتعلقة بسوريا، حيث شارك في لقاءات مع مسؤولين سوريين وأطراف إقليمية، كما ارتبط اسمه بجهود دبلوماسية هدفت إلى دعم الاستقرار وإعادة ترتيب عدد من الملفات الأمنية والسياسية في المنطقة، وهو ما دفع الإدارة الأمريكية إلى توسيع نطاق مسؤولياته ليشمل الملف العراقي أيضًا.
ملفا سوريا والعراقويأتي القرار الأمريكي في وقت تشهد فيه سوريا والعراق تطورات سياسية وأمنية متسارعة، حيث تسعى واشنطن إلى الحفاظ على نفوذها الإقليمي ومتابعة ملفات مكافحة الإرهاب والاستقرار الأمني والتنسيق مع الحكومات المحلية، إضافة إلى متابعة القضايا المرتبطة بالطاقة وإعادة الإعمار والعلاقات الإقليمية.
ويرى مراقبون أن الجمع بين ملفي سوريا والعراق تحت إشراف مسؤول أمريكي واحد يعكس رغبة الإدارة الأمريكية في توحيد مقاربتها السياسية تجاه البلدين، خاصة في ظل الترابط الأمني والجغرافي بينهما، إلى جانب استمرار التحديات المرتبطة بالتنظيمات المسلحة والتحولات الإقليمية المتلاحقة التي تؤثر على استقرار المنطقة بأكملها.
دور متزايد لتوم باراكويحظى باراك بحضور متزايد داخل دوائر صنع القرار الأمريكية المتعلقة بالشرق الأوسط، إذ تشير تقارير إلى أنه لعب أدوارًا مهمة في ملفات دبلوماسية متعددة خلال الفترة الأخيرة، كما تولى مهمة المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا مع احتفاظه بمنصبه سفيرًا لدى تركيا، قبل أن تتوسع مسؤولياته لتشمل الملف العراقي أيضًا، الأمر الذي يعكس حجم الثقة التي تمنحها له إدارة ترامب في إدارة القضايا الإقليمية الحساسة.
ويُتوقع أن يركز باراك خلال المرحلة المقبلة على ملفات التنسيق الأمني والعلاقات السياسية والاقتصادية بين الولايات المتحدة وكل من سوريا والعراق، إلى جانب متابعة جهود الاستقرار الإقليمي وتعزيز التواصل مع الحلفاء والشركاء في المنطقة، في ظل استمرار التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه الشرق الأوسط.