«صعود المديوكرز».. كيف تحوّل أصحاب المواهب الضحلة إلى قادة المشهد الثقافي؟
تاريخ النشر: 2nd, December 2025 GMT
لم يعد المشهد الثقافي في عالمنا العربي والعالمي مسرحًا للمبدعين وحدهم، ولا ساحة تتسع للأفكار الكبيرة والخيال الواسع كما كان يُفترض. شيء ما تغيّر جذريًا خلال العقود الأخيرة، شيء دفع بالمواهب الحقيقية إلى الخلف، وفتح الباب على مصراعيه أمام كائن غريب صعد بقوة وبلا خجل، كائن لا يحمل من الموهبة إلا قشورًا خفيفة، لكنه يملك ما هو أخطر: قدرة ساحقة على الإصرار، وعلى اقتناص الفرص، وعلى التلوّن والتكيّف مع كل بيئة ومناخ.
هذا الكائن الذي بات يسيطر على الشاشات، والمؤسسات، والمشهد العام، لا يخجل من ضعف أدائه ولا من سطحية أفكاره ولا من ضحالة ما يقدمه، بل يظهر بثقة أعلى بكثير من أصحاب المواهب الحقيقية. يدخل كل ساحة بلا تردد، يطرق الأبواب، ويصعد السلالم درجة درجة، إلى أن يحتل موقعًا لم يكن يومًا أهلًا له، لكنه حصل عليه لأنه لم يتوقف عن المحاولة. والمفارقة أن صعوده لا يأتي بفضل جودة ما يفعل، بل بفضل فراغ آخرين قرروا الانسحاب أو الاكتفاء بالشكوى أو رفض «الهبوط» إلى مستوى صراع كهذا. وهكذا أصبح «فقير الموهبة» لاعبًا رئيسيًا في حياتنا اليومية، يفرض ذوقه المتوسط ومعاييره السطحية، ويصنع مشهدًا كاملًا قائمًا على الأداء العادي، لكنه أداء لا يتوقف.
وفي فصل لافت من كتابه الجديد «على عينك يا تاجر»، يفتح الكاتب عماد فؤاد واحدًا من أكثر الملفات حساسية في الحياة الثقافية والفنية العربية والعالمية اليوم: ملف «المديوكر» أو «الإنسان المتوسط» الذي استطاع، بقدر مدهش من الإصرار والمثابرة، أن يحتل صدارة المشهد رغم فقر موهبته وضحالة ما يقدمه، وعلى خلاف ما اعتدنا عليه من هجاء هذا الكائن، يذهب فؤاد في نصه إلى زاوية مختلفة تمامًا: زاوية المديح - أو بالأحرى إعادة الاعتبار لهذا المخلوق العجيب الذي يجيد التلون والتموضع، وتمتلك قدرته على الاقتحام درسًا اجتماعيًا عميقًا مهما حاول الموهوبون إنكاره.
من «العادي» إلى «الظاهرة»: تحوّل الكلمة إلى سلاح ثقافي
يفتتح فؤاد فصله بالتوقف عند انتشار كلمة «مديوكر Mediocre » في السنوات الأخيرة، وكيف تحولت من توصيف محايد يعني «العادي» أو «المتوسط» إلى وصف اجتماعي يحمل دلالات الاحتقار، ويُستخدم لوصم أصحاب الأداءات الضحلة والمتسلقين وأنصاف المواهب، وعلى الرغم من ذلك، يلفت الكاتب إلى أن الكثير من هؤلاء «العاديين» استطاعوا، وبشكل لافت، أن يضمنوا لأنفسهم وجودًا راسخًا في مختلف المجالات: الإعلام، الفن، الأكاديمية، الأدبي، وحتى إدارة المؤسسات الثقافية.
يكشف النص عن معادلة واضحة: الموهبة لم تعد هي التي تقرر مكان صاحبها اليوم، بل القدرة على السعي، وعلى طرق الأبواب، وعلى التماهي مع شروط السوق والزمن، وهذه القدرة، يراها فؤاد، أمرًا يستحق التأمل وربما التقدير.
زمن السوشيال ميديا وبروز «نجم العاديين»
يربط الكاتب صعود «المديوكر» بالتغيرات المختلفة خلال العقود الأخيرة، وبالثورة الرقمية التي خلقت فضاءً مفتوحًا للظهور غير المشروط، حيث لم يعد الموهوبون فقط هم من يملكون مفاتيح الظهور، بل أولئك الذين يجيدون تسويق أنفسهم مهما كانت بضاعتهم رديئة.
وهكذا، ظهرت فئة تجيد فهم «منطق اللحظة»- تعرف كيف تستثمر العلاقات، وكيف تنسجم مع ذوق الجمهور السريع، وكيف تطوّع المشهد لصالح حضورها، في المقابل، انسحبت فئة أخرى من الموهوبين الذين لم يستوعبوا التغيرات الدراماتيكية، ولم يمتلكوا الأدوات الجديدة للانتشار، فلم يتبقَّ لهم سوى التذمر وإلقاء اللوم على «تافهي المشهد».
المثقفون المزيفون.. حين يتحول الكذب إلى رأسمال
في سياق تأصيل الظاهرة، يستحضر فؤاد كتاب المفكر الفرنسي باسكال بونيفاس: «المثقفون المزيفون: النصر الإعلامي لخبراء الكذب»، يصف بونيفاس هؤلاء المثقفين بأنهم «بارعون في التزييف أكثر من براعتهم في المعرفة»، وأنهم ينجحون في المشهد العام لأن «وقاحتهم ورغبتهم في التلميع» بلا حدود- وهي السمات ذاتها التي تعيد تعريف كائن «المديوكر».
