قادني الدّرس الألسني الحديث مؤخراً إلى دراسة الأنا والآخر وفق محايثات تستند إلى واقعية جديدة، وحداثة سائلة لا تعتبر ثالوث النظرية الاتّصالية المتعلق بالمرسل والرّسالة والمستقبل، فالنّظريات الاتصالية الحداثية وما بعدها كانت قد أسالت النظرية ذاتها وراحت توسّع من أفق التّوقع وتحطّم القيود نحو فلسفة جديدة مثاليّتها تَكمُن في جدّتها وحداثتهِا، فاليوم مثلاً ينتقل المجتمع وتنتقل معه أدبيات التحاور من الشكل الهرمي الكلاسيكي إلى الشكل الشبكي المتعدد الآفاق والحدود، والذي يتجاوز بدوره ويقفز على قيم صلبة واعتبارات تمّ التخلي عنها اليوم بسهولة، فثقافة العصر وبفضل ما يتيحه الذكاء الاصطناعي ثقافة تركن إلى السّرعة التي تتجاوز القيمة ولا تقف عندها برويّة، ما يجعل مسؤولية الحفاظ على هذه القيمة رهيناً للأصيل والأخلاقي والقيمي، إذ الدّفة اليوم تقودها الآلة الصمّاء التي تُثبت كل يوم أنها مهما تعالت وتطورت، فإنها تبقى بحاجة لمَن يوجّهها ويصوّب مساراتها غير المتوقعة.


لقد اطلعت مؤخراً على كتاب بلاغة الجسد الرقمية لمؤلفته الأميركية «اريكا داون» وأعددت مطالعة مقتضبة حوله ستنشر في مجلة قراءات التي تصدر في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، فقد أدهشني في ذلك الكتاب اعتناء المؤلّفة بالحيثيات والتفاصيل التي تعيّن بوضوح حدود نجاح التواصل بين المتخاطبين رغم بُعد المسافات وغياب التواصل الحسّي، فقد اعتنت الكاتبة بلون الحروف وحجمها وبعلامات الترقيم وطول الجملة وقصرها في التواصل الذي يتم عبر وسائط كمنصة X والواتساب والفيسبوك وغيرها... فالكاتبة «داون» ترى أن ثمّة إشارات غير لغوية وعلامات صورية تؤدي أثراً أبلغ من ملامح الجسد ولغته حينَ التواصل الحسّي، لكنها في ذات الوقت تحاول تبيان السُّبل المناسبة لدرء سوء الفهم والالتباس والعنف اللغوي.
غير أن هذا الأثر تجلّى بوضوح حين عملتُ على وضع دراسة متكاملة همُّها ربط البلاغة الجَدّة ببلاغة السرعة اليوم، محاولاً بذاك تقعيد أسس التأثر والتأثير بين المتخاطبين الرقميين وتحديد المناطق التي يتماسّ معها المتخاطب في حدود الاستجابة العادية والبليغة ومحاذير الوقوع في فَقد الاتصال والعنف وسوء الفهم أو إساءته، وعلى ذلك وجدت أنني أعوم في ثلاثة سياقات هي سياق المجلس والورقة، وأخيراً سياق الشاشة الذي ألغى بدوره كافة الاعتبارات السابقة وساوى بين الجميع في لحظة تزامنية جعلت صغير العائلة أكثر المتواصلين والمتداخلين في «جروب العائلة» بعد أن كان آخر من يسمح له بالتحدث في المجلس التقليدي، ما يعني أننا أمام استحقاق جديد مفادُه أخلاق رقميّة يلزم أن تبقى متّصلة بجذرها العتيق مهما ابتعدنا جسدياً وتقاربنا رقمياً.
*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

أخبار ذات صلة د. نزار قبيلات يكتب: الشتاء عباءة السعادة في الإمارات د. نزار قبيلات يكتب: الشهادات الإبداعية

المصدر

المصدر: صحيفة الاتحاد

كلمات دلالية: نزار قبيلات

إقرأ أيضاً:

الغرفة 202 تشعل أحلام الأرجنتين.. هل يكتب ميسي الفصل الأخير من الأسطورة في مونديال 2026؟

في عالم كرة القدم لا تعيش الجماهير على الأهداف والانتصارات فقط بل تتعلق أحيانًا بتفاصيل صغيرة قد تبدو عادية للبعض لكنها تتحول إلى إشارات تمنح الملايين الأمل قبل انطلاق المعارك الكبرى .. ومع وصول بعثة المنتخب الأرجنتيني إلى مقر إقامتها في الولايات المتحدة استعدادًا لخوض منافسات كأس العالم 2026 لم يكن الحديث هذه المرة عن خطط المدرب ليونيل سكالوني أو جاهزية النجوم بل عن رقم غرفة اختارها قائد المنتخب ليونيل ميسي.

تفصيلة بسيطة تحولت خلال ساعات إلى حديث الجماهير الأرجنتينية عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعدما ربط المشجعون بين الرقم الجديد الذي يحمله مقر إقامة قائد "التانجو" وبين حلم التتويج بلقب عالمي جديد.

من الغرفة 201 إلى 202.. حكاية بدأت في قطر

قبل أربع سنوات وخلال إقامة المنتخب الأرجنتيني في مونديال قطر 2022 كان ميسي يقيم في الغرفة رقم 201 حينها تداول المشجعون فكرة طريفة مفادها أن مجموع أرقام الغرفة يساوي الرقم ثلاثة في إشارة إلى النجمة الثالثة التي كانت الأرجنتين تحلم بإضافتها إلى قميصها التاريخي.

