لماذا لا نقترب ثقافيًا من الشرق القريب منّا؟
تاريخ النشر: 28th, October 2025 GMT
في زيارتي ـ قبل فترة بسيطة ـ إلى كولومبو عاصمة سيريلانكا (سرنديب العرب سيلان)، ثمّ تأملي في قراها ومدنها متجهًا إلى جنّتيها كالدي ونوراليا؛ زرت «شارع المتنبي»، «أو شارع العتبة أو الأزبكيّة» ليس في بغداد أو القاهرة، وإنّما ما يماثلهما من شارع الكتب في العاصمة كولومبو. وقفت حينها متأملا، وقد سبق أن اتّجهت شرقا من «بومباي» في الهند حتّى «هانوي» في فيتنام.
قلتُ لصاحب العربة الصّغيرة «توك توك»: أريد أن أذهب لأرى شارع الكتب هذا، فلمّا رأيته لم أتمالك إلّا أن كتبت خاطرة سريعة على هاتفي، وقد نشرتها سابقا، وأعيد نشرها؛ لما لي من زيادة وكلام حولها، قلت فيها: «وأنا أتأمل في شارع الكتب القديمة رخيصة الثّمن في كولومبو عاصمة سيريلانكا؛ أجد معارف وتأمّلات تكتنزها قارّة وادي السّند ببعدها الكبير، أو دول (الهند - نيبال - سيريلانكا - بوتان - بنجلاديش - باكستان - المالديف). فمن كثافة السّكان فيها إلى التّدافعات السّياسيّة الأخيرة الّتي أثرت سلبًا على الأوضاع المعيشيّة على نسبة وتناسب بينها، بيد أنّها تحمل في بطنها غنوصيّة موغلة في القدم ذات تعدّديّة دينيّة ومذهبيّة وعرفانيّة وثقافيّة، خلقت تعايشا في الأجواء العامّة مع عامّة السّكان. في المقابل هناك حالة تكنولوجيّة ومعلوماتيّة متقدّمة في المعارف الطّبيعيّة والتّجريبيّة والعلميّة في بعض جامعاتها. هذه الأجواء خلقت نتاجا كتابيّا لا زلنا ـ نحن العرب ـ نجهل الكثير منه مع قربنا من هذه القارّة (بمفهومها السّكانيّ والتّأريخيّ والثّقافيّ). وفي تأمّلي لهذه المكتبات أجد ثلثها، ولا أبالغ إن قلت نصفها بالإنجليزيّة، ولكن لمّا تأملت بعضها لم تكن دراسات أجنبيّة عنها، بيد أنّي وجدّت العديد من كتّابها من أبناء المنطقة، ومنهم رهبان يروون تجربتهم وخلاصة حياتهم الرّوحيّة والتّأمليّة. فهناك عوالم معرفيّة قريبة منّا نجهلها، ولكي نفهمها نذهب إلى ما قاله البعيد عنها، ونترجم عنهم وعن رؤيتهم لها، كالّذي يريد أن يعرف عنّا يذهب إلى ما قاله المستشرقون والكتّاب الغربيّون عن عالمنا. فينبغي أن يكسر هذا الحاجز؛ فهؤلاء يشتركون معنا في الماضي بحسناته وسلبياته، ويتشابهون معنا ثقافيّا، وبيننا مشتركات كبيرة، فينبغي أن تكون في جامعاتنا ومراكزنا أقسام لدراسة الشّرق، وترجمة المهمّ ممّا ينتجه أبناء هذا الاتّجاه حتّى الامتداد شرقا. ولا يكتفى عند الجوانب السّياحيّة والعلاقات السّياسيّة العابرة. كما لا يعني هذا إهمال العوالم الأخرى؛ حيث الانفتاح على جميع العوالم، وكشف ما تكتنزه من معارف، ووجود مراكز أو أقسام جامعيّة متخصّصة يعتبر عنصر قوّة، لا أن نكون مجرّد مستهلكين لما ينتجه الغربيّون فحسب، ونستهلك حتّى نتائجهم عن الآخر مع أهميّتها، ولكن ينبغي أن ننتقل إلى عنصر الفاعليّة المؤثرة والمنتجة أيضا بدون واسطة وإعادة تدوير لا أكثر».
