طريق "ريسوت- المغسيل".. معاناة مستمرة وخطر يومي
تاريخ النشر: 3rd, February 2026 GMT
د. سالم بن عبدالله العامري
ليس الطريق مجرد شريطٍ من الأسفلت يصل بين مكانين، بل هو شريان حياة، ومرآة تعكس مستوى الاهتمام بالإنسان قبل العمران. وطريق ريسوت- المغسيل، بما يحمله من رمزية جغرافية وإنسانية، يُعد واحدًا من أهم الطرق الحيوية في محافظة ظفار، كونه يربط ولايات المنطقة الغربية (رخيوت، ضلكوت، المزيونة) بولاية صلالة، فضلًا عن دوره كطريق دولي يربط المحافظة عبر منفذ صرفيت بمحافظة المهرة في الجمهورية اليمنية الشقيقة.
ومنذ أن تمت سفلتة هذا الطريق في ثمانينيات القرن الماضي، أي قبل ما يقارب 45 عامًا، ظل شاهدًا على تحولات كثيرة، يخدم الأهالي والمسافرين والتجار والطلبة والمرضى، ويؤدي دوره بصمت رغم قِدمه ومحدودية إمكاناته. واليوم، وفي عصر النهضة المتجددة بقيادة مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- يرى هذا الطريق- أخيرًا- أعمال إنشاء ضمن مشروع ازدواجية طال انتظاره، مشروع يفترض أن يكون بشرى خير، وعنوانًا للتنمية، وتجسيدًا لرؤية تهدف إلى تحسين جودة الحياة.
غير أن الواقع، كما يراه ويعيشه مرتادو الطريق يوميًا، لا يزال مؤلمًا ومقلقًا؛ فأعمال الإنشاءات الجارية، بدلًا من أن تكون مرحلة انتقالية آمنة نحو مستقبل أفضل، تحولت إلى مصدر مُعاناة حقيقية، وحالة استنزاف يومي للأعصاب والأرواح. حوادث مرورية خطيرة تتكرر بشكل شبه يومي، بعضها مُميت، وأخرى تترك خلفها إصابات وخسائر مادية ونفسية، في ظل غياب واضح لمعايير الأمن والسلامة المرورية.
الحُفَر المكشوفة، وغياب الترميم المؤقت، وتضييق المسارات دون تنظيم محكم، إضافة إلى ضعف اللوحات الإرشادية والتحذيرية، كلها عوامل تتراكم لتصنع طريقًا محفوفًا بالمخاطر. ويزيد الأمر سوءًا سرعة وتهور بعض سائقي الشاحنات الثقيلة التابعة للشركات المنفذة للمشروع، وشركات أخرى في مشهد يشعر معه مستخدمو الطريق باستهتار صريح بالأرواح، وكأنَّ سلامة الإنسان باتت تفصيلًا هامشيًا في معادلة الإنجاز.
وما يجعل هذا الوضع أكثر خطورة وإيلامًا، أن هذا الطريق يرتاده يوميًا مئات الطلبة، المتجهين إلى أكثر من ثلاث مدارس، في فترتي الصباح والمساء. أطفالٌ وناشئة يعبرون في حافلات هذا الطريق وسط فوضى الشاحنات وضيق المسارات وغياب التنظيم، في مشهد كفيل بأن يزرع القلق في قلوب أولياء أمورهم، الذين باتوا يودّعون أبناءهم كل صباح على أمل أن يعودوا سالمين، لا ضحايا لإهمال يمكن تداركه.
وليس غريبًا، والحال كذلك، أن تضج وسائل التواصل الاجتماعي بمطالبات الأهالي ومرتادي الطريق، أصواتٌ خرجت من رحم المعاناة، لا بحثًا عن التصعيد، بل حرصًا على الأرواح، ومطالبةً بحقٍ أصيل في طريق آمن. مطالبات واضحة، تبدأ بتشديد الرقابة على حركة الشاحنات الثقيلة، وتطبيق أعلى معايير الأمن والسلامة المرورية أثناء تنفيذ المشروع، مرورًا بضرورة الحضور الكثيف لدوريات المرور، خاصة في أوقات ذهاب الطلبة إلى مدارسهم وعودتهم منها، وتنظيم حركة السير بما يضمن سلامتهم، ولا تنتهي عند صيانة وتشغيل خطوط الإنارة على امتداد الطريق، لما لها من دور حاسم في الحد من الحوادث، خاصة في ساعات الليل.