ويفرد فؤاد إشارة خاصة لشخصية مثيرة للجدل مثل برنار هنري ليفي الذي يعتبره بونيفاس «سيد المضللين»، رغم تقديمه إعلاميًا بوصفه «فيلسوفًا»، وهو نموذج صارخ لكيف يمكن للتضخيم الإعلامي أن يحوّل «واسطة الموهبة» إلى نجم رأي.
«نظام التفاهة».. تفصيل العقل المديوكر
يتوقف الكاتب مطوّلًا عند كتاب الفيلسوف الكندي آلان دونو «نظام التفاهة (La médiocratie) » الذي يُعد اليوم مرجعًا أساسيًا لفهم صعود «العاديين»، يعرض دونو لائحة طويلة من القواعد التي على كل «مديوكر» الالتزام بها ليضمن البقاء: تجنب التعقيد، تجنب الأفكار الجيدة، التخفف من الشغف، عدم الظهور بمظهر المتأمل أو المثقف، تكوين شبكة، داعمة من أمثاله.
وفي جوهر الفكرة، يرى دونو أن التافهين يدعمون بعضهم بعضًا حتى تتشكل بهم طبقة كاملة تتحكم في القرار والاقتصاد والثقافة والإعلام. وهي ملاحظة يراها فؤاد شديدة التطابق مع الواقع العربي.
المديوكر العربي.. حين تتحول «الرداءة» إلى نظام
يفتح الكاتب الباب للدور العربي في تعزيز هذه الظاهرة، مشيرًا إلى رأي الفنان المصري عادل السيوي الذي يرى أن «المديوكر» في الأصل مفهوم نبيل يتعلق بـ«الوسط الذهبي»، لكنه تحوّل إلى صفة سلبية حين نجح محدودو الموهبة في التغلغل داخل السياسة والإدارة والفن، ويضرب السيوي أمثلة تاريخية: نيرون، هتلر، موسوليني.. للدلالة على أن الرداءة حين تصل إلى مواقع القرار تتحول إلى كوارث جماعية.
ويرى فؤاد أن المشهد العربي يعج اليوم بأصحاب «الموهبة المعدومة» الذين يكررون أنفسهم عشرات المرات دون تطوير، ومع ذلك يحصدون مواقع متقدمة بسبب الجرأة والإلحاح وامتلاكهم منطق «الغاية تبرر الوسيلة».
لماذا يجب أن نحتفل بأنصاف المواهب؟
على الرغم من كل هذا النقد، يقلب فؤاد زاوية النظر في ختام الفصل، داعيًا إلى تأمل «مهارات» هذا الكائن بدلًا من الاكتفاء باحتقاره، فالمديوكر يمتلك شيئًا مهمًا: الإصرار.
وإن كان فقير الموهبة، فإنه لا يتوقف عن العمل، وإن كان ضحلًا، فإنه لا يتوقف عن التقدم، وعلى العكس من الموهوب الذي يطارده الشك والتردد، يمضي المديوكر بثقة عمياء تفتح له الأبواب، حتى لو كان لا يستحقها.
يكتب فؤاد بروح ساخرة ممزوجة بالدهشة: «أُعجب بهذا الكائن الذي لا يوقفه شيء، القادر على إعادة تشكيل نفسه كلما تغيرت الظروف، والذي ينجح غالبًا في إقناع متوسطي الذكاء بأن ما يفعله له قيمة».
ويرى أن الاعتراف بجهده، حتى من باب الحياد، أمر منصف، فـ«لم يتكاسل هذا المخلوق يومًا عن أداء واجبه تجاه موهبته المعدومة، أو تلك التي يخيّل إليه أنها موجودة».
مجتمع المديوكر.. حين تصبح الرداءة معيارًا
يستدعي الكاتب مقالة الشاعر المصري مهاب نصر الذي وصف «مجتمع المديوكر» بأنه مجتمع «لا يحترم التعلم ولا الفشل»، ويعيش في دائرة مستمرة من تكرار الأخطاء، مع ترحيل المسؤولية دائمًا إلى «الآخر». ويرى أن هذا المجتمع يستهلك الأفكار مثل ضمادات لإخفاء جرح عميق هو «غياب القيمة»، مما يسمح بسيطرة «طبقة من العاديين» على مقدرات الثقافة.
بين السخرية والتحليل.. نص يفضح عصرًا بأكمله
ما يميز نص فؤاد ليس فقط ثراؤه بالمراجع، بل قدرته على تحويل مفهوم «المديوكر» إلى مرآة يرى القارئ فيها ملامح المشهد العربي الراهن بكل تشوهاته، إنه نص يجمع بين التحليل والسخرية والتأمل الفلسفي، ويطرح أسئلة مزعجة حول قيمة الموهبة، وجدوى الاجتهاد، وحدود العدالة في عالم تتقدم فيه الرداءة بثبات، بينما يتراجع الموهوبون بفعل الخجل أو المثالية أو ضعف القدرة على التكيف.
في النهاية، يترك فؤاد الأسئلة مفتوحة: هل المديوكر ظاهرة سلبية بالكامل؟ أم أنه نتاج طبيعي لعصر يقدّس «السهولة» ويعتبر «العمق» عبئًا؟ هل هو عدو الموهبة؟ أم مجرد صورة كاشفة لانهيار المعايير؟، وبين الكراهية والإعجاب، يترك الكاتب للقارئ السؤال الأهم: هل نصبح مثلهم.. أم نقاوم؟.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: المشهد الثقافي العقود الأخيرة على عينك يا تاجر هذا الکائن
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026