لجريدة عمان:
2026-06-03@05:38:25 GMT

لم يكن قصصًا

تاريخ النشر: 28th, October 2025 GMT

لم تكن المجموعة القصصيّة الأحدث التي أصدرتها القاصّة والروائيّة هدى حمد قصصًا يجتمع لرغبةٍ من كاتبٍ في الكتابة، وقصِّ حكايةٍ، ولم تكن قصصًا غايته دفْع الملل وتسلية القارئ، ولم تكن قصصًا تقليديّا تنفرد فيه كلّ قصّةٍ بموضوعها وشخصيّاتها وعوالمهما، وإنّما كانت رؤيةً وموقفًا ورأْيًا ورغبةً في ترْكِ أثرٍ وتجريبِ نهجٍ، الكتابة الحاملة لموقفٍ، الحاملةُ على التفكّر والتذكّر، الراجعة حنينًا إلى ذكرياتٍ قريبةٍ وبعيدةٍ، إلى عوالم البشر المحتوية لهمومهم ومختلف نزعاتهم وميولهم.

كعادتها تميل هدى حمد في كتابتها إلى النفاذ إلى أعماق الشخصيّات، الأنثويّة منها تخصيصًا، ترى أوزارَها، وأحْمالَها، وتروي عوالمها ومختلف حيواتها، وهي لعمري، حيوات جديرةٌ بأنْ تُحْكَى وأن تُقَصَّ عناصِرُها.

سرْدٌ مزاجُه واقعُ الحياة، بل واقعُ الإنسانِ في آفاقٍ من القصص جامعٍ، تخاله منفصِلاً وهو موتود إلى جوهرٍ أصلٍ لا يُفارقه. تجربةٌ تخوضها هدى أن تجعل قصصها يعلُق بعضه ببعْضٍ، يأخذ بعضه برقاب بعْضٍ. محاورُ كبرى إليها تنشدُّ قصَارُ القَصص. أربعةٌ من الأبوابِ تتخّذ لها الكاتبةُ عناوين كبرى وتؤمُّ عناوين صغرى، هي للأولى خدمٌ وعونٌ، بدايتُها ترشيحٌ للعصافير، «ما تخبره العصافير في التعريشات»، واحتوت من القصص عددًا، لعلّ أبرزها الجزء الذي رُشِّح لتأدية دور الكلّ، وهو القصّة القصيرة التي حملت عنوان المجموعة «سأقتل كلّ عصافير الدوري».

لا يبدو المحور الأكبر الذي ضمّ هذه القصص شكليًّا وإنّما هو مدارٌ فيه تتشكّل قصّة نسيجها واحدٌ وشخصيّاتها واحدة، هي قصّة مساعدة طبيب التخدير التي تعتني بجدّتها وتشغف بأخبار جارتها التي تقطن بيتًا مُحاطًا بغابة، وتُولّد من صلتها بها حكاية الزوج صائد العصافير، فتدعو الحكايةُ الحكايةَ، ومِن أواخر القصّة الأولى تنبثق القصّة الثانية في متتاليَّة قصصيّة كاسرة للوحدة المركزيّة للقصّة القصيرة، وباعثة تجريبًا نمطًا من القصّة المتواصلة في فصْلٍ حكائيّ، أو هي القصّة المطوّلة المبوّبة أبوابًا، وكأنّ الكاتبة واقعة في منطقة وسطٍ بين نَفَس الرواية الذي تضلع فيه ونفس القصّة القصيرة الذي تُحسن حياكته. تتولّد من قصّة «غابة تحيط ببيت» قصّة «شرخ في الحاجب الأيسر»، وهو شرْخٌ منه ألفت الشخصيّة الراوية وجه زوج الجارة، دون أن تتذكّره تمام التذكّر، فكانت نهاية القصّة دخولاً لشخصيّة الزوج محبّ الطبيعة، ساكن الغابة في ظاهر السّرد، أمّا في ما تولّد من قصّة فإنّه قاطع رقاب العصافير، عدوّ الطبيعة، «وبينما نخرج أنا وجدّتي، كان زوجها ينزل من سيّارة «الإف جي».

وفي تلك الالتفاتة الخاطفة، بدا وجهه مألوفًا بسُمرته الدّاكنة، لكنّي لم أتمكّن في نظرتي المتعجِّلة من التعرُّف عليه. في النظرة الثانية شاهدتُ علامة في حاجبه الأيسر، تلك التي لن تندمل لآخر العمر. لكنّه لم يرفع رأسه، لم ينظر إليَّ أبدًا».

