هل نُدير العمل أم البشر؟
تاريخ النشر: 10th, February 2026 GMT
خالد بن حمد الرواحي
في كثيرٍ من المؤسسات، تُدار الأعمال بكفاءةٍ لافتة: إجراءات واضحة، أنظمة دقيقة، مؤشرات أداء، تقارير، ومواعيد لا تتأخر. من الخارج، تبدو الصورة متماسكة ومطمئنة. لكن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح بجدية هو: هل نُدير العمل فقط… أم البشر الذين يقومون به؟
فبين لوحة المؤشرات وبين الإنسان الذي يقف خلفها مسافةٌ نفسية لا تُقاس، لكنها تُحَسّ.
إدارة العمل تعني أن نضبط الزمن، ونُحكم الإجراءات، ونقلّل الهدر، ونرفع الكفاءة. أمّا إدارة البشر، فتعني أن نفهم ما الذي يجعل الإنسان يريد أن يُحسن الأداء، لا أن يُنجزه فقط. الأولى تُدار بالأدوات، والثانية تُدار بالوعي؛ وتُقاس الأولى بالأرقام، بينما تُقاس الثانية بالأثر الذي تتركه في النفوس قبل النتائج.
وحين تختلط المفاهيم، يحدث الخلل. نعتقد أن إتقان النظام يكفي للقيادة، وأن ضبط الإجراءات يضمن الالتزام، وأن كثرة التقارير تعني فهم الواقع. لكن الواقع أوسع من ذلك بكثير؛ لأن الإنسان ليس بندًا في إجراء، ولا رقمًا في لوحة قياس، ولا خانةً في نموذج، بل كائنٌ يتأثر بالعدل، والاحترام، والمعنى، وطريقة المعاملة… أكثر مما يتأثر بالتعليمات ذاتها.
تميل المؤسسات، بطبيعتها، إلى ما يمكن ضبطه وقياسه والتحكم فيه. فالزمن يُقاس، والإجراءات تُكتب، والأرقام تُقارن، والأداء يُرصد. أمّا المشاعر، والدوافع، والإحباطات، والتوقعات، فلا تظهر في تقرير، ولا تُرفع في لوحة مؤشرات، ولا تُناقش عادة في اجتماعات الأداء. ولهذا، يسهل أن نهتم بما يظهر، ونهمل ما لا يُرى — رغم أن ما لا يُرى غالبًا هو ما يُحرّك الصورة كلها.
يكفي أن نتأمل الفرق بين موظفٍ ينجز لأنه مطالب، وآخر ينجز لأنه مقتنع… لندرك اتساع المسافة بين الحالتين.
ومع الوقت، تتكوّن ثقافة مؤسسية غير مقصودة ترى الإنسان من حيث وظيفته، لا من حيث إنسانيته؛ تسأل «ماذا يفعل؟» ولا تسأل «كيف يشعر وهو يفعل؟». وهنا تبدأ الفجوة: نُدير العمل بصرامة، ونترك البشر يتكيّفون بصمت، ثم نتفاجأ حين يتكيّفون أقل مما نحتاج، أو ينسحبون أكثر مما نتوقع.
حين تُدار الأعمال دون أن يُدار البشر معها، لا ينهار النظام… بل يستمر. لكنه يستمر على حساب أشياء أخرى: الحماس، والمبادرة، والجرأة على الاقتراح، والقدرة على النقد البنّاء. ويتحوّل العمل تدريجيًا من مساحة مساهمة إلى مساحة امتثال، ومن ساحة إبداع إلى ساحة تجنّب للأخطاء، ومن رسالة يشعر الإنسان أنه جزء منها إلى مهمة يؤديها بأقل كلفة نفسية ممكنة.
في هذه اللحظة، لا تظهر الأزمة في المؤشرات المباشرة، بل في التفاصيل الصغيرة: الصمت الطويل في الاجتماعات، وتكرار الأخطاء ذاتها، وغياب الأسئلة الجريئة، وتحول الموظف المجتهد إلى موظف «كافٍ» — لا سيئ ولا متميز. هنا تبدأ المؤسسات في خسارة شيء لا يُسجَّل في الميزانيات، لكنه يُحدِّد مستقبلها: طاقة الناس.
والمفارقة أن هذه الحالة لا تبقى حبيسة الجدران الداخلية، بل تتسرّب إلى جودة الخدمة، وسلوك القرار، ومرونة المؤسسة في مواجهة التغيير. فإذا تراجع الإحساس بالانتماء، تراجعت معه الرغبة في التحسين، وإذا غاب المعنى، غاب معه الاستعداد لبذل الجهد الإضافي عند الحاجة. لا لأن الناس سيئون، بل لأنهم بشر؛ يعملون أفضل حين يشعرون أن لهم مكانًا، لا مجرد وظيفة، وصوتًا، لا مجرد مهمة، وأثرًا، لا مجرد رقم.
