هجرة إسرائيلية متزايدة رغم تشديد القيود الأجنبية على التجنيس
تاريخ النشر: 28th, October 2025 GMT
القدس المحتلة- في ظل تصاعد الأزمات السياسية والاجتماعية داخل إسرائيل، وغياب الشعور بالاستقرار الأمني والاقتصادي، يتزايد سعي الإسرائيليين للحصول على جوازات سفر أجنبية والبحث عن فرص حياة خارج البلاد، حتى مع تشديد القيود التي تفرضها الدول الأجنبية على منح الجنسية والإقامة الدائمة.
لكن دولا، مثل الولايات المتحدة والبرتغال وبولندا ورومانيا وألمانيا وإيطاليا، لم تعد تمنح الجنسية بسهولة كما في السابق، إذ شددت جميعها المعايير القانونية والإجرائية، بحسب تقرير لصحيفة "ذا ماركر" الاقتصادية الإسرائيلية.
وعلى الرغم من ذلك، يواصل الإسرائيليون التقدم بطلبات التجنّس والهجرة بوتيرة متسارعة، في ظاهرة تعكس عمق أزمة الثقة بمستقبل الدولة العبرية وازدياد الرغبة في إيجاد بدائل معيشية أكثر استقرارا.
وشهدت دول عدة تشديدا ملحوظا في شروط منح الجنسية والإقامة، حيث ضاعفت البرتغال مدة الإقامة المطلوبة للحصول على جنسيتها إلى 10 سنوات وعدّلت برنامج "التأشيرة الذهبية"، وألغت ألمانيا المسار السريع للتجنس.
أما الولايات المتحدة فشددت إجراءات التحقق وأضافت معيار "حسن السيرة والسلوك"، في حين قلصت إيطاليا نطاق منح الجنسية لأحفاد المقيمين السابقين، وألغت إسبانيا وبرامج أوروبية أخرى التأشيرات الذهبية للمستثمرين.
وفي رومانيا، أصبح إتقان اللغة الرومانية شرطا أساسيا للحصول على الجنسية، ورفعت بولندا رسوم المعاملات بنسبة تتراوح بين 30 و40%.
تأتي هذه القيود وسط ارتفاع غير مسبوق في طلبات الإسرائيليين للهجرة والبحث عن بدائل خارجية منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة.
طفرة
يقول يوآف شطيرن، صاحب شركة متخصصة في مساعدة العائلات الإسرائيلية في الحصول على الجنسية الألمانية، إن عدد الطلبات ارتفع بشكل هائل منذ اندلاع الحرب الأخيرة. وأضاف "كأنهم ضغطوا زرا واحدا فانهالت الطلبات من كل اتجاه".
إعلانوتشير مكاتب أخرى إلى قفزة حادة في طلبات الحصول على الجنسيات الأجنبية خلال العامين الماضيين، بالتوازي مع ازدياد عدد الإسرائيليين الذين يغادرون البلاد لفترات طويلة.
لكن في المقابل، تواجه بعض المكاتب المتخصصة ركودا شبه تام بسبب القيود الجديدة في بلدان مثل رومانيا والبرتغال، التي جعلت مسار الحصول على الجنسية أكثر تعقيدا.
ففي رومانيا، أُدخل تغيير جذري على القوانين، من أبرزها اشتراط إجادة اللغة الرومانية (بمستوى B1)، وهو ما يعني التحدث والكتابة والقراءة بطلاقة. إلا أن معظم الإسرائيليين من أصول رومانية لا يتقنون اللغة، مما يجعلهم غير مؤهلين للتقديم دون استثمار وقت ومال كبيرين لتعلمها.
ويضيف شطيرن موضحا لصحيفة "ذا ماركر" أن "الوصول إلى المستوى المطلوب يستغرق وقتا طويلا، وكثيرون لا يستطيعون تحمل ذلك".
كما بدأت مولدوفا بدورها في اشتراط معرفة اللغة، مما يشير إلى اتجاه أوسع في أوروبا لتقييد منح الجنسيات أمام المتقدمين الجدد، بمن فيهم الإسرائيليون الباحثون عن مخرج أو بديل عن جواز سفرهم الحالي.
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصبحت اليونان وجهة أساسية لآلاف الإسرائيليين، ليس فقط كمستثمرين يسعون وراء العقارات والتأشيرات الذهبية، بل كمقيمين دائمين يبحثون عن ملاذ نفسي واجتماعي بعيدا عن التوترات التي يعيشها مجتمعهم منذ الحرب.
ويصف موفد صحيفة "هآرتس" إلى اليونان ومