الدعم الإماراتي للكويت خلال الغزو العراقي.. نموذج في التلاحم الأخوي ومواقف بطولية خالدة
تاريخ النشر: 3rd, February 2026 GMT
ترتبط دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت الشقيقة بعلاقات أخوية راسخة وروابط متجذرة ومصير واحد.
وتجلّت قوة ومتانة هذه العلاقات إبان الغزو العراقي للكويت عام 1990، حيث كانت الإمارات في مقدمة دول العالم التي سارعت إلى مساندة حقوق الشعب الكويتي على الصعيدين الإقليمي والدولي، واتخذت موقفًا داعمًا للكويت سياسيًا واقتصاديًا وإنسانيًا، مؤكدة التزامها بحماية سيادتها واستقرارها.
ويأتي في مقدمة هذه المحطات الإنسانية والسياسية وقوف المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إلى جانب الكويت في محنتها، انطلاقًا من إيمانه بوحدة المصير الذي يربط دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتجسيدًا لتمسّك دولة الإمارات بالقانون والشرعية الدولية ومبادئ حسن الجوار.
وقد اتخذ المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان سلسلة من الإجراءات العاجلة لدعم الأشقاء الكويتيين، وأجرى العديد من الاتصالات والمباحثات الثنائية على المستويين الإقليمي والدولي لضمان حماية سيادة الكويت وانسحاب القوات العراقية من أراضيها.
كما أصدر المغفور له الشيخ زايد أمراً بإلغاء احتفالات عيد الجلوس الرابع والعشرين الذي يصادف يوم 6 أغسطس، وكان من أوائل القادة العرب الداعمين لعقد قمة عربية طارئة، ومن المؤيدين لإرسال قوات عربية إلى السعودية، في خطوة شكلت انطلاقة الجهود العربية لتحرير دولة الكويت.
وأولى القائد المؤسس ملف تحرير الكويت أهمية قصوى عبر عنها المغفور له قائلاً: “الكويت هي إحدى الدول التي تشكل الأسرة الخليجية في إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فإذا وقعت أي واقعة على الكويت فنحن أعضاء مجلس التعاون الخليجي ككل لا نجد من الوقوف معها بداً مهما حدث، فهذا شيء نعتبره فرضاً علينا يمليه واقعنا وتقاربنا وأخوتنا، نحن جسم واحد ما يصيب أحد أعضائه من ضرر يصيب الآخر، وكما يواجه الإنسان الخطر عندما يقترب منه ويداهمه فإن عليه أن يواجهه بمثله”.
وفي خطوة غير مسبوقة وجه القائد المؤسس الدعوة إلى شباب الإمارات وإلى كل قادر على حمل السلاح للتدريب والتطوع والانخراط فى القوات المسلحة دفاعاً عن الوطن واستعداداً لمرحلة ما بعد تحرير الكويت، وأمر برفع علم الكويت خلال مدة الغزو على المدارس الإماراتية.
وأبدى أبناء الإمارات تضامنهم الكامل مع الأشقاء الكويتيين، حيث فتحوا بيوتهم لهم، وتقاسموا معهم سبل العيش، واستضافت الدولة على أرضها الآلاف من الأسر الكويتية في مشهد جسّد أسمى معاني الأخوة والتكاتف.
ومع اندلاع حرب تحرير الكويت، شاركت القوات المسلحة الإماراتية في جميع مراحل الحرب، وكانت أبرزها عملية “عاصفة الصحراء” التي تقدمت فيها القوات الإماراتية داخل الأراضي الكويتية، وكانت أول قوات تدخل مدينة الكويت من قوات “درع الجزيرة”.
وتميزت مشاركة قواتنا المسلحة في معركة تحرير الكويت بفعالية عالية ضمن قوات التحالف الدولي وقوات مجلس التعاون الخليجي، وقد تضمن تشكيل قواتنا المسلحة المشاركة قوات برية مع كافة وحدات الإسناد التابعة لها، كما شاركت قواتنا الجوية بفعالية من بداية العمليات الحربية وبلغ عدد الطلعات التي تم تنفيذها 173 طلعة جوية بدون خسائر، وشارك في هذه الطلعات طيارو قواتنا الجوية من مختلف الرتب.
وخلال زيارته لقوات الإمارات المرابطة في الكويت قال الشيخ زايد: “إن عزة الكويت هي عزة للجميع، وعليكم أن تبذلوا كل جهد لمساندتها والوقوف إلى جانبها”.
ووقفت القوات المسلحة الإماراتية إلى جانب دولة الكويت في أزمتها وصولاً إلى التحرير في 26 فبراير1991، وسطر أبناء الإمارات بدمائهم الطاهرة ملاحم بطولية في دفاعهم عن الحق والشرعية، وبلغ عدد شهداء الإمارات 8 شهداء و21 جريحاً.
