بوابة الوفد:
2026-06-03@02:24:08 GMT

عودة «مدارس المشاغبين»

تاريخ النشر: 21st, October 2025 GMT

جيل بلا أخلاق.. ضحايا إهمال البيت والمدرسة والسوشيال ميديا وأفلام العنف
 

خبراء.. تعدى الطلاب على معلميهم أزمة قيم وتربية قبل أن تكون أزمة تعليم
 

عالم أزهرى: الاعتداء على المعلم جريمة وإثم عظيم
 

الدروس الخصوصية أضعفت هيبة المعلم.. وتفعيل دور الأخصائى الاجتماعى ضرورة حتمية
 

داخل أسوار المدرسة، التى كان يُفترض أن تكون منارة للعلم والتربية، تتبدل الأدوار وتختلط القيم، فقد غابت صورة المعلم الذى يقف شامخًا أمام طلابه ليغرس فيهم المعرفة والأخلاق، وأصبحنا أمام وقائع صادمة تقتحم الوجدان، طالب يرفع يده على معلمه، وآخر يوجه له السباب، وثالث يعتدى عليه بالضرب.

. فى مشهد يهز أركان المنظومة التعليمية بأكملها.
وبعد أن كانت حوادث العنف فى المدارس خلال الفترة الماضية موجهة نحو التلاميذ وبعضهم البعض، إلا أنها اتخذت منحنى جديدًا فى هذه المرة، حيث أصبحت موجهة من الطلاب إلى معلميهم وهو ما يوجب ضرورة مواجهتها فورًا قبل أن تتحول إلى كارثة تضرب العملية التعليمية فى مقتل 
وخلال الأسابيع المنصرمة من عمر العام الدراسى الجديد شهدت محافظة القليوبية واقعة خطيرة ارتكبها طالب يدعى إسلام بإحدى مدارس القناطر الخيرية بالقليوبية، حينما تعدى على معلمه أثناء الحصة وقام بتمزيق ملابسه أمام المدرسين والطلاب، وأمام مديرة المدرسة أيضًا، ثم جاء بعض أفراد أسرة الطالب بعد ذلك واقتحموا المدرسة واعتدوا لفظيًا على مديرة المدرسة ووكيلها بالسب. 
وعلى الفور أمر الوزير محمد عبداللطيف بتشكيل لجنة تحقيق فى الواقعة، والتى قررت فصل الطالب لمدة عام دراسى كامل، وتمت إحالة ولى أمره وأفراد أسرته إلى النيابة العامة بتهم اقتحام المدرسة والاعتداء على وكيلة ومديرة المدرسة بالسب والقذف.
هذه الواقعة لم تكن الأولى من نوعها ففى العام الماضى وأثناء امتحانات الثانوية العامة تعدت إحدى أولياء الأمور على معلمة كانت تقوم بدور المراقبة على لجنة نجلها لأنها لم تسمح للطالبات بالغش، فى مشهد يتكرر فى كل عام تقريبًا ما يؤكد انهيار هيبة المعلم أمام الطلاب وأولياء أمورهم. 
والخطير أن هذه الحوادث لم تعد مجرد استثناءات فردية، بل باتت مؤشرًا خطيرًا فى علاقة الطالب بمعلمه، وفى صورة المدرسة نفسها كحاضنة للقيم والتربية قبل التعليم.

