الموسيقى في حياة الإنسان
تاريخ النشر: 3rd, February 2026 GMT
آية السيابية
اللغة الأولى للإنسان هي الموسيقى؛ فمنذ البدء، وقبل أن يتعلم الإنسان استخدام صوته في اللغة والتفاعل الحُر بعواطفه، كانت الموسيقى هي أول ما تلتقطه أذناه.. أصوات كثيرة تتناوله، جميعها تمثل أوتارَ الوجود باختلاف صيغتها؛ فيسمع الطفل صوت الحياة وهمهمة الناس حوله، ثم تتجلى له الموسيقى، في تهويدة ناعمة.
تُشير الدراسات على الأطفال الرُضَّع إلى أنَّ الموسيقى تُعزز الانتقال بين مراحل النوم وتزيد من مدة النوم المتواصل في بعض الحالات، وتزداد إمكانية النطق مع تعرض منتظم للموسيقى والإيقاع؛ ما يثبت تأثيرها الكبير على الطفل. كما ظهرت أبحاث ودراسات ومقالات عدة، تتناول تأثير الموسيقى في التخفيف من القلق والاكتئاب وتحسين المزاج، ودورها في تشكيل الهوية الجماعية، التفاعل الاجتماعي، والسياسة الثقافية، لما لها من تأثير في توحيد وانتماء السلوك الجماهيري الجمعي، مثل ترديد الأغاني الوطنية والأناشيد الثورية وغيرها. وهنا أذكرُ الملحمة الشعبية الروسية الشهيرة "پوليوشكا پوليي"، التي ألفها الملحن الروسي ليف كنيبر في عام 1934.
استُعمِلَتْ هذه الأغنية خلال الحرب العالمية الثانية تحت عنوان "فرسان مارس الحُمر"، وأصبحت بعدها مشهورة عن طريق إعادة نسخها إلى موسيقى الروك وموسيقى البوب وغيرها. كما استُخدم لحنها في أفلام عديدة مثل فيلم "الروس قادمون". ونجد أيضًا الموسيقى تتجلى في التصوُّف كأداة للوصول إلى حالة نشوة روحية تظهر في التماهي مع النغم لإسكان النفس. وهذه الحالة، يُطلِق عليها المتصوفة بكاء الروح. وقد جاء في الفلسفة الروحانية، أن الموسيقى أداة للعبور من الشكل إلى الجوهر؛ ذلك أنها قادرة على تنشيط تأمل العقل.
لذا من قال إن الموسيقى ترف، فقد جهل؛ لأنها قوة تنبِّه الحواس، وتعيد تشكيل القوالب النفسية لدى الفرد منذ المهد. الموسيقى هي اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة، ولا إلى فكر علمي متسع، ولا تحتاج إلى وسيط؛ فهي نغمٌ يقرأه القروي في أقاصي الأرض كما يقرأها الحداثوي الذي يسكن ناطحات السحاب؛ لأنها تفتح مجالًا للشعور والتعبير العاطفي، ويتعلم المرء من خلالها التمييز بين مشاعر الفرح والحزن والخوف. إنها تحفّز مناطق متعددة في الدماغ، وتؤثر في المزاج والانتباه والتعلم، وهي تقف أمامنا كلغة بديلة لفهم المشاعر والتواصل غير اللفظي. وقد جاء في أبحاث علم الأعصاب، أن الموسيقى تجعل الدماغ يعمل كشبكة مترابطة؛ حيث تتحسن الوظائف التنفيذية وتخزّن الذاكرة وتُنشّط التعلّم عند التعرض المنتظم للموسيقى.
ويحدث أن تشعر بذاتك في مقطوعة ما؛ فتجد نفسك في تعرية ذاتية أمام سكونها أو تصاعدها؛ لأن الإنسان كائن موسيقي بامتياز. كيف لا، ونحن نستلذ بصوت الماء، وصوت المطر، وصوت الليل، وحفيف الشجر، وغناء العصافير. كما نمارس سماع الأصوات البيئية حولنا كل يوم.
يَسكُنُنَا هذا الإيقاع الكوني الذي يتناغم مع دوران الأرض وحركة الأفلاك. قد يكون سرُّ هيمنة هذه الأوتار على نفوسنا، أن اللحن لا يمثُل أمامنا بشكل مرئي تمامًا، لكننا نشعر به مُنسابًا بلطفٍ في عروقنا.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
حرية النباح!