مشكلتنا في عالمنا العربيّ كثيرًا ما نقتصر عند تدوير المعرفة ـ إن صح التّعبيرـ وقلّ ما يكون عندنا فاعليّة في إنتاجها، وغالب مصادرنا المعرفيّة تقتصر عند ترجمة المعارف الأخرى خصوصا المعارف الغربيّة، أو إعادة ترتيب لأفكار هذه المعارف، وتقديمها وفق النّظريّات الكبرى القديمة أو الحديثة. ومع أهميّة هذا إلّا أنّه لابدّ أن يصاحبه السّير في سائر العوالم لكشفها وبحثها، خصوصا العوالم الشّرقيّة القريبة منّا. وهذا لا يتأتى مع حالة التّشرذم الثّقافيّ العربيّ، ثمّ لا يتأتى مع حالة الأدلجة السّياسية ـ خصوصا ـ لهذه المراكز؛ حيث إنّ الفضاءات المعرفيّة لا يمكن أن تبدع إلّا إذا توفرت لها الفضاءات المعرفيّة المفتوحة، وغير المقيّدة لحريّة بحثها. ومع وجود الفضاءات المعرفيّة الجادّة في الجانب المغاربيّ خصوصا، بيد أنّه ينقصها الجانب المادّي الّذي يتوفر في الاتّجاه الشّرقيّ من عالمنا العربيّ. ومع ضعف وقلّة المؤسّسات البحثّية في هذا الاتّجاه، فلا تخلو من الأدلجة السّياسيّة في الجملة، أو من التّأثيرات التّقليديّة المقيّدة لها. وفي نظري أنّ المعرفة لا حدود لها، ولا يمكن حدّها بحدود جغرافيّة قطريّة أو لاتّجاهات سياسيّة أو لاهوتيّة أو مجتمعيّة، ولمشتركاتنا في عالمنا العربيّ ينبغي أن نتجاوز المؤسّسات الثّقافيّة القطريّة المحدودة إلى المؤسّسات المشتركة الّتي تعنى بالفاعليّة في الإنتاج المعرفيّ، ولا تقتصر عند الاستهلاك المعرفيّ ـ إن صح التّعبير ـ
أو عند تدوير المعرفة كما أسلفت.
ما نراه اليوم من نمو الأفكار المتشدّدة تجاه المختلف عنّا، ومن توجس من الانفتاح عليه، ومن حالة التّسطيح المعرفيّ في فهم الآخر، ومن الأحكام القبلية على الآخر؛ يعود إلى غياب هذه الفضاءات البحثيّة والمعرفيّة المنفتحة والمؤثرة معا، وتمدّد حالة التّقديس لآراء فرديّة تصدر أحكاما منغلقة وبعيدة عن المنهج العلميّ تعتمد على التّجهيل المجتمعيّ بشكل مباشر أو مقنّع، وتمدّدها من حالات فرديّة إلى حالات جمعيّة تعوق حركة البحث العلميّ الرّصين والمنفتح، كما تنزوي على ذاتها ممّا يعوِّق حركة الانفتاح على الآخر المختلف عنها في المعتقد أو الهويّة، ويجعلنا أمّة متأخرة في الفاعليّة وفي النّتاج المعرفيّ، وفي كشف الآخر القريب منّا معرفيّا، لنعيش حالة من الانغلاق في فهم الآخر في عالم أصبح اليوم منفتحًا على بعضه إنسانيًا ومعرفيًا.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: المعرفی ة الث قافی بید أن
إقرأ أيضاً:
الإعلام والإنتاج المحلي.. لماذا لا نزال نستورد “الملخاخ”؟
قبل سنوات، وتحديدًا في عام 2020م، تحدث السيد القائد عن قضية بدت للكثيرين حينها بسيطة، لكنها في الحقيقة كانت تحمل دلالات اقتصادية وتنموية عميقة، عندما أشار باستغراب إلى استمرار استيراد “الملخاخ” من الخارج، رغم بساطته وإمكانية تصنيعه محليا بسهولة. لم يكن الحديث عن “الملخاخ” بحد ذاته، إنما عن عقلية اقتصادية كاملة ما تزال تعتمد على الاستيراد حتى في أبسط المنتجات.
واليوم، وبعد ست سنوات، يعود الحديث عن الموضوع نفسه مجددا، وكأننا لم نتحرك خطوة واحدة إلى الأمام. وهنا يبرز السؤال المؤلم: لماذا لا نزال نستورد الملخاخ والصلصة والعديد من المنتجات البسيطة التي تستطيع المصانع والمعامل المحلية إنتاجها؟ ولماذا لم تتحول تلك التوجيهات إلى خطط عملية وبرامج تنفيذية تقود إلى الاكتفاء الذاتي التدريجي؟
كان من المفترض، بعد كل هذه السنوات، أن نكون قد تجاوزنا مرحلة استيراد المنتجات البسيطة، وأن ينتقل الحديث اليوم إلى توطين الصناعات الأكثر تعقيدا، مثل الصناعات الإلكترونية، والمعدات الزراعية، والآلات الثقيلة، وقطع الغيار، وغيرها من الصناعات الاستراتيجية التي تستنزف مليارات الدولارات سنويا من العملة الصعبة.
لكن المؤسف أن الواقع لا يزال يكشف استمرار الاعتماد الكبير على الخارج حتى في المنتجات الاستهلاكية البسيطة، وهو ما يعكس وجود خلل في الثقافة الإنتاجية، وضعفا في استثمار الفرص المحلية، وقصورا في تحويل التوجيهات والرؤى إلى مشاريع إنتاج حقيقية.
هنا يأتي دور الإعلام، ليس فقط كوسيلة لنقل الأخبار، إنما كأداة لصنع الحدث، وبناء الوعي الاقتصادي والإنتاجي. فالإعلام مسؤول عن تعزيز ثقافة العمل والإنتاج، وتشجيع المستهلك على دعم المنتج المحلي، وتسليط الضوء على النماذج الناجحة للمصانع والمعامل الوطنية، وكشف حجم النزيف الاقتصادي الناتج عن الاستيراد العشوائي.
الإعلام التنموي الحقيقي يجب أن يتحول إلى شريك في معركة الاقتصاد، من خلال إنتاج برامج وتقارير وحملات توعوية تشرح للمجتمع خطورة استمرار الاعتماد على الخارج، وتوضح كيف أن شراء منتج محلي، مهما كان بسيطا، يعني دعم فرصة عمل، وتحريك عجلة الإنتاج، وتقليل فاتورة الاستيراد، والحفاظ على العملة الصعبة داخل البلد.
كما أن الإعلام مطالب بتشجيع روح الابتكار والتصنيع المحلي، وإبراز الشباب والمبادرين الذين استطاعوا تصنيع منتجات محلية بديلة للمستورد، لأن بناء الوعي الإنتاجي لا يقل أهمية عن بناء المصانع نفسها.
إن استمرار استيراد “الملخاخ” ليس مشكلة منتج بسيط فقط، إنما مؤشر على أن معركة الإنتاج لم تتحول بعد إلى ثقافة عامة وسلوك اقتصادي شامل. فالدول لا تنهض بالاستهلاك، وإنما بالإنتاج، ولا تبني اقتصادها بالاعتماد على الخارج، بل بتشجيع الصناعة المحلية وتوطين التكنولوجيا والمعرفة.
اليوم نحن بحاجة إلى الانتقال من مرحلة الكلام عن أهمية الإنتاج إلى مرحلة العمل والإجراءات العملية، عبر دعم الصناعات الصغيرة، وتشجيع المستثمرين ورؤس الأموال للتوجه نحو توطين الصناعات الغذائية، وحماية المنتج المحلي، وربط الإعلام بالتنمية والاقتصاد، حتى لا نظل بعد سنوات طويلة نكرر الحديث نفسه عن “الملخاخ”، بينما العالم يتحدث عن الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة والتكنولوجيا الحديثة.
إن تخفيض فاتورة الاستيراد يبدأ من أبسط منتج نستطيع تصنيعه محليًا، وينتهي ببناء اقتصاد وطني قوي ومستقل، قادر على الصمود والنمو وتحقيق الاكتفاء الذاتي.