ناصر أبوعون

في محاولة للبحث عن شكل ومضمون الصورة الذهنيّة لـ(مجلس التعاون لدول الخليج العربية) في عيون العالمين العربيّ والغربيّ، والتي تمثل الصحافة وشاشات التلفزة مرآة عاكسة لها؛ اتضح أن هناك مرآتين، الأولى: تعكس اهتمامات الإعلام الغربيّ والآسيوَيّ على السواء وتركّز على محور (الطاقة) من منظور اقتصادي وجيوسياسيّ، ولكنه يغمز تارةً ويصرّح أخرى إلى حقوق العِمالة الوافدة، ويوظّفها كورقة ضغط بإيعاز من قباطنة السياسة وأباطرة الرأسمالية العالمية وتوجهات ومصالح الحركة الصهيونية.

أمّا مرآة الإعلام العربيّ فتسلّط الضوء على الدور الإيجابي لمجلس التعاون الخليجي في تحقيق الأمن والاستقرار، وإن كانت توجّه سهام النقد الإيجابي نحو مسيرة المجلس والتي بلغت عمرها الرابعة والأربعين من منظور إقليميّ وقوميّ، ويرى الإعلام العربيّ في تراجع ملف "التكامل الاقتصاديّ"، وتباطؤ وتيرة تنفيذ مشاريع التعاون المشترك بين سائر بلدان المجلس، حجرَ عثرةٍ أمام حركة التنمية المستدامة والرفاه الاجتماعيّ التي تستهدف النهوض بالشعوب الخليجية.

أمّا على صعيد المضمون، فنجد الإعلام الغربيّ يضع ثقله كاملًا في محورين استراتيجيين اثنين؛ يرتكزان على مبدأ تحقيق احتياجات الحكومات الغربيّة وتلبية تطلعات مواطنيهم، ويتمثل المحور الأول في تمتين "استراتيجية الطاقة"، والتي ترى في دول مجلس التعاون ذات الكتلة الجيوسياسية الممتدة مضافًا إليها العراق لا تعوقها أيّة موانع طبيعية أو صناعية وتمتلك الاحتياطي الأكبر حول العالم من النفط والغاز وتمثل شريان حياة للعالم الغربيّ والآسيويّ وعصب الأنشطة الاقتصادية وفي القلب منها الصناعة.

ثم يأتي المحور الثاني وينطلق من "استراتيجية التعاون الأمنيّ ذات البعد الاقتصاديّ"، من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربيّ والهند؛ للتأكيد على أنّ استقرار هذا الإقليم سياسيًا وأمنيًا يرتكز على معاهدات شراكة في مجالات الأمن والدفاع، وأنّ إمداد دول المجلس بأحدث الصناعات العسكريّة يُسهم في مزيد من تبريد بؤر الصراع، ويمثل حائط صدّ ضد أية أطماع خارجية.

لكن تظل سلطنة عُمان هي رُمانة الميزان التي تدير عملية تمتين العلاقات وأواصر القُربى بين دول المجلس وجيرانهم أو فيما بينهم وفق نهج الحياد الإيجابيّ.

أما على صعيد الإعلام العربيّ فنجده يركز على 3 محاور متساندة هي:

 الأمن الإقليمي: وفي هذا المحور تدور معظم المعالجات الصحفية والنقاشات المتلفزة ورؤى المحللين الخليجيين والعرب حول الإجابة عن سؤال: كيف نواجه الجريمة المنظمة؟ وكيف نواجه الإرهاب وتجفيف منابعه؟ وكيف نحمي الحدود السياسية والجغرافية من خطر الاختراق والتسلل؟ وكيف نطوّر "منظومة درع الجزيرة"؛ لتكون مظلة خليجيّة رادعة يركن إليها الجميع؟  التكامل الاقتصادي: ونجد في فلكه تدور 3 قضايا، ولكن ما زالت عالقة، ويتردد صداها منذ نشأة المجلس في ثمانينيات القرن العشرين، وهي: "ربط البنية التحتيّة" وهذه القضية قطعت دول مجلس التعاون فيها شوطًا كبيرًا، ثم تأتي قضية "الاتحاد الجمركيّ"، وهذه في طريقها إلى الحلحلة، ولكن ما زالت هناك بعض العناصر التقنيّة وسياسات التنفيذ تتقدّم بوتيرة بطيئة، وفي قضية "السوق الخليجية المشتركة" ما زال الأمل بعيد المنال، وهو ذروة سنام الوحدة، وحلمٌ يمكن تحقيقه من وجهة نظر مواطني دول المجلس.  السياسة الخليجية: المؤكد أن سائر دول المجلس تتفق على ضرورة الحفاظ على الاستقرار الأمنيّ لبلدان المجلس، والنأي عن سياسة التجاذبات والاستقطابات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط التي تتقلب على سطح صفيح ساخن، وخاصةً بعد التغوّل الإسرائيليّ في فلسطين المحتلة وسوريا ولبنان والصدام مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ودخول الصراع العربيّ الصهيوني إلى مناطق شائكة انتهت إلى صراع مسلح.