وفي 27 فبراير 1991 هنأ المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه ، في اتصال هاتفي المغفور له الشيخ جابر الأحمد الصباح أمير دولة الكويت آنذاك “رحمه الله” والشعب الكويتي العزيز بمناسبة تحرير الكويت.
وكان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أول رئيس دولة يزور الكويت بعد تحريرها، فيما كانت سفارة دولة الإمارات أول سفارة تم رفع العلم عليها بعد التحرير.
وأدت قوات الإمارات بعد التحرير عدة مهام وأدوار تمثلت في إزالة الألغام وحماية سفارة دولة الإمارات في دولة الكويت وتوزيع المساعدات على المتضررين وإزالة مخلفات الحرب وإعادة وإصلاح المرافق وتنظيم إعادة بعض الأسر الكويتية من دولة الإمارات على طائرات القوات الجوية والقيام بدوريات حفظ الأمن ونقاط التفتيش وتأمين ومراقبة الحدود الكويتية – العراقية والدفاع عنها.
وفي 27 فبراير من العام 1992 تلقى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رسالة من شباب الكويت أعربوا فيها عن بالغ شكرهم وتقديرهم وتقدير الشعب الكويتي لمواقف سموه خلال الغزو العراقي للكويت، كما كرم الوالد المؤسس في 23 فبراير 1994 ضباط وجنود الإمارات الذين شاركوا في تحرير الكويت.
وفي عام 2016 كرمت القوات البرية بالقوات المسلحة الإماراتية كتيبة المشاة 3 المشاركة في معركة تحرير الكويت.
وجاء حفل التكريم في ذكرى اليوبيل الفضي لمعركة تحرير الكويت انطلاقاً من تقدير القيادة الرشيدة والقوات المسلحة في دولة الإمارات لتاريخ وتضحيات حماة الوطن الذين خاضوا المعركة ببسالة وشجاعة، إيماناً منهم بالواجب ودفاعاً عن الحق والوطن ونصرة للأشقاء.
وقد جسدت دولة الكويت بدورها تقديرها لدولة الإمارات بتخصيص جناح لقواتنا المسلحة في بيت الكويت للأعمال الوطنية والذي عرضت فيه صور ولوحات وأقوال للمغفور له الشيخ زايد وأسماء شهداء الإمارات الثمانية، والواحد والعشرين جريحاً خلال عملية التحرير، وقد حملت إحدى اللوحات قول المغفور له الشيخ زايد: “دول الخليج لن يهدأ لها بال حتى تعود الكويت إلى أهلها كما كانت عليه”.وام
المصدر
المصدر: جريدة الوطن
إقرأ أيضاً:
الإمارات ترسخ نموذج الاقتصاد الدائري عبر شراكات ومبادرات نوعية
لم تعد مبادرات الاقتصاد الدائري في دولة الإمارات تقتصر على الأطر البيئية أو السياسات التنظيمية، بل دخلت مرحلة التطبيق الاقتصادي المباشر، عبر مشروعات ومبادرات نوعية تستهدف تحويل المخلفات والموارد القابلة لإعادة الاستخدام إلى قيمة إنتاجية واستثمارية مستدامة، في توجه يعكس تحول الاقتصاد الدائري إلى أحد المسارات الداعمة للنمو الاقتصادي والتنويع الصناعي في الدولة.
وجاء إطلاق مبادرة "نسيج"، بتوجيهات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، كأحدث نموذج لهذا التوجه، عبر استهداف تحويل قطاع المنسوجات إلى منظومة اقتصادية دائرية متكاملة، تقوم على إعادة الاستخدام والتدوير وتقليل الهدر، بما يعزز الاستدامة الصناعية ويرسخ مفاهيم الإنتاج المسؤول.
مرحلة البناء
ويرى الدكتور حسام البكري، محلل اقتصادي، أن الإمارات تجاوزت مرحلة التوعية بمفهوم الاقتصاد الدائري إلى مرحلة بناء أدوات اقتصادية فعلية قائمة على إعادة تدوير الموارد وتحويل المخلفات إلى قيمة مضافة، مشيراً إلى أن هذا التوجه يعكس تسارع الخطوات الإماراتية خلال عامي 2025 و2026 نحو بناء منظومة متكاملة للاقتصاد الدائري، لا تعتمد فقط على التشريعات، بل تمتد إلى إطلاق مبادرات قطاعية متخصصة، وعقد شراكات صناعية واستثمارية، وتطوير أسواق ومنصات للمواد القابلة لإعادة التدوير، بما يفتح المجال أمام صناعات جديدة وفرص استثمارية مرتبطة بالاقتصاد الأخضر.