تبدو الشخصيّة غامضةً، ويبدو السّرد مشحونًا، وتبدو السّاردة قد أخفت من صلتها بالزوج أمورًا جللا، بعضُها يبدو على السّطح في المتوالية الأولى للقصّة الإطار، الشّرْخ الذي أقرَّت السّاردة أنّه لن يندمل، وهي عارفة بعمقه وأثره، عليه تنبني قصّة تنتهي ببيان حكاية الشرخ في الحاجب الأيسر، «عندما قام من مكانه وأزاح قطعة القماش عن فمي بسرعة مفاجئة، أردتُ أن أصرخ لكنّه ألقمني عصفورًا محروقًا، ظلّ يحشره في فمي، يحشره إلى أن تقيَّأتُ ودخلتُ في نوبة سُعالٍ طويلةٍ.

تراخى القُماش الذي يزمُّ يديَّ، تحسّستُ حجرًا صغيرًا تحت يدي اليُمنى وقذفتُ به إلى وجهه، أحدثتُ شرْخًا عميقًا في حاجبه الأيسر فأخذ يدمى، عرفتُ أنَّه سيُحدث ندبةً لن تندمل لآخر العمر». ثوابتُ تجتمع فيها كلّ فروع القصص في الفصل الأوّل، الغابة، العصافير الحيّة أو المصطادَة، ممرِّضة التبنيج، الجدّة المرعيّة، صائد العصافير، السّاردة الجامعة بين وظيفة مساعدة طبيب التبنيج والكتابة الخالية من الملح. المحور الثاني في المجموعة تخيّرت له الكاتبة عنوان «الديناصورات تُنمِّي ريشها»، وهو محورٌ ضامٌّ لمجموعةٍ من القصص القصيرة التي تركّزت حول تمزّق المرأة في صلتها بالرّجل، صديقًا أو زوجًا أو أبًا، أغلب نساء المجموعة متزّوّجات، باحثات عن التحقُّق خارج دائرة الرّجل، أو هنّ يحملن من الرَّجل عبئًا من ثقال الأحمال في مختلف مراحل العمر، الزوجة الباحثة عن انفصالٍ تصوغ مع أمّها قصّة طلاقٍ يُمكن أن يستسيغها المجتمع، الفنّانة التي تُعَاني من وقْعِ واقعٍ مدمِّرٍ، ومن صوتٍ يُنافِر وجه المجتمع القائم على الرّياء، وهي المُدركة أنّها في اغتراب عائليّ واجتماعيّ، «أنا أعيش مع رجل لا يُقدِّرُ الفنّ»، المرأة المستَلَبة، المُستَرق وجودها وكونُهَا يُؤتى بها زوجةً لتحلّ محلّ الزوجة المفقودة، تلبس لباسها وتتزيّن زينتها وتتعطّر عطرها وتُنَادَى باسمها «أرغمني في مرّات لاحقة على شراء عطور لا أحبّها. أرغمني على أن أشتري فرشاة أسنان بلونٍ أحمر قان، وعندما كنت أشتكي كان الجميع ينظر إليّ بريبة»، حتّى تبلغ حدًّا من التماثل في المنظور، فيرى الزوج فيها جمال زوجته الميتة، وترى الزوجة فيه بؤس الزوج السّابق المغادر، وكذا تنحو القصص منحى اعتماد منظور المرأة في مواقعها المختلفة، من جهتين رئيستين التفاعل مع الرّجل ومع المجتمع. لتظهر المرأة في أغلب حالاتها في هذا المجتمع «ضعيفة وحزينة وممزّقة من الدّاخل»، كما بانت في قصّة «روح متعجِّلة».

المحور الثالث من المجموعة عنوانه «مخلوق بائس يتسكّع في شحوب»، فيه عودة إلى زمن الحنين وإلى قصص القرية والطفولة، استرجاع لحياة، تروي فيه الطفلة عوالمها في القرية وأشياءها البسيطة الباقية في الذكرى، قصص قصيرة تجتمع في محور التذكّر والاجتماع في وحدة مكانية زمانيّة وائمة لمختلف هذه القصص.

وأخيرًا محورٌ خاتمةٌ، عنوانه «اختباء الطيور الجريحة» يحوي قصّة يتيمة، فريدة، شديدة القِصَر، هي قفل للقصص، وإسكاتٌ للطيور التي حافظت الراوية على أصواتها في مناسبات عدد من المحاور الثلاثة السابقة، قصّة «عائد إلى بيت الغابة»، هي فكّ لملغزٍ أتته الشخصيّة السّاردة في المحور الأوّل، وهو شراء حبل، دون أن يُدرك القارئ ما الغاية منه، وإنّما بقي الفعل عائمًا غائمًا، فتأتي القصّة الأوجز في آخر المجموعة، لتفتِّح ما استغلق من معنى، ولتؤكّد ما سبق أن أبنّاه من انشداد القصص بأسبابٍ، ومن اعتمادٍ مُدرِكٍ لتوظيف كلّ ما يرد في عالم القصّة من صفاتٍ أو معلومات، مرسِّخةً مبدأ «بندقيّة تشيكوف».

مجموعة قصصيّة حاملة لرؤية صاغت بها القاصّة حكاياتها، وأنشدّت بها إلى وتدين جامعين، عالم المرأة وعوالم الذاكرة استرجاعًا واستعادةً، بأسلوبٍ لا يركن إلى الاسترسال وإنّما يقتضي من القارئ تيَقُّظًا وانتباهًا وإعمالاً للفكر حتّى يُمسك خيوط الحكايات المتوزّعة بإحكامِ صانعٍ مقتدرٍ. ولم يكن صوت العصافير على رمزيّتها ورهافتها هو عنوانها الأبرز فحسب، وإنّما تداخلت مواضيع شتّى بعضُها ضاربٌ في منزلة المرأة من المجتمع، وبعضُها ضاربٌ في مقاتل الطفولة، وبعضها ضاربٌ في حياة المجتمع وجْهًا وجوهرًا، وبعضُها آخذٌ في كشفِ فعل تلقّي القصص الذي تناولته الكاتبة في صور متعدّدة، لعلّ أجلاها الميتا قصص الذي شفّت عنه هذه القصص في استعادة القول في أثر القصص الذي تنتجه الشخصيّة وبيان التلقّي السلبي، ولعلّ هذه الاستعادة تبلغ أوجها في وضع الجدّة موضع القارئ واستعمالها لتلقّي قصص الشخصيّة في قصّة «غابة تحيط ببيت»، وإذ لا تُبدي الجدّة تفاعلا مع المقروء تهزّ القاصّة الشخصيّة «جسدها مرّات متتالية» حتّى توقعها أرضًا. فكذا هذه القصص تهزّ القارئ بفعلٍ أرادتْه صاحبته حتّى يبقى الذهن عالمًا عاملاً لا عطالة تمسّه ولا ركونَ لهدْأة الحكيِ.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: هذه القصص الشخصی ة من القص القص ة التی ت وإن ما الذی ت

إقرأ أيضاً:

د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا

يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.

فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.

لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.

بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.

الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.

ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.

الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.

الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.

فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.

ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.

ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.

أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.

كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.

فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.

أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.

ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.

وهناك أيضًا أمان المكانة.

ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.

فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟

الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.

ثم يأتي أمان الضعف.

وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.

أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.

فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.

في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.

لكن الأمان وحده لا يكفي.

فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.

الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.

فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.

أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.

وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.

فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.

هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.

وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.

وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.

وهناك ونس الصمت.

نعم، الصمت.

فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.

أما العنصر الثالث فهو العفوية.

العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.

العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.

العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.

فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.

كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟

من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟

فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.

العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.

والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.

ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.

ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.

ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟

ليس الشكل وحده.

ولا الكلمات وحدها.

ولا البدايات المبهرة وحدها.

الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.

فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.

هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.

ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.

بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.

وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.

يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.

ويكبر لأنه منحنا الأمان.

ويكبر لأنه كان مصدر ونس.

ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.

فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.

القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.

فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.

نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.

ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.

ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.

لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.

فالأمان يجعل القلب يستقر.

والونس يجعل الروح تبتسم.

والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.

أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.

فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.

شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.

وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.

ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .

طباعة شارك الأمان الطمأنينة الحب الحقيقي

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • بعد طرح البوستر الرسمي.. موعد عرض فيلم القصص لـ نيللي كريم
  • جدل بسبب بوستر فيلم القصص قبل طرحه في دور العرض | خاص
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