ويبقى القول.. إنّه رغم التحديات العالمية والإقليمية التي تواجه دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، إلّا أن الكثيرين يُعوّلون على "قمة المنامة" العديد من الآمال؛ وأهمها: إعادة النظر في التنسيق الأمني لحماية خطوط الملاحة البحرية، ولن يتأتى هذا إلّا بحلحلة القضايا العالقة مثل الصراع اليمني، ثم اتخاذ خطوات عملية في مسارين متوازيين؛ الأول: الاستثمار في قطاع الطاقة النظيفة وخاصة الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية لمواجهة خطر نضوب النفط مستقبلًا أو تدهور أسعار البيع وارتفاع كلفة الإنتاج.. إلخ من المتغيرات. وأمّا المسار الآخر فيركز على فلسفة التنويع الاقتصادي، وهو مرهون بالمضي قدمًا بوتيرة أسرع نحو سوق خليجية مشتركة.

رابط مختصر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

كلمات دلالية: مجلس التعاون دول المجلس

إقرأ أيضاً:

تونس: افتتاح أشغال المنتدى الاقتصادي الجزائري-التونسي

أكد الوزير الأول سيفي غريب خلال افتتاحه أشغال المنتدى الاقتصادي الجزائري- التونسي انه تجمعنا بالشعب التونسي الشقيق أخوة وتضامن متجذّران ومحطّات تاريخية مجيدة.

وقال غريب إن انعقاد دورة المنتدى الاقتصادي الجزائري-التّونسي اليوم، يعتبر موعداً نقف فيه معاً على التّقدّم الّذي سجّله التّعاون الاقتصاديّ بين بلدينا.

وهذا منذ دورته السّابقة الّتي عُقدت بالجزائر، شهر جويلية 2023، وفرصةً للمؤسّسات الاقتصاديّة ورجال الأعمال من الجانبين، من أجل بحث الفرص الكبيرة والمتعددة للشراكة الثنائية. لاسيما في ضوء المستوى الاستثنائي من الانسجام والتّوافق الذي بلغته العلاقات الثنائية على المستوى السّياسي.

وأضاف الوزير الاول أن  هذا المستوى تحقّق بفضل التوجيهات السديدة لقائديْ بلدينا الشّقيقين، رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، وأخيه قيس سعيد.

وعزمهما القوي، على إحداث نَقلة نوعية في التعاون الجزائري-التونسي في شتى مجالاته، والعمل على ترقيته إلى مستوى استراتيجي وفق مقاربة تشاركية وتكاملية.

وأشار غريب في كلمته إلى أن مستوى التّعاون الاقتصادي بين بلدينا في السّنوات الأخيرة عرف تقدّما يبعث على التّفاؤل.

وقد حيث بلغ حجم مبادلاتنا التجارية البينية خلال سنة 2024، أكثر من 2.3 مليار دولار بارتفاع يقدر بنسبة 12 % مقارنة بالسنة السابقة.

ووأضاف غريب أن تونس أصبحت بهذا المؤشر تونس أحد أهم شركاء الجزائر التجاريين، من خلال التموين بالمنتجات نصف المصنعة من الفوسفات، والمواد الزجاجية، والمنتجات المصنوعة من الألمنيوم والمركبات والعربات والمقطورات. كما تحتل المرتبة التاسعة  في قائمة زبائنها، خصوصا ما تعلّق بالغاز ومشتقات المواد البترولية والكهرباء، بالإضافة إلى السكر والمواد الغذائية والاسمنت والكلينكر.