لا تحتاج المؤسسات، غالبًا، إلى أن تُغيّر كل أنظمتها، ولا أن تُعيد بناء هياكلها من الصفر، ولا أن تُدخل ثورات إدارية جديدة كل عام؛ بل تحتاج فقط أن تُعيد النظر في سؤال بسيط: ماذا نُدير فعلًا؟
فإدارة العمل ضرورة، لكن إدارة البشر حكمة: الأولى تحفظ النظام وتضمن استمراره، والثانية تحفظ روحه وتضمن حيويته. والمؤسسات التي تنجح على المدى الطويل ليست تلك التي تُتقن الضبط فقط، بل تلك التي تُتقن الفهم؛ تفهم أن الإنسان ليس عقبة أمام الكفاءة، بل شرطها الحقيقي، وأن أفضل استثمار يمكن أن تقوم به أي جهة ليس في نظامٍ جديد… بل في وعيٍ جديد بطريقة إدارة من يعملون داخل هذا النظام.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
«كونكت بي إس» تستعرض حلول الأمن السيبراني في «CAISEC 2026»
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
أعلنت شركة «كونكت بي إس»، المتخصصة في حلول تكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمي والأمن السيبراني، مشاركتها راعياً ذهبياً في فعاليات مؤتمر ومعرض الأمن السيبراني وأمن المعلومات «CAISEC 2026»، الذي يُعقد يومي 8 و9 يونيو الجاري بالقاهرة تحت شعار «حماية المستقبل: تأمين المجهول».
دعم التحول الرقمي وتعزيز الأمن السيبرانيتأتي مشاركة الشركة في إطار استراتيجيتها الهادفة إلى دعم جهود التحول الرقمي وتعزيز منظومة الأمن السيبراني في الأسواق التي تعمل بها، خاصة في مصر والمملكة العربية السعودية، من خلال استعراض أحدث الحلول والتقنيات التي طورتها لمساعدة المؤسسات على مواجهة التهديدات السيبرانية المتزايدة وتعزيز جاهزيتها الرقمية.
كما تسعى الشركة إلى إبراز خبراتها العملية التي اكتسبتها عبر تنفيذ عدد من المشروعات الكبرى في مجالات الأمن السيبراني والبنية التحتية الرقمية، بما يسهم في دعم المؤسسات الحكومية والخاصة في رحلتها نحو التحول الرقمي الآمن.
استعراض أحدث الحلول التقنيةومن المقرر أن تستعرض «كونكت بي إس» خلال مشاركتها مجموعة من أحدث حلولها التقنية في مجالات البنية التحتية الذكية، وأمن المعلومات، وإدارة الشبكات، إلى جانب استعراض رؤيتها المستقبلية حول كيفية توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في بناء بيئات رقمية أكثر أماناً واستدامة.
وأكدت الشركة أن رعايتها الذهبية للمؤتمر، بالإضافة إلى رعايتها الرسمية لحفل العشاء السنوي، تعكس التزامها المتواصل بدعم الابتكار التقني وتطوير منظومة الأمن السيبراني في السوق المصري والمنطقة.
تعزيز الشراكات ومشاركة الخبراتوقالت نادية خليفة، رئيس قطاع التسويق وعلاقات الشركاء بشركة «كونكت بي إس»، إن المشاركة في «CAISEC 2026» تمثل فرصة مهمة للتواصل مع قادة الصناعة وخبراء الأمن السيبراني وصناع القرار، واستعراض رؤية الشركة لمستقبل الأمن الرقمي.
وأضافت أن الشركة تستهدف من خلال مشاركتها في الجلسات الحوارية وورش العمل المتخصصة نقل خبراتها المتراكمة من خلال المشروعات التي نفذتها داخل مصر وخارجها، ومناقشة أفضل الممارسات المتعلقة بأمن المعلومات والتحول الرقمي الآمن.
وأوضحت أن التطورات المتسارعة في التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي تفرض على المؤسسات تبني استراتيجيات أكثر تطوراً ومرونة لمواجهة التحديات المستقبلية، وهو ما تسعى الشركة إلى دعمه عبر حلولها وخبراتها المتخصصة.
مشاركة إقليمية ودولية واسعةومن المتوقع أن يشهد مؤتمر ومعرض «CAISEC 2026» مشاركة واسعة من الجهات الحكومية والمؤسسات الإقليمية والدولية والشركات العالمية العاملة في مجالات الأمن السيبراني والتحول الرقمي، إلى جانب أكثر من 180 متحدثاً وخبيراً ومتخصصاً.
ويجمع الحدث نخبة من مسؤولي الأمن السيبراني وصناع القرار وقادة التكنولوجيا وممثلي المؤسسات المالية وشركات الاتصالات ومزودي الحلول التقنية، بهدف تعزيز التعاون الإقليمي وتبادل الخبرات ومناقشة أحدث التهديدات السيبرانية والاتجاهات العالمية في مجال حماية البنية التحتية الرقمية.
كما يتضمن المؤتمر برنامجاً متكاملاً يضم جلسات نقاشية رفيعة المستوى، وطاولات مستديرة متخصصة، وعروضاً تقديمية، وورش عمل تقنية تستعرض أحدث الابتكارات والتوجهات في مجال الأمن السيبراني.