انهيار منظومة التربية
وإذا تأملنا فى جذور هذه الظاهرة سوف نجد أن انعدام الوازع الدينى وغياب التربية الأخلاقية هما السبب الأعمق فيما وصلنا إليه، فحين يُربى الطفل منذ نعومة أظافره على احترام الكبير، ويُغرس فى قلبه أن المعلم بمنزلة الأب وأن طاعته واجبة، يستحيل أن تمتد يده يومًا إليه بسوء، لكن حين تغيب هذه القيم من البيت والمدرسة، ويُترك الأبناء نهبًا لشاشات العنف وإعلام السخرية، تتلاشى خطوط الاحترام لدى الغالبية ويتحول المعلم من قدوة  إلى مجرد موظف يمكن التعدى عليه بلا رادع.
وتتحمل الأسرة العبء الأكبر فى تربية الأبناء على الدين والأخلاق، ويأتى دور المُعلم مباشرة بعدها فى المسئولية، فالمعلم ليس ناقلًا للمعلومات فقط، بل هو شريك أساسى فى بناء شخصية الطالب، وأى خلل فى هذا الدور ينعكس مباشرة على المجتمع، وللأسف فإن بعض المعلمين أسهموا فى تآكل هيبتهم بأيديهم، منهم من أهمل رسالته التربوية وركز فقط على الدروس الخصوصية، ومنهم من أساء بخلقه وتصرفاته أمام طلابه، ففقد احترامهم، ومنهم أيضًا من يعانى من اضطرابات نفسية جعلت تأثيره سلبيًا على الأجيال التى يدرّس لها، فالمعلم يبنى العقول لكن هؤلاء نماذج تُخرّج طلابًا غير أسوياء، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
ولا يمكن أيضًا إغفال دور المدرسة نفسها فى هذه المنظومة، فالإدارة هى الجهة المسئولة عن فرض الانضباط ومتابعة سلوك الطلاب والمعلمين معًا، ووضع لوائح واضحة للتعامل مع أى تجاوز، وعندما تُهمل الإدارة دورها فى المتابعة والرقابة، أو تتعامل بتساهل مع السلوكيات الخاطئة، فإنها تترك الباب مفتوحًا أمام الفوضى، المدير والوكيل والمشرفون ليسوا مجرد موظفين إداريين، بل هم ركيزة النظام التربوى، وغيابهم عن المشهد يضاعف المشكلة ويترك المعلم وحده فى مواجهة جيل غير مهيأ للانضباط، وظيفة المعلم والإدارة، خاصة فى المراحل الأساسية، ليست مجرد مهنة بل رسالة أخلاقية ومسئولية خطيرة، لأنها مسئولة عن تشكيل العقول وغرس القيم فى نفوس أطفال ما زالوا فى عمر التكوين، فإذا أدرك كل معلم وإدارى أن الضمير والأخلاق يجب أن تسبق العلم والإدارة، وأن دورهما يتجاوز الشرح والحفظ ليصل إلى بناء الشخصية وضبط السلوك، عندها فقط يمكن أن تتحسن المنظومة التعليمية بأكملها، فالبيت يضع البذرة الأولى والأساسية، والمدرسة بركنيها «الإدارة والمعلم» ترعاها وتوجهها، وإذا تخلى الثلاثة عن مسئولياتهم، فإن النتيجة الحتمية ستكون أجيالًا تتعامل مع العنف كأمر طبيعى وتفقد احترامها لكل قيمة.

جذور عميقة 
وقالت الدكتورة نادية جمال، استشارى الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، إن ظاهرة عنف الطلاب داخل المدارس وفقدانهم للاحترام تجاه المعلم لها جذورعميقة تبدأ من داخل الأسرة وتمتد إلى المدرسة والمجتمع ككل.
وأوضحت أن أهم الأسباب التى تدفع الطالب إلى السلوك العدوانى تتمثل فى فقدان الثقة بالنفس نتيجة تعرضه المستمر للإهانات وقلة الاحترام داخل بيته، حيث لا يُستمع لرأيه ولا يُعامل بتقدير، فينعكس ذلك على سلوكه داخل المدرسة، فيحاول لفت الأنظار بالعنف أو الصوت العالى.
وأضافت أن الطالب فى كثير من الأحيان لم يتعلم كيفية التعامل مع غضبه أو السيطرة على انفعالاته، كما يشعر أحيانًا بالتجاهل أو الظلم من معلمه، فيفتقد الإحساس بالتقدير والتميّز، هذا الشعور بالدونية مقارنة بزملائه قد يدفعه إلى التصرف بسلبية وعدوانية للفت الأنظار.
وأشارت إلى أن الحد من هذه الظاهرة يبدأ من داخل المنزل، حيث يتحمل الوالدان مسئولية تعليم الطفل قيمة احترام الآخرين وتقديرهم منذ الصغر، مع توضيح دور المعلم كقدوة فى حياة الطفل، ومتابعة سلوك الابن باستمرار داخل المدرسة والتدخل المبكر لعلاج أى انحراف أو سلوك عدوانى يظهر عليه.
وأكدت الخبيرة النفسية دور المدرسة وضرورة تفعيل دور الأخصائى الاجتماعى كما كان فى السابق، بحيث يتعامل مع الطلاب بطرق حديثة تراعى حالتهم النفسية وتدعم احتياجاتهم، كما دعت إلى زيادة الاهتمام بالأنشطة الثقافية والفنية والرياضية مثل كرة القدم والموسيقى والرسم والإذاعة المدرسية، حيث تسهم هذه الأنشطة فى تعزيز ثقة الطالب بنفسه، وتمنحه فرصًا لإبراز مواهبه والوقوف أمام زملائه بشكل مشرف، وهو ما يسهم فى تهذيب سلوكه وتقليل فرص لجوئه للعنف.
وعلى مستوى المجتمع، شددت الدكتورة نادية جمال على أهمية أن يسلا هم الإعلام فى تعزيز صورة المعلم وإبراز مكانته واحترامه، بالإضافة إلى ضرورة أن تقدم الأندية والمراكز الشبابية دورًا أكبر من مجرد النشاط الرياضى، بحيث تتضمن برامج للدعم النفسى والسلوكى، مثل الندوات والمحاضرات الموجهة لكل فئة عمرية، بهدف تقوية مهارات التواصل والتحكم فى الانفعالات وبناء الثقة بالنفس.
وأكدت أن إعادة هيبة المعلم تبدأ من شعور الطالب أن معلمه يمثل القدوة وأنه صاحب مكانة تستحق الاحترام، مشيرة إلى أن بعض المعلمين أنفسهم قد يواجهون مشكلات نفسية أو اجتماعية أو مادية تؤثر على تعاملهم مع الطلاب، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تنظيم دورات تدريبية للمعلمين لفهم أنماط الشخصيات المختلفة وكيفية التعامل معها، مع ضرورة وجود قوانين واضحة تحمى المعلم من أى ضرر قد يلحق به داخل المدرسة.
كما أوصت بضرورة أن يعمل المعلم على تطوير معارفه بشكل دائم، وأن يفصل بين حياته الشخصية ومهنته التربوية، مدركًا أن دوره لا يقتصر على التعليم فقط بل يتعداه إلى دور الأب والقدوة الذى يمنح الطالب الأمان والدعم النفسى.
وأشارت إلى أهمية تحفيز الطلاب من خلال طرح الأسئلة والمسابقات وتقديم المكافآت أو حتى كلمات التشجيع، مؤكدة أن هذا يسهم بشكل كبير فى بناء علاقة احترام متبادل.
واختتمت حديثها بالتنويه إلى أن انتشار الدروس الخصوصية غير شكل العلاقة بين المعلم والطالب، لكن يبقى من الضرورى أن يحافظ المعلم على هيبته ومكانته حتى فى هذا الإطار، لأنه إذا انكسرت هيبة المعلم أمام طلابه فقد يفقد قدرته على القيام بدوره التربوى والتعليمى على حد سواء.
ناقوس خطر
وأكدت داليا الحزاوى، مؤسس ائتلاف أولياء أمور مصر والخبيرة التربوية، أن حوادث العنف فى المدارس، على الرغم من كونها حوادث فردية فإنها تدق ناقوس الخطر وتتطلب اتخاذ إجراءات  حازمة  ضد العنف فى المدارس، والاهتمام بتفعيل لائحة الانضباط المدرسية بكل حزم بدون تهاون مع تغليظ العقوبات بها، بالإضافة إلى تفعيل الأنشطة المدرسية والرياضية لإخراج طاقات الطلاب وتعزيز القيم الأخلاقية، كما أن عودة الدور الفعال للأخصائى الاجتماعى لتعديل السلوكيات غير المنضبطة والتواصل مع الأسر لمعالجة الخلل أمر ضرورى، مشيرة إلى أهمية تركيب كاميرات فى المدارس لرصد أى تجاوزات والاهتمام بالإشراف  اليومى لضمان سلامة الطلاب فى المدرسة.  
واستكملت الحزاوى: لا بد من قيام  الأسرة بدورها فى متابعة أبنائها، حيث إن الانشغال بتوفير الجانب المادى فقط دون الاهتمام بالدور التربوى والرقابى والتوجيهى سبب فى سوء سلوكيات كثير من الأبناء.
وأشادت "الحزاوى" بالإجراءات السريعة التى اتخذتها وزارة التربية والتعليم للتعامل مع واقعة الاعتداء على معلم، مؤكدة أن هذه القرارات تعكس حرص الوزارة على صون مكانة المعلم وحماية العملية التعليمية، وهى أيضا درس وعبرة لكل طالب أو ولى أمر يفكر فى استخدام العنف فى التعامل قائلة «من أمن العقاب أساء الأدب». 
واختتمت "الحزاوى" حديثها مؤكدة ضرورة تبنى  وزارة التربية والتعليم خطة لعلاج ظاهرة العنف فى المدارس بالتعاون مع الأسرة والمؤسسات غير الحكومية والجامع والكنيسة لبناء جيل مسلح بالعلم والتربية.
إثم عظيم وجريمة
من جانبة أوضح الشيخ على المطيعى، أحد علماء الأزهر الشريف، أن الاعتداء على المعلم يُعد إثمًا عظيمًا وحرامًا شرعًا، وهو جريمة يعاقب عليها القانون فى الدنيا، ويحاسب الله مرتكبها يوم القيامة، فمكانة المعلم فى الإسلام رفيعة وعالية، ويكفى أنه بمنزلة الأب والأم، واحترامه واجب دينى وأخلاقى.
ورأى المطيعى أن ما يحدث من وقائع اعتداء على المعلمين يعكس تدهورًا فى الأخلاق والدين، وغياب الوازع الدينى لدى بعض الطلاب الذين انغمسوا فى الشهوات دون توجيه صحيح من الأسرة أو المسجد أو الكنيسة، ما يؤدى إلى مظاهر الانحلال الأخلاقى فى المجتمع من عنف ومخدرات وغيرها.
وشدد على أن غرس القيم يجب أن يبدأ من البيت أولًا؛ فإذا تربى الطفل على احترام الكبير انعكس ذلك على سلوكه مع معلميه وزملائه، ثم يأتى دور المدرسة والمناهج فى استكمال هذه التربية، خاصة أن الدين أوصى بتوقير الكبير ورحمة الصغير، وتعظيم مكانة المعلم.
وأضاف المطيعى أن الأزهر الشريف يقوم بدوره فى هذا المجال، حيث خُصصت خطبة الجمعة الأولى قبل بداية العام الدراسى للحديث عن قيمة العلم وغرس الأخلاق والاحترام فى نفوس الطلاب، وأكد ضرورة وجود قدوة حسنة داخل المجتمع، وأن تبدأ حملات التوعية من الأسرة، مرورًا بالمسجد والكنيسة، ثم المدرسة.
وأشار إلى أن استعادة هيبة المعلم لا يمكن أن تتحقق إلا بعودة الثقافة الدينية الصحيحة إلى الأسرة، إلى جانب التزام المعلم بدوره التربوى والتعليمى. 
وانتقد ظاهرة الدروس الخصوصية التى أضعفت مكانة المعلم، وجعلت بعض الطلاب يتعاملون معه كـ«مقدم خدمة» أو ندّ، وهو ما أفقد العلاقة التربوية احترامها وأثر سلبًا على صورة المعلم ودوره الأساسى فى التربية والتعليم.
 