في حين سجلت الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار إلى غاية نهاية أكتوبر2025، ستة وستين مشروعاً استثمارياً بالجزائر. ويشارك فيه متعاملون اقتصاديون تونسيون، بقيمة تقارب 353 مليون دولار.

ويستحوذ قطاع الصناعة فيها على نسبة 90%، خاصة في فروع في الصناعات الصيدلانية والكهربائية، في الوقت الّذي أحصى فيه المركز الجزائريّ للسجلّ التجاري إلى غاية نهاية 2023، قرابة 750 مؤسسة تونسية تنشط في مجالات عديدة، وهو ما يمثل أكثر من 9% من إجمالي الشركات الأجنبية المتواجدة بالجزائر.

وفي السياق ذاته أكد الوزير الاول أن هذه المعطيات تستحق التّثمين وتبعث على التفاؤل في ظل النمو المطرد والسريع لحجم ونوعية المبادلات والاستثمارات.

وبالمناسبة قال غريب أنه يمكن إدراج هذه المشاريع والمبادرات في إطار التعاون الثلاثي بين الجزائر وتونس وليبيا. وذلك بما يتماشى مع ما تشتركُ فيه دُوَلُنَا الثلاث من اهتمامات ومقومات تكامل.

ويأتي هذا  تجسيدا للرؤية التي وضعها قادة الدول الثلاث في القمة التشاورية المنعقدة بتونس في 22 أفريل 2024.

وتابع الوزير الأول إلى أنّ التعاون بين مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، الذي سيتدعم اليوم بالتوقيع على اتفاقية تعاون للمساهمة في تحفيز الشراكة بين البلدين، يمكن أن يشكل لبنة أساسيّة لتطوير التواصل والتفاعل وتبادل المعلومات وبناء الشراكات بين المؤسسات الاقتصادية الجزائرية والتونسية، خصوصاً عبر برمجة نشاطات منسقة تشمل تنظيم بعثات اقتصادية بين الجانبين والمشاركة الفعالة في المعارض والصالونات المنظمة في كلا البلدين، والعمل على تنظيم فعاليات اقتصادية مشتركة على المستوى الإفريقيّ.

كما أن الشراكات التي سيتم إبرامها اليوم بين متعاملين جزائريين وتونسيين في مجالات مختلفة، وهم مشكورون على ذلك، تعكس مدى حرصِنا المشترك على ترقية الشراكة الاقتصادية، وتُبرز إمكانيات وفُرص التعاون بين البلدين، التي يتعين استغلالها على النحو الذي يُمكِّن من توظيفها في خدمة أهداف الشراكة والتكامل والاندماج التي نصبو إليها جميعا.

مقالات مشابهة

  • د. أمل فوزي: المحتوى العربي على الإنترنت 3% فقط.. وتطالب بتحرك على 3 مستويات
  • د. هويدا مصطفى: العالم العربي "مستهلك" وليس "صانعاً" للأدوات الرقمية
  • باسم يوسف ينتقد الصورة الإعلامية المغلوطة عن ليبيا والوطن العربي
  • "الشامي" في طرابلس يحذر: الإعلام العربي يحتاج خريطة رقمية لعبور صحراء التحول التكنولوجي
  • “الوطني الاتحادي” يستقبل وفد الأمانة العامة لمجلس الشورى العُماني
  • مناقشة رسالة دكتوراة بكلية إعلام القاهرة عن مستقبل الصحافة في الثورة الصناعية الرابعة
  • بالأرقام: منذ عودته إلى البيت الأبيض.. 2.4 مليون كلمة لترامب أمام الصحافة
  • “قداسة البابا “: من الأسرة يخرج القديسون وهي التي تحفظ المجتمع بترسيخ القيم الإنسانية لدى أعضائها
  • تونس: افتتاح أشغال المنتدى الاقتصادي الجزائري-التونسي
  • الأمير فيصل بن سلمان يرأس الاجتماع الرابع لمجلس أمناء مكتبة الملك فهد الوطنية