إن التنمية الحقيقية لا تُقاس بسرعة الإنجاز وحدها؛ بل بمدى حفاظها على الإنسان، وبقدرتها على تحقيق التوازن بين العمل والسلامة. وطريق ريسوت- المغسيل اليوم لا يطلب المستحيل، بل يطالب فقط بأن يكون مشروع الازدواجية جسرًا للأمان لا طريقًا للخطر، وأن يشعر المواطن بأن حياته وسلامة أبنائه في صميم الأولويات.
فهل تجد هذه الأصوات آذانًا صاغية؟ وهل يتحول هذا الطريق، كما حلم به أهالي المنطقة، من مصدر قلق يومي إلى عنوانٍ للفخر والاطمئنان؟
ذلك أمل مشروع، ومسؤولية لا تحتمل التأجيل.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
باحثون: قضاء 15 دقيقة يوميًا في الطبيعة قد يحسن الصحة النفسية
في وقت أصبحت فيه ضغوط الحياة اليومية جزءًا من الروتين المعتاد للكثيرين، تتزايد الأبحاث التي تبحث عن وسائل بسيطة لتحسين الصحة النفسية وتقليل التوتر وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة أن قضاء 15 دقيقة فقط يوميًا في أحضان الطبيعة قد يترك تأثيرًا إيجابيًا ملحوظًا على الحالة المزاجية والصحة العقلية.
وبحسب الباحثين، فإن التواجد في الأماكن الطبيعية مثل الحدائق العامة أو المناطق الخضراء أو حتى الجلوس في مكان مفتوح تحيط به الأشجار، يساعد على تقليل مستويات التوتر والضغط النفسي، ويرجع ذلك إلى أن الطبيعة تمنح الدماغ فرصة للابتعاد عن المؤثرات المستمرة التي يواجهها الإنسان يوميًا، مثل ضوضاء المدن والشاشات الإلكترونية والتنبيهات المتكررة.
وأوضحت الدراسة أن المشاركين الذين أمضوا وقتًا يوميًا في أماكن طبيعية سجلوا مستويات أقل من القلق مقارنة بأشخاص قضوا الوقت نفسه في بيئات حضرية مزدحمة كما لاحظ الباحثون تحسنًا في القدرة على التركيز والشعور بالراحة النفسية بعد فترات قصيرة نسبيًا من التواجد في المساحات الخضراء.
ويرى خبراء الصحة النفسية أن النظر إلى الأشجار أو سماع أصوات الطيور أو مجرد المشي وسط الطبيعة قد يساعد على خفض مستويات هرمون الكورتيزول، المعروف بهرمون التوتر، كما أن التعرض للضوء الطبيعي والهواء النقي قد يساهم في تحسين المزاج وزيادة الشعور بالنشاط.
ولا يشترط للحصول على هذه الفوائد القيام برحلات طويلة أو زيارة أماكن بعيدة، إذ يمكن الاستفادة من التأثير الإيجابي للطبيعة من خلال المشي في حديقة قريبة أو الجلوس لبضع دقائق في مكان مفتوح خلال فترات الراحة اليومية.
ويؤكد الباحثون أن قضاء الوقت في الطبيعة لا يُعد علاجًا للأمراض النفسية، لكنه قد يكون جزءًا داعمًا من نمط حياة صحي يساهم في تحسين التوازن النفسي والحد من الضغوط اليومية.
وفي النهاية، تشير النتائج إلى أن تخصيص 15 دقيقة فقط يوميًا للتواصل مع الطبيعة قد يكون من أبسط العادات التي تمنح العقل فرصة للهدوء واستعادة التوازن وسط إيقاع الحياة السريع.