إلغاء رحلات خاصة من الأرجنتين إلى ميامي لحضور كأس العالم.. ما السبب؟سكالوني يحافظ على هدوئه بينما تستعد الأرجنتين للدفاع عن لقب المونديالقلق في الأرجنتين.. إصابة مفاجئة لمارتينيز قبل كأس العالم 2026

وبالفعل انتهت البطولة بصورة أسطورية بعدما نجح المنتخب الأرجنتيني في التتويج بكأس العالم للمرة الثالثة في تاريخه ليصبح ذلك الرقم جزءًا من واحدة من أجمل القصص التي عاشتها الجماهير.

المشهد من جديد ولكن بصورة مختلفة.

فقد اختار ميسي الإقامة في الغرفة رقم 202 داخل معسكر المنتخب الأرجنتيني بمدينة كانساس الأمريكية وهو ما دفع الجماهير إلى إعادة إحياء "نظرية الأرقام" الشهيرة.

وبحسب حسابات المشجعين فإن مجموع أرقام الغرفة الجديدة يساوي أربعة وهو الرقم الذي يمثل حلم الأرجنتين المقبل بإضافة النجمة الرابعة إلى سجلها الذهبي بعد ألقاب 1978 و1986 و2022.

ميسي والمهمة الأصعب

بعيدًا عن الخرافات والتكهنات يدرك الجميع أن المهمة لن تكون سهلة أمام منتخب الأرجنتين فرغم دخوله البطولة بصفته حامل اللقب إلا أن الضغوط ستكون أكبر من أي وقت مضى خاصة أن المنافسين سيعتبرون إسقاط "الألبيسيليستي" هدفًا رئيسيًا في النسخة الجديدة من المونديال.

وفي قلب هذا المشهد يقف ليونيل ميسي الذي يستعد لخوض كأس العالم السادسة في مسيرته ليواصل تحطيم الأرقام القياسية بقميص منتخب بلاده.

النجم الأرجنتيني البالغ من العمر 38 عامًا يدخل البطولة وسط تساؤلات كثيرة حول قدرته على تكرار إنجاز 2022 لكنه في الوقت نفسه يملك ما لا يملكه أي لاعب آخر في البطولة: الخبرة والقيادة والإيمان الجماهيري المطلق.

سكالوني يحتفظ بعموده الفقري

ويعتمد الجهاز الفني للمنتخب الأرجنتيني على مجموعة كبيرة من العناصر التي شاركت في رحلة التتويج التاريخية بقطر فالقائمة الحالية تضم عددًا من أبرز أبطال اللقب العالمي مثل إيميليانو مارتينيز نيكولاس أوتاميندي رودريجو دي بول إنزو فرنانديز أليكسيس ماك أليستر خوليان ألفاريز ولاوتارو مارتينيز.

ويمنح هذا الاستقرار الفني المنتخب الأرجنتيني أفضلية مهمة مقارنة بعدد من المنتخبات التي خضعت لعمليات إحلال وتجديد واسعة خلال السنوات الأخيرة.

معسكر للأبطال

واستقر المنتخب الأرجنتيني في مدينة كانساس الأمريكية التي ستكون مركز عملياته طوال البطولة وحرص الاتحاد الأرجنتيني على توفير كل سبل الراحة للاعبين والجهاز الفني حيث تم اختيار مقر إقامة يتمتع بخصوصية كبيرة بعيدًا عن الضغوط الجماهيرية والإعلامية.

كما جرى تجهيز الفندق بلمسات أرجنتينية خاصة من خلال الأعلام والصور والرسائل التحفيزية التي تستعيد لحظات التتويج التاريخية وتُذكر اللاعبين بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم.

ويضم المقر مناطق ترفيهية ومساحات للاسترخاء ومرافق حديثة تساعد اللاعبين على الحفاظ على تركيزهم طوال فترة المنافسات.

بداية الطريق نحو النجمة الرابعة

وسيبدأ المنتخب الأرجنتيني مشواره في البطولة وسط طموحات كبيرة بالحفاظ على اللقب العالمي ورغم أن الطريق يبدو طويلًا وصعبًا فإن الجماهير الأرجنتينية تؤمن بأن هذا الجيل لا يزال قادرًا على كتابة فصل جديد من المجد.

قد تكون الغرفة 202 مجرد رقم على باب إحدى الغرف داخل معسكر المنتخب وقد تكون مجرد مصادفة عابرة لا أكثر.

لكن في بلد يعشق كرة القدم حد الجنون وتحديدًا عندما يتعلق الأمر بليونيل ميسي فإن كل تفصيلة تتحول إلى قصة وكل إشارة تصبح مصدرًا للأمل.

طباعة شارك المنتخب الأرجنتيني الولايات المتحدة كأس العالم 2026 ليونيل ميسي ميسي سكالوني

مقالات مشابهة

  • وائل الغول يكتب : مكالمة الأوغاد
  • أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
  • بلال قنديل يكتب: علاقات محظورة
  • رئيس الجمهورية نزار أميدي يزور البطريرك مار بولس الثالث نونا في البطريركية الكلدانية
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • الغرفة 202 تشعل أحلام الأرجنتين.. هل يكتب ميسي الفصل الأخير من الأسطورة في مونديال 2026؟
  • حسام الحداد يكتب: من التنوير إلى التحريم.. كيف يفتح تضييق "الأنشطة الطلابية" أبواب التطرف؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش