حسن عبد الرضي

لم تكن الشهادة السودانية مجرد امتحان نهائي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بل كانت حدثًا وطنيًا يملأ البيوت فخرًا، والقلوب رجاءً، والبلاد كلها تنتظر نتائجه كما تنتظر مولودًا عزيزًا. كانت معيارًا حقيقيًا للكفاءة والجدارة، ومدخلًا للتنافس الشريف بين أبناء الوطن، بغض النظر عن مناطقهم أو إمكاناتهم.

لكنّ الحال اليوم تغيّر تمامًا. فذلك المجد الأكاديمي الذي ارتبط بالشهادة السودانية أصبح أثرًا بعد عين. اختلّت المعايير، وانهارت منظومة القيم التربوية، وغابت العدالة بين الطلاب، حتى غدت الامتحانات مظاهرة عبثية لا علاقة لها بالتحصيل أو الكفاءة أو روح التنافس.

إنّ الامتحانات التي تعتمد على استفراغ المعلومات المؤقتة وحفظها بغرض اجتياز الورقة ثم نسيانها بعد أيام، أثبتت بالتجربة العملية أنها لا تُنتج معرفة، ولا تُنمّي مهارة، ولا تُؤهّل عقلًا. فالمناهج العقيمة التي تُغرق الطالب في كمّ هائل من المعلومات غير المفيدة، ثم تضع أمامه امتحانًا شكليًا، لم تعد تواكب روح العصر ولا حاجات المجتمع.

وقد كتب أحد الزملاء المهتمين بالشأن التربوي مقالًا عميقًا، أوافقه فيه الرأي تمامًا، حين قال إنّ امتحانات الشهادة الثانوية ليست معيارًا حقيقيًا للتنافس، بل هي مشبعة بالغش والتجاوزات. فهو ممن راقبوا هذه الامتحانات منذ منتصف التسعينيات، ويشهد أن ما يسمى بـ«البخرات» — أي أوراق الغش المصغّرة — أصبحت متوفرة لدى أغلب الطلاب، وأنّ ما يقدَّم اليوم على أنه تفوق، هو في كثير من الأحيان نتاج غشٍّ منظم تتواطأ عليه جهات مختلفة داخل وخارج قاعات الامتحان.

لقد تحوّلت بعض المدارس الخاصة إلى مراكز نفوذ تُباع فيها الأسئلة، وتُكشف فيها الامتحانات قبل الموعد، في ظلّ غياب الرقابة وتهاون الكنترول، حتى صارت الشهادة لا تعبّر عن مستوى الطالب بقدر ما تعبّر عن قدرته على الوصول إلى مصدر التسريب. أما الطلاب المجتهدون من المدارس الحكومية الفقيرة، فقد ضاعوا بين فوارق البيئة وضعف الإمكانات وسطوة المال.

الأخطر من ذلك أنّ حالات الغش التي يتم ضبطها في القاعات لا تُعالج وفق اللوائح، بل تُطوى الملفات في صمتٍ غريب. يتم سحب البخرة، ثم يُسمح للطالب بمواصلة الامتحان وكأن شيئًا لم يكن! وهكذا تحوّلت الجريمة التربوية إلى ممارسة مألوفة ومحمية بالصمت المؤسسي، حتى فقدت الشهادة معناها ومكانتها.

لقد آن الأوان لنقولها بوضوح: الشهادة السودانية لم تعد صالحة لتكون معيارًا للقبول الجامعي أو للتفاضل الأكاديمي. ما يجري اليوم هو نظام فاسد يُخرّج أجيالًا مشوّهة فكريًا وأخلاقيًا، لا تُجيد سوى تقنيات الغش والحفظ المؤقت.

إنّ الحلّ لا يكمن في زيادة المراقبة الأمنية أو تشديد العقوبات فقط، بل في إعادة تعريف الهدف من التعليم نفسه. يجب أن تُمنح شهادة إكمال المرحلة الثانوية لكل من أكملها بنجاح، على أن تتولّى الجامعات بنفسها إعداد الامتحانات الخاصة بها، وفق معاييرها الأكاديمية الصارمة. بهذا فقط يمكن أن نعيد الاعتبار للجدية والانضباط، وأن نفرز الحقيقي من المزيف.

لقد فقدت الشهادة السودانية روحها، ولكن يمكن أن تُبعث من جديد — لا بالشعارات ولا بالحنين إلى الماضي — بل بإصلاح جذري صادق يضع التربية قبل السياسة، والعقل قبل الحفظ، والمعرفة قبل الشهادة.

 

الوسومحسن عبد الرضي

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: الشهادة السودانیة

إقرأ أيضاً:

استعدادًا للامتحانات.. رئيس منطقة سوهاج الأزهرية يلتقي رؤساء لجان الشهادة الثانوية ومساعديهم

التقى الدكتور محمد حسني، رئيس الإدارة المركزية لمنطقة سوهاج الأزهرية، اليوم الثلاثاء الموافق 2 يونيو 2026م، رؤساء لجان الشهادة الثانوية ومساعديهم، وذلك بقاعة الاجتماعات الكبرى بديوان عام المنطقة، بحضور الدكتور مرتضى أبو شارب، مدير عام المواد الثقافية ورعاية الطلاب.

وشهد اللقاء مشاركة مديري إدارات الامتحانات والتدريب والكمبيوتر التعليمي والتوريدات، حيث تم استعراض أهم التعليمات والمعايير التي سيتم اتباعها خلال امتحانات الشهادة الثانوية الأزهرية لهذا العام.

جاء هذا الاجتماع عقب ورشة العمل التي عُقدت مع وكيل الأزهر ورئيس القطاع ورؤساء اللجان عبر تقنية الاتصال المرئي عن بُعد، والتي نُوقش خلالها كتاب التعليمات الخاصة بأعمال الامتحانات، واستعراض الضوابط والإجراءات المنظمة لسيرها.

وأكد رئيس المنطقة على أهمية الدور المحوري الذي يقوم به رؤساء اللجان ومساعدوهم، والعبء الكبير الذي يقع على عاتقهم في نجاح منظومة الامتحانات وخروجها بالصورة المشرفة التي تعكس جهود المنطقة، كما شدد على حرصه الدائم على مصلحة الطالب الأزهري، وتحقيق مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص أمام الجميع.

ومن المقرر أن تنطلق أعمال امتحانات الشهادة الثانوية الأزهرية يوم السبت المقبل، وسط استعدادات مكثفة من جميع الجهات المعنية لتهيئة الأجواء المناسبة للطلاب.

مقالات مشابهة

  • غدًا.. انطلاق امتحانات الشهادة الإعدادية الترم الثانى فى محافظة الجيزة
  • 746 لجنة تستقبل 214 ألف طالب.. انطلاق امتحانات الشهادة الإعدادية بالقاهرة غدا
  • محافظ الوادي الجديد: الانتهاء من تجهيز 124 لجنة لاستقبال طلاب الشهادة الإعدادية
  • جامعة بني سويف تُحبط محاولة بنظارة إلكترونية .. تعرف على أحدث أساليب الغش في الامتحانات
  • تعليم الجيزة تستكمل استعداداتها لامتحانات الشهادة الإعدادية
  • أخطر داء يقـ.ـتل المواهب.. مختار جمعة يقترح تشديد عقوبة الغش في الامتحانات
  • «القليوبية الأزهرية» تؤكد جاهزية لجان امتحانات الشهادة الثانوية
  • محافظ الفيوم يتابع الإستعدادات النهائية لامتحانات الشهادة الإعدادية
  • استعدادًا للامتحانات.. رئيس منطقة سوهاج الأزهرية يلتقي رؤساء لجان الشهادة الثانوية ومساعديهم
  • ننشر جدول امتحانات الشهادة الإعدادية بالوادي الجديد