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: معلمة طالب والوزارة السوشيال ميديا الطلاب الدروس الخصوصیة هیبة المعلم إلى أن

إقرأ أيضاً:

حسام الحداد يكتب: من التنوير إلى التحريم.. كيف يفتح تضييق "الأنشطة الطلابية" أبواب التطرف؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

في قلب الصراعات الثقافية المحتدمة داخل أروقة الجامعات المصرية، برزت واقعة إيقاف العرض المسرحي "الدحديرة" بكلية الحقوق بجامعة حلوان كحلقة في سلسلة من التوترات التي تشهدها المؤسسات التعليمية، حيث اصطدمت طموحات الشباب الإبداعية بتوجهات إدارية محافظة أعادت إحياء الجدل حول حدود الحريات الطلابية. هذه الأزمة لم تكن مجرد حادثة عارضة، بل جاءت لتكشف عن فجوة عميقة في إدارة الفضاء الجامعي، حيث باتت الأنشطة الثقافية -التي كانت تاريخياً متنفساً للوعي- رهينة لتفسيرات فردية تضع الفن والمسرح في قفص الاتهام، متجاهلة الدور التنويري الذي تضطلع به الجامعة كبيت للحرية والقانون.

وتأتي هذه التطورات في وقت حساس تمر فيه جامعة حلوان، كغيرها من الجامعات، بمرحلة انتقالية تبحث فيها عن توازن دقيق بين الالتزام بالتقاليد الأكاديمية الصارمة وبين ضرورة تعزيز بيئة طلابية منفتحة وقادرة على التفكير النقدي. ففي ظل التقارير التي أشارت إلى إيقاف العرض المسرحي تحت ذرائع دينية، تصاعدت حالة من الغضب والاستياء ليس فقط بين طلاب الكلية الذين رأوا في هذا الإجراء تضييقاً على أحلامهم، بل امتدت التساؤلات لتصل إلى أساتذة ومثقفين تساءلوا عن مغزى تحويل "كلية الحقوق" من معقل للدفاع عن الحريات والحقوق إلى منبر للرقابة الأخلاقية والوصاية الفكرية التي تقوض استقلالية الإبداع.

إن هذه الواقعة، التي استدعت انتقادات حادة من شخصيات فنية ورموز ثقافية مرموقة مثل المخرج يسري نصر الله والسيناريست تامر حبيب، تفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات أمنية وأكاديمية حول الأمن القومي الثقافي في مصر. فالجامعة، وفقاً لما يراه المتابعون للواقعة، تظل خط الدفاع الأول ضد الأفكار المتطرفة، وأي تراجع عن دورها التنويري يترك خلفه "فراغاً فكرياً" قد تملؤه النزعات الإقصائية. ومن هنا، يضع هذا التقرير واقعة كلية الحقوق تحت مجهر البحث، مستعرضاً تداعيات هذا التصادم بين الإدارة والطلاب، ومحاولاً استشراف مستقبل النشاط الطلابي في ظل تحولات مجتمعية وفكرية متسارعة، مؤكداً أن الحوار هو السبيل الوحيد للحفاظ على الجامعة كمنارة للتعددية لا كساحة للمنع والتحريم.