وأضاف أن أهمية مبادرات الاقتصاد الدائري تكمن في مساهمتها في إعادة تشكيل سلاسل الإنتاج والاستهلاك وفق نماذج أكثر كفاءة واستدامة، موضحاً أن تقليل الفاقد وإعادة استخدام المواد الخام ينعكس على خفض تكاليف الإنتاج، وتعزيز كفاءة الموارد، وخلق فرص استثمارية جديدة في قطاعات إعادة التدوير والتكنولوجيا النظيفة.
وفي سياق متصل، يرى الدكتور البكري أن منصة "تحويل"، التي أطلقتها وزارة التغير المناخي والبيئة بالتعاون مع شركة "بيئة" في سبتمبر 2025، كأول سوق رقمية وطنية متكاملة للمواد القابلة لإعادة التدوير، تمثل نموذجاً عملياً لتحويل الاقتصاد الدائري إلى نشاط اقتصادي منظم قائم على العرض والطلب، يهدف إلى ربط منتجي النفايات القابلة للتدوير بالمصانع والمستثمرين والمشترين، وتحويل المخلفات إلى موارد تدخل مجدداً في دورة الإنتاج، موضحاً أن المنصة تخلق سوقاً فعلية للمواد المعاد تدويرها، وتفتح المجال أمام استثمارات جديدة في الخدمات البيئية والتكنولوجيا النظيفة والصناعات المرتبطة بإدارة الموارد.
فرص جديدةوقال حمد العوضي، رجل الأعمال والعضو السابق في مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة أبوظبي، إن الاقتصاد الدائري في الإمارات لم يعد مبادرة بيئية معزولة، بل أصبح جزءاً من السياسة الصناعية والاقتصادية للدولة، لافتاً إلى أن الإمارات وضعت سياسة الاقتصاد الدائري 2021-2031، وحددت قطاعات ذات أولوية مثل التصنيع المستدام، والبنية التحتية، والنقل، والغذاء، وهو ما يعني أن الدولة تتعامل مع الاقتصاد الدائري كمنظومة إنتاج، لا كحملة توعوية.
وأضاف: "من الناحية الاقتصادية، تكمن أهمية مبادرات مثل "نسيج" و"تحويل" في أنها تنقل المخلفات من بند تكلفة إلى أصل اقتصادي قابل للتداول والتصنيع، فعندما يتم جمع المنسوجات أو البلاستيك أو المعادن أو المخلفات الإلكترونية وإدخالها مجدداً في سلاسل الإنتاج، فإننا نخفض كلفة المواد الخام، ونقلل الاستيراد، ونخلق فرصاً جديدة في الصناعات التحويلية، واللوجستيات، والتكنولوجيا النظيفة".
جذب الاستثمارات
وأشار العوضي إلى أن الأرقام العالمية تؤكد جدوى هذا الاتجاه، إذ قدّر الاتحاد الأوروبي أن تطبيق سياسات الاقتصاد الدائري يمكن أن يضيف نحو 0.5% إلى الناتج المحلي الأوروبي بحلول عام 2030، وأن يخلق قرابة 700 ألف وظيفة جديدة، كما تُعد هولندا من الدول المتقدمة في هذا المجال، إذ تستهدف خفض استهلاك المواد الخام الأولية بنسبة 50% بحلول عام 2030، والوصول إلى اقتصاد دائري كامل بحلول عام 2050.
ولفت إلى أن الفرصة تبدو أكبر بالنسبة لدولة الإمارات، لأنها تمتلك بنية تحتية متقدمة، وقطاعاً صناعياً نامياً، وقدرة على جذب الاستثمارات، كما أن معدلات النفايات للفرد في الدولة ما زالت مرتفعة نسبياً، إذ تشير بيانات وزارة التغير المناخي والبيئة إلى أن النفايات البلدية للفرد وصلت سابقاً إلى نحو 2.1 كجم يومياً، قبل أن تتراجع إلى نحو 1.8 كجم، وهو ما يوضح حجم الفرصة الاقتصادية الكامنة في تحويل هذه النفايات إلى مواد إنتاجية.
وأضاف: "من منظور رجل أعمال، أرى أن الاقتصاد الدائري يفتح جيلاً جديداً من الفرص الاستثمارية، ليس فقط في إعادة التدوير التقليدي، بل أيضاً في مصانع المواد المعاد تدويرها، والمنصات الرقمية لتداول المخلفات، وتصميم المنتجات القابلة لإعادة الاستخدام، وسلاسل الإمداد الخضراء، وهو ما يجعل مبادرات الإمارات الأخيرة خطوة مهمة نحو بناء سوق وطنية للمواد الثانوية، وتحويل الاستدامة إلى رافعة للنمو الصناعي".