عندما يوجد انقسام مجتمعي، حول ظاهرة ما، أو قضية بعينها، ثم تتحول إلى ساحة جدلية للمزايدة الأخلاقية، فإن جوهر الحكمة يتجسد في مقولة «أرسطو»: «الفضيلة هي الوسط بين طرفين، من الإفراط والتفريط».
خلال الفترة الأخيرة، جسَّدت قضية تزايد انتشار كلاب الشوارع، نموذجًا صارخًا لهذا الانقسام، كإحدى أكثر الظواهر إثارة للجدل، بين مَن يدعو للتعامل معها بعاطفة مطلقة، ويتجاهل مخاطرها على الإنسان، ومَن يطالب بحلول قاسية لا تُراعي الجوانب الأخلاقية، فيما يغيب صوت العقل الباحث عن التوازن.
لذلك، عندما يشتكي أحد من خطورة الكلاب، مطالبًا بالحد من انتشارها، يجد نفسه متهمًا بالقسوة وانعدام الرحمة وكراهية الحيوانات، أما إذا تحدث آخر عن طفل فَقَدَ حياته، أو سيدة تعرضت لإصابة، أو كبار سنٍ يخشون السير ليلًا بالشوارع، فيتم اعتبار تلك الوقائع هامشية، أمام خطابات عاطفية غير مبرَّرَة!
اللافت أن بعض «النشطاء» يتعاملون مع حقوق الكلاب بحماسة، قد لا نجد مثلها في الدفاع عن حقوق البشر أنفسهم، بينما تتسع صدورهم لنقاشات تتعلق بالحيوانات، ويضيقون بأي رأي مخالف، لتتحول الممارسات إلى محاكم تفتيش، تُصدر أحكامها سريعًا على كل مَن يطالب بحلول، وكأن الرحمة أصبحت حقًا حصريًا للكلاب، أما الإنسان فعليه أن يبرر خوفه أولًا، ثم يثبت استحقاقه للأمان بعد ذلك!
بكل أسف، إن وضع الإنسان في مقارنة مع الحيوان، يمثل معادلة زائفة ومغلوطة، فالمجتمعات «المتحضرة» لم تحل المشكلة عبر القتل العشوائي، ولم تترك الشوارع أيضًا تحت رحمة التكاثر غير المنضبط!
لذلك، نتصور أن المعالجة الحقيقية لا تحتاج مزيدًا من النباح، ولا افتعال معارك افتراضية تُدار بالتخوين أو تبادل الاتهامات، بل قدرًا من العقلانية والمسؤولية، والإقرار بأن الرحمة لا تتجزأ، وحياة الإنسان ليست أقل قيمة من حياة الحيوان.
إذن، يجب إيجاد حلول واقعية، تحمي الإنسان من الخطر، وتحفظ للحيوان حقه، دون أن يتحول أحدهما إلى ضحية للآخر، من خلال برامج واسعة للتعقيم والتطعيم، ومراكز إيواء مؤهَلة، وتشريعات صارمة تمنع التخلي عن الحيوانات المنزلية بالشوارع، والتخلص أولًا بأول من القمامة المنتشرة، ثم التدخل السريع في المناطق التي تشهد خطورة فعلية على السكان.
أخيرًا.. تبقى القضية اختبارًا لقدرتنا على تحقيق التوازن بين العاطفة والعقل، حتى لا تتحول الشوارع إلى مأوى مفتوح للكلاب على حساب أمن الناس، كما لا يكون الحل في القسوة والتخلص غير الإنساني منها، ليبقى المعيار الأهم هو الحكمة في التعامل، فالمجتمعات لا تُقاس بكيفية تعاملها مع الحيوانات فقط، بل بكيفية حمايتها للبشر أيضًا.
فصل الخطاب:
يُحكى أنه في إحدى الدول «البعيدة»، قامت مجموعة من «البشر» بقتل «حيوان»، بطريقة همجية، ليلتفَّ الجميع على قلب رجل واحد، رافضين بشاعة المشهد الذي أدمى القلوب.. وفي الدولة نفسها، قامت مجموعة من «الحيوانات» بقتل «إنسان»، بالطريقة ذاتها، في مشهد يندى له جبين «الإنسانية»، ولم يكن التأثر باديًا على البعض، لأن «المغدور» به لم يكن من فصيلة «الحيوانات»!
[email protected]