مسرحية تحت مقصلة "التحريم"

في قلب الحرم الجامعي، كان فريق "الدحديرة" المسرحي يستعد للحظة الحصاد بعد شهور طويلة من البروفات المضنية والتجهيزات الفنية التي خاضوها بإمكانياتهم المحدودة. ساد الصمت والترقب في القاعة، واختلطت أنفاس الطلاب بعبق خشبة المسرح، حيث بذل الشباب جهوداً استثنائية وتكبدوا أعباءً مالية من مدخراتهم الشخصية ليخرج العرض في أبهى صورة. لكن، وفجأة، تحولت أجواء الحماس إلى ذهول تام، حين انقطع التيار الكهربائي وتوقفت أجهزة الصوت عن العمل وسط العرض، ليتضح لاحقاً أن ما حدث لم يكن عطلاً تقنياً طارئاً، بل قراراً إدارياً حاسماً ومباغتاً أُسدلت من خلاله الستائر قسراً قبل أن يكتمل المشهد الأخير، مخلفاً وراءه صدمة عميقة في نفوس الطلاب الذين وجدوا مجهودهم يتبخر في لحظات.

وعقب هذه الواقعة المفاجئة، اتضحت دوافع القرار التي صدمت الوسط الأكاديمي والطلابي على حد سواء. فقد تداولت شهادات طلابية متطابقة تصريحات نُسبت إلى عميدة الكلية، تبرر فيها هذا الإجراء الصارم بمرجعية فكرية تتبنى رؤية متشددة، حيث اعتبرت أن "التمثيل والمسرح عمل يتنافى مع ضوابط الدين"، مما جعل من المحتوى الفني الذي قدمه الطلاب هدفاً للمنع بدلاً من كونه وسيلة للتعبير الثقافي. هذه التصريحات لم تأتِ في سياق حوار أكاديمي، بل جاءت كقرار حاسم أغلقت به الأبواب أمام أي محاولة للنقاش، فارضة واقعاً جديداً يضع الأنشطة الفنية تحت مقصلة المنع الأخلاقي.

لم تقف الأمور عند حدود الإلغاء القسري، بل اقترنت تلك التصريحات بنبرة "أبوية" فرضت نوعاً من الوصاية على مسارات الطلاب، حيث وجهت العميدة نصائح صارمة بضرورة انصراف الطلاب كلياً عن أي نشاط خارج إطار المنهج الأكاديمي. وقد أثار هذا التوجه استياءً واسعاً؛ إذ رأى فيه الطلاب محاولة لتقليص مساحتهم الإبداعية داخل كليات الحقوق، التي من المفترض أن تكون الحاضنة الأولى لمبادئ الحرية والعدالة والقانون. وبدلاً من أن تكون الجامعة ساحة لصقل المواهب وتنمية الشخصية الإبداعية، وجد الطلاب أنفسهم أمام "رقابة" غير متوقعة، أعادت طرح تساؤلات حادة حول حدود صلاحيات المسؤول الإداري في الجامعات، وحق الطالب في ممارسة التعبير الإبداعي بعيداً عن القيود الذاتية والتعسفية.

حسام الحداد يكتب: بين "الدحديرة" و"برشامة".. هل نُعيد إنتاج أسباب التطرف؟

صدمة في الأوساط القانونية والفنية

لم تكن واقعة "كلية الحقوق" مجرد حادثة عابرة داخل أروقة الجامعة، بل تحولت إلى صدمة مدوية أحدثت ارتدادات واسعة في الأوساط الفنية والأكاديمية المصرية. فقد سادت حالة من الذهول والترقب بين النخب المثقفة التي رأت في هذا الإجراء مؤشراً مقلقاً على تراجع مساحات الحرية. وفي هذا السياق، لم يخفِ المخرج السينمائي الكبير يسري نصر الله قلقه البالغ من تداعيات هذه الواقعة، واصفاً إياها بأنها "ناقوس خطر" يدق في وجه المؤسسة التعليمية. وأكد نصر الله في تصريحاته أن جوهر الأزمة لا يتلخص في إيقاف عرض مسرحي فحسب، بل في طبيعة التوجه الفكري الذي يقف خلفه، مشيراً إلى أن صدور مثل هذه التصريحات من مسؤولة عن إعداد وتخريج أجيال من القانونيين يحمل دلالات خطيرة؛ إذ يُفترض في خريجي الحقوق أن يكونوا الحصن الأول للدفاع عن قيم الحرية والدستور وتنوع الأفكار في المجتمع.

وعمق المخرج يسري نصر الله من تحليله للواقعة، معتبراً أن تقييد الإبداع الطلابي داخل أسوار الجامعة هو "تراجع عن دور الجامعة كمنارة للتنوير". وحذر من أن محاصرة العقول في قوالب ضيقة، تحت ذريعة التحريم أو الوصاية الفكرية، يمثل تهديداً مباشراً لما وصفه بـ "الأمن القومي الثقافي". فمن وجهة نظره، فإن الفن ليس ترفاً، بل هو أداة لصقل الشخصية القانونية القادرة على التفكير النقدي والتحليل المنطقي. وأوضح نصر الله أن تقزيم الفكر في قوالب جامدة لا يخدم العملية التعليمية، بل يفرغها من محتواها الديمقراطي، ويحول قاعات الدرس من فضاءات رحبة للحوار إلى بيئات طاردة للتعددية، وهو أمر يضع مستقبل الأجيال القادمة من المشرعين والقضاة أمام تحديات فكرية وجودية.

من جانبه، انضم السيناريست تامر حبيب إلى قائمة المنتقدين للواقعة، معتبراً إياها "تضييقاً ممنهجاً" يتجاوز حدود الحادثة الفردية ليطال حق الشباب الأصيل في التعبير عن ذواتهم. وأشار حبيب في تعليقه على الموقف إلى أن الجامعة لطالما كانت -تاريخياً- المكان الأول والأكثر أهمية لممارسة الحق في التعبير واختبار حدود الإبداع، وما حدث في كلية الحقوق لا يعدو كونه "انتكاسة" لقيم الانفتاح والتنوير التي قامت عليها الجامعة المصرية العريقة طوال عقود. وأكد حبيب أن التضييق على الأنشطة الطلابية الفنية يغلق النوافذ أمام التفاعل الخلاق بين الطلاب، ويُجهز على حلم جيل يبحث عن مساحة للتعبير عن قضاياه المجتمعية والفردية من خلال المسرح والدراما، داعياً إلى ضرورة التصدي لهذه الممارسات التي تتنافى مع طبيعة المؤسسات التعليمية الحديثة.

حسام الحداد يكتب: بين قناع "الثقافة" وأجندة "التمكين".. تغلغل تيار الإسلام السياسي في أروقة اتحاد الكُتّاب

سياق الأزمة: جدل بين التقاليد والحرية

تأتي هذه الواقعة لتجسد فصلاً جديداً في صراع محتدم داخل المؤسسات التعليمية المصرية، حيث تتصادم بشكل متزايد ثنائية "التقاليد الجامعية المحافظة" مع "مساحات الحرية الفردية والإبداعية". ويلاحظ مراقبون للشأن الجامعي أن هناك تياراً إدارياً متنامياً داخل بعض الكليات بدأ ينتهج تفسيرات متشددة للوائح والتقاليد الجامعية؛ حيث يتم توظيف هذه اللوائح كأداة للتحكم في الأنشطة الطلابية التي لا تتماشى مع رؤية ضيقة للعملية التعليمية. هذا التوجه لا يقف عند حدود التفسير الإداري، بل يستند إلى مرجعيات اجتماعية وفكرية تفرض وصاية أخلاقية ودينية على الأنشطة التي تخرج عن نطاق المحاضرات الأكاديمية الصرفة، مما يجعل الفضاء الجامعي ساحة لاستقطاب فكري حاد.

تاريخياً، لم تكن الجامعات المصرية مجرد قاعات للتحصيل العلمي، بل كانت على مدار عقود "الحاضنة الأولى" لأجيال من المبدعين المصريين الذين شكلوا وجدان الأمة؛ حيث كانت مسارح جامعات القاهرة، وعين شمس، وحلوان، بمثابة المختبرات التي تبلورت فيها المواهب الفنية والأدبية. إن إلغاء هذه المساحات أو تقليص دورها يمثل ضربة قاصمة لذاكرة مصر الثقافية. ويرى أساتذة في علم الاجتماع السياسي أن محاربة الفن داخل الجامعة لا تهدف فقط إلى التضييق على الأنشطة الترفيهية، بل هي محاولة ممنهجة لـ "تنميط" العقل الطلابي، وتقليص قدرة الطالب على التفكير النقدي والتحليلي الذي يُعد الفن والمسرح أحد أهم أدوات صقله وتنميته.

وفي قراءة أعمق للمخاطر المترتبة على هذه الممارسات، يحذر الخبراء من أن محاصرة الفكر ومنع الفنون داخل الحرم الجامعي تفتح أبواباً خطيرة نحو التطرف الفكري؛ إذ إن الجامعة حين تتخلى عن دورها في تعزيز قيم التسامح والتعددية عبر الثقافة والفنون، فإنها تترك فراغاً فكرياً يسهل ملؤه بأفكار إقصائية. إن خنق الأصوات المبدعة ومنع أشكال التعبير الفني يغذي البيئة الخصبة التي يتغذى عليها الفكر المتطرف، حيث يتم استبدال لغة الحوار والجمال بلغة التحريم والمنع، مما يخلق عقولاً مهيأة لتبني أفكار أحادية الجانب ترفض الآخر وتنبذ الاختلاف، وهو ما يمثل تهديداً غير مباشر للأمن الفكري والمجتمعي.

إن هذا المسار التشددي لا يمثل مجرد تضييق على حرية الطالب، بل هو استراتيجية إقصائية تهدد الاستقرار الوطني على المدى البعيد. فعندما يجد الشاب الجامعي نفسه محاصراً داخل سياج من المحرمات والممنوعات التي تتجاوز القانون، فإنه يفقد شعوره بالانتماء للمؤسسة التي كان يُفترض أن تصقله كفرد فاعل في مجتمع ديمقراطي. إن تغلغل هذا الفكر الإقصائي داخل المؤسسات التعليمية العليا يُعد مؤشراً على اختراق قيم التنوير التي قامت عليها الدولة المصرية الحديثة، مما يستوجب وقفة جادة لإعادة الاعتبار للفن والنشاط الطلابي كحصون أساسية في مواجهة الإرهاب والتطرف، وكأدوات جوهرية لتحصين العقول ضد أي استقطاب راديكالي.

حسام الحداد يكتب: من سيد قطب إلى خالد فهمي: تحولات الخطاب الحركي في "كأن القرآن يتنزل من جديد"

مطالب بـ "رد الاعتبار" والحق في الإبداع

لم تتوقف ارتدادات الواقعة عند حدود الاستياء الطلابي العفوي، بل سرعان ما تحولت إلى حملة منظمة تطالب بفتح تحقيق رسمي شفاف ومستقل لكشف ملابسات قرار الإيقاف ومحاسبة المسؤولين عنه. وقد تصاعدت أصوات النشطاء الحقوقيين والكيانات الطلابية المستقلة، مشددة على أن تعطيل الأنشطة الثقافية بذرائع شخصية أو مرجعيات خارجة عن اللوائح الجامعية المعتمدة يعد مخالفة دستورية صريحة، وتجاوزاً صارخاً لصلاحيات الإدارة التي تفرض عليها لوائح الجامعات المصرية حماية وتنمية المواهب الطلابية لا قمعها. ويرى هؤلاء الحقوقيون أن سكوت المؤسسة التعليمية عن مثل هذا التصرف قد يُرسخ لسابقة خطيرة تهدد استقلال الفضاء الجامعي، وتُشجع المسؤولين على ممارسة "الوصاية الأخلاقية" بدلاً من أداء دورهم الأكاديمي والتربوي.

ويعكس صوت الطلاب المتضررين عمق المأساة التي تجاوزت الجانب المادي لتطال الجانب النفسي والوجداني؛ حيث يقول أحد الطلاب المشاركين في عرض "الدحديرة": "لقد تحملنا تكاليف الديكور والملابس والتجهيزات من قوتنا اليومي، ليس طلباً للشهرة أو التكسب، بل حباً في الفن وشغفاً بالتعبير. لم نكن نتخيل يوماً أن مبنى كلية الحقوق –وهو بيت القانون الذي ينهل منه الطلاب مبادئ العدالة والحرية– سيتحول إلى ساحة تُفرض فيها الوصاية الأحادية على إبداعنا". هذا الشعور بالظلم والإحباط يعزز القناعة لدى الطلاب بأن الإدارة قد تخلت عن دورها كـ "حاضنة للحرية"، مما يولد لديهم شعوراً بالاغتراب داخل مؤسستهم التعليمية، ويجعلهم أكثر عرضة للانعزال أو اليأس من إمكانية التغيير الإيجابي داخل الدولة.

الأخطر من ذلك، هو أن تغييب الفن وتجفيف منابع الإبداع في الجامعات يفتح الباب على مصراعيه أمام قوى التطرف والإرهاب؛ فالفن هو الحصن الدفاعي الأول ضد الأفكار الظلامية، وعندما يتم منع الطلاب من التعبير عن ذواتهم عبر المسرح والموسيقى، فإننا ننزع عنهم سلاحهم في مقاومة التشدد. إن هذا المناخ الطارد للفنون يخلق "فراغاً فكرياً" يستغله دعاة التشدد لغرس أفكارهم الإقصائية في عقول الشباب الذين شعروا بالرفض من مؤسساتهم الرسمية. فبدلاً من أن تكون الجامعة منارة تقاوم الإرهاب من خلال الفكر والفن والجمال، تتحول –بفعل مثل هذه القرارات– إلى بيئة طاردة للوسطية، مما يجعلها تربة خصبة لاستقطاب الشباب نحو الجماعات المتطرفة التي تقتات على الشعور بالاضطهاد وتهميش الحقوق الفردية.

 

هل تراجع الجامعة دورها التنويري؟

إن ما شهدته كلية الحقوق بجامعة حلوان يتجاوز في أبعاده الدلالية مجرد إلغاء عرض مسرحي طلابي؛ فهو يمثل اختباراً وجودياً لمدى قدرة المؤسسات التعليمية المصرية على استيعاب التنوع الثقافي وحماية حرية التعبير في خضم تصاعد الضغوط الاجتماعية المحافظة. إن تحويل حرم الجامعة من ساحة للحوار الحر إلى ميدان للرقابة الصارمة يضع مستقبل "النموذج التنويري" للجامعة على المحك، ويطرح تساؤلات ملحة حول ما إذا كانت الإدارات الجامعية لا تزال تمتلك القدرة والرغبة في رعاية العقول المنفتحة، أم أنها بدأت تستسلم لتيارات الجمود التي تسعى لتقزيم الفضاء الأكاديمي.

إن النتائج المترتبة على هذه الواقعة قد تكون وخيمة إذا ما تُركت دون معالجة جذرية؛ ففي حال غياب حوار جاد وشفاف بين إدارة الجامعة والطلاب، أو تعطل تدخل وزارة التعليم العالي لضمان سيادة القانون وحماية حرية الأنشطة الطلابية، فإننا سنكون أمام حالة من "الاحتقان الصامت" داخل الأروقة الجامعية. هذا الاحتقان لا يعني فقط هجر الطلاب للأنشطة الثقافية واكتفاءهم بالتحصيل الأكاديمي الجاف، بل يعني تحول الجامعة من منارة للإشعاع الفكري إلى مؤسسة تعليمية جوفاء، تفتقر إلى الروح التفاعلية التي تميز الطالب الجامعي وتجعله فرداً فاعلاً ومبدعاً في محيطه.

والأخطر من ذلك هو الأثر طويل المدى لهذه الممارسات في مواجهة الإرهاب؛ فمثل هذه الحوادث التي تقمع التعبير الفني وتفرض وصاية فكرية تفتح الباب على مصراعيه أمام التطرف. إن تجفيف منابع الفن والجمال في الجامعات يخلق بيئة مواتية لنمو الفكر الظلامي، حيث يتم سحب البساط من تحت أرجل الاعتدال والتنوع، ليجد الشباب أنفسهم في مواجهة "فراغ فكري" قد يسهل استغلاله من قبل التنظيمات الراديكالية. إن منع المسرح والفن تحت ذريعة "التحريم" يمثل في جوهره تقويضاً لأدوات الدفاع الوطني ضد الإرهاب، فالفن هو الحصن الذي يُحصن عقول الشباب ضد الاستقطاب، وغيابه يعني تسليماً مجانياً للميدان الفكري لصالح قوى التشدد.

في الختام، يظل السؤال معلقاً بانتظار إجابة رسمية حاسمة: هل سنشهد إجراءً إدارياً يُعيد للطلاب اعتبارهم ويؤكد على استقلالية الإبداع كجزء لا يتجزأ من العملية التعليمية؟ أم أن "الستائر" التي أُسدلت قسراً على مسرح كلية الحقوق ستصبح هي القاعدة الجديدة، والنموذج المعتمد في التعامل مع طموحات جيل يبحث عن التغيير من خلال الفن؟ إن الإجابة على هذا التساؤل لن ترسم فقط مستقبل النشاط الطلابي، بل ستحدد هوية الجامعة المصرية في العقد القادم، ما بين جامعة تنبض بالحياة والتنوير، أو مؤسسة منغلقة توفر أرضية خصبة لكل ما نخشاه من تطرف وتراجع فكري.

مقالات مشابهة

  • شريف عبد المنعم: الشحات أفضل فنياً للأهلي من زيزو وأتمنى عودة عبد المنعم
  • نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة
  • قلق الامتحانات ووعي الأسرة
  • نصائح تربوية للتعامل مع قلق امتحانات الثانوية العامة
  • استعدادات مكثفة من تعليم كفر الشيخ قبل امتحانات الشهادة الإعدادية 2026
  • ضبط طالب في حقوق بني سويف استخدم نظارة ذكية للغش داخل لجنة الامتحان
  • ضبط طالب استخدم "نظارة ذكية" للغش داخل لجان امتحانات بحقوق بني سويف
  • حسام الحداد يكتب: من التنوير إلى التحريم.. كيف يفتح تضييق "الأنشطة الطلابية" أبواب التطرف؟
  • حفناوي: كلمة "الامتحان" مصدر ضغط نفسي.. ومعسكرات الأمهات تزيد توتر الثانوية العامة
  • المناهج في مدارس مكة والمدينة: استثمارٌ تعليميٌّ مكانيٌّ