البحر الأحمر في خضم التعرفة الجمركية: كيف يوظف ترامب ضعف الاتحاد الأوروبي لمواجهة الحوثيين؟
تاريخ النشر: 22nd, July 2025 GMT
شهد البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023 تصعيدًا غير مسبوق في الهجمات البحرية التي تنفذها جماعة الحوثي، باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ دقيقة وألغام بحرية وزوارق مفخخة. وقد أسفرت هذه الهجمات عن إغراق سفن تجارية وانسحاب كبرى شركات الملاحة من المسار البحري عبر مضيق باب المندب، مما تسبب في تهديد حقيقي للأمن البحري العالمي.
أمام هذا التصعيد، أعلنت أوروبا في فبراير 2024 عن إطلاق "مهمة أسبيدس" بقيادة فرنسية، لحماية خطوط الملاحة في البحر الأحمر. لكن المهمة اتسمت بضعف الإمكانيات وعجز واضح عن تغطية المسار الممتد من خليج عدن إلى قناة السويس. ومع مرور الوقت، ظهر فشل المهمة في تحقيق الردع، خاصة بعد أن تمكن الحوثيون من إغراق السفينة "TUTOR" في 12 يونيو 2024، وتبعها إغراق سفينة "RUBYMAR"، في هجمات شكلت نقطة تحول في مسار الصراع البحري (رويترز، يونيو 2024).
وبينما كانت أوروبا عاجزة عن الرد، أعلنت الولايات المتحدة في ديسمبر 2023 عن تشكيل تحالف بحري جديد باسم "حارس الازدهار" بمشاركة أكثر من 20 دولة، لحماية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن. لكن هذا التحالف ركز على الحماية الدفاعية دون مهاجمة مصادر الخطر الحوثية، ولم يسجل نجاحات نوعية، ما جعله أقرب إلى مظلة مراقبة منه إلى تحالف فاعل (القيادة المركزية الأمريكية، مايو 2024).
وفي هذا السياق، دخل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب على الخط، مستغلًا تصاعد التهديدات البحرية في البحر الأحمر ضمن أجندته الانتخابية. ففي خطاب في يونيو 2024، صرّح ترامب بأنه لو كان في الحكم لردّ بقوة على الحوثيين، وأنه سيستخدم أزمة الملاحة كورقة ضغط على الصين في ملف التعرفات الجمركية، خاصة أن إغلاق البحر الأحمر يعيق وصول البضائع الصينية إلى أوروبا عبر قناة السويس (بلومبيرغ، يونيو 2024).
وفيما تستعرض القوى الكبرى حضورها في البحر الأحمر، تواصل إيران تعزيز الحوثيين بالسلاح والتقنيات العسكرية. ففي مايو 2024، أعلنت قوات المقاومة الوطنية بقيادة العميد طارق محمد عبدالله صالح، نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، عن ضبط شحنة أسلحة متطورة كانت في طريقها إلى الحوثيين عبر سواحل الحديدة، شملت أجهزة اتصال عسكرية وأنظمة توجيه للطائرات المسيّرة والصواريخ. تؤكد هذه العملية استمرار التهديد الحوثي المدعوم إيرانيًا عبر خطوط تهريب بحرية نشطة (الإعلام العسكري، مايو 2024).
وبالنظر إلى تجارب الماضي، تكشف المقارنة بين الوضع الحالي وأزمة القرصنة الصومالية في خليج عدن بين 2008 و2013 عن مفارقة مؤلمة. حينها، نجحت عمليات دولية منسقة مثل "أتلانتا" الأوروبية وعمليات الناتو في تقويض القراصنة الصوماليين عبر تدخلات مباشرة واستخدام المراقبة الجوية والرد السريع. أما اليوم، فرغم أن الحوثيين يمتلكون قدرات أكبر ودعمًا خارجيًا، يبدو الرد الدولي أضعف وأقل فاعلية (مجلس الأمن، 2013).
نتيجة لذلك، أعلنت شركات مثل "Maersk" و"MSC" عن تحويل مساراتها من البحر الأحمر إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وهو مسار أطول وأكثر كلفة. تسبب ذلك في زيادة كلفة النقل البحري بنسبة تصل إلى 30%، ما انعكس على أسعار الوقود والبضائع في الأسواق العالمية (Lloyd’s List، يونيو 2024).
في ظل هذا المشهد، يبقى البحر الأحمر منطقة استراتيجية مفتوحة على مزيد من التصعيد ما لم يُعاد تشكيل تحالف بحري قوي، لا يكتفي بالمراقبة، بل يتجه إلى فرض قواعد اشتباك واضحة، وتفكيك منصات الهجوم الحوثية على الشواطئ اليمنية.
وخلال فترة قصيرة أغرق الحوثيين سفينتين تجاريتين هما ماجيك سيز و انتيرنيتي سي وفقدان وقتل بعض افراد طاقم الأخيرة، رغم توقف القصف الأمريكي على مليشيات الحوثي بوساطة سلطنة عمان.
وكان ضبط شحنة الأسلحة الأخيرة من قبل القوات الوطنية بقيادة العميد طارق صالح يعكس وجود قدرات يمنية ميدانية واعدة، لكنها بحاجة إلى دعم سياسي وعسكري واستخباراتي دولي، في مواجهة تهديد يتجاوز اليمن والمنطقة إلى الأمن البحري العالمي واستمرارً لنهج الحرس الثوري الإيراني بإرسال كميات
ضخمة من الأسلحة والمعدات العسكرية المتطورة لجماعة الحوثي المصنفة كجماعة إرهابيةأجنبية من قبل الكثير و على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية و مجلس الدفاع الوطني الاعلى للجمهوريه اليمنية.
الخلاصة أن ضعف الرد الأوروبي، تردد الموقف الأميركي، وغياب التحرك العربي الجماعي، منح الحوثيين وإيران فرصة لإعادة رسم المشهد الاستراتيجي في البحر الأحمر، وتحويله من ممر تجاري إلى ساحة اختبار لأدوات الردع الإقليمي والدولي.
---
المصدر
المصدر: مأرب برس
إقرأ أيضاً:
مضيق باب المندب الاستراتيجي في مرمى الحوثيين
صراحة نيوز – يقع مضيق باب المندب في أقصى جنوب البحر الأحمر ويربط الأخير بخليج عدن في المحيط الهندي، ويعد أحد الممرات البحرية الأكثر استخداما في العالم، إذ يربط خصوصا أوروبا بآسيا.
وبسبب قربه من السواحل اليمنية الخاضعة جزئيا لسيطرة الحوثيين، فإن المضيق معرض بشكل خاص للهجمات التي ينفذها الحوثيون.
وازدادت أهمية باب المندب منذ إغلاق مضيق هرمز، لكن الحوثيين استهدفوا ناقلتي نفط في البحر الأحمر بصواريخ وطائرات مسيّرة، في خطوة تنطوي على تهديد للملاحة عبر المضيق.
ويفصل هذا المضيق اليمن الواقع في شبه الجزيرة العربية عن جيبوتي وإريتريا في القارة الإفريقية.
ويبلغ طوله نحو مئة كيلومتر، وعرضه نحو ثلاثين كيلومترا ويقع بين رأس منهلي على الساحل اليمني ورأس سيّان في جيبوتي. ويشكّل هذان الرأسان الحد الفاصل بين البحر الأحمر وخليج عدن.
وتفصل جزيرة ميون اليمنية المضيق إلى ممرين بحريين.
ناقلات النفط
تمر ناقلات النفط والسفن التجارية الآتية من آسيا عبر هذا المضيق للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس وصولا إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك بالاتجاه المعاكس.
ومنذ بداية حرب إيران عمدت السعودية إلى تصدير كميات متزايدة من النفط الخام عبر ميناء ينبع المطل على البحر الأحمر، في مسار بديل من مضيق هرمز الذي تغلقه إيران.
وباتت كميات النفط المصدَّرة عبر هذا الميناء تمثّل 75% من إجمالي صادرات النفط السعودية في الظروف العادية، مقابل 15 إلى 20% قبل الحرب، وفق جون إيفانز، الخبير لدى “بي في إم”، شركة الوساطة والاستشارات المتخصصة في أسواق النفط والطاقة.
وإذا بات متعذرا على السفن عبور مضيق باب المندب، يصبح الالتفاف حول إفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح الطريق البديل الوحيد للوصول إلى آسيا.
ويشير إيفانز إلى أن “الرحلة بين ينبع والصين تستغرق أكثر بقليل من 20 يوما” عند العبور قبالة السواحل اليمنية، أما التوجّه صعودا لعبور السويس ثم الالتفاف حول إفريقيا فيستغرق “أكثر من 50 يوما”.
هجمات الحوثيين
في العام 2024، نفّذ الحوثيون عشرات الهجمات على سفن تجارية قالوا إنها على صلة بإسرائيل في البحر الأحمر وخليج عدن انطلاقا من المناطق الخاضعة لسيطرتهم في اليمن.
وأدى ذلك إلى اضطرابات طويلة الأمد في حركة الملاحة بالمنطقة.
ولم تعد حركة الملاحة في البحر الأحمر إلى مستويات العام 2023، إلا أن الشركات البحرية الكبرى “بدأت منذ كانون الثاني 2025 تجسّ النبض وتسيّر بعض السفن”، وفق ما أوضحت المحلّلة في “لويدز ليست إنتليجنس” بريدجيت دياكون في مؤتمر عبر الفيديو الخميس.
وكان إغلاق مضيق هرمز قد أدى خصوصا إلى زيادة حركة ناقلات النفط المارة عبر باب المندب، لكن المحلّلة تتوقع أن “يتغيّر ذلك” بسبب الهجوم.
وكان ريكو لومان، الخبير الاقتصادي المتخصص في النقل لدى “أي إن جي ريسرتش” قد أشار في آذار إلى أن “الحوثيين نجحوا سابقا في السيطرة على المضيق انطلاقا من الساحل، وبإمكانات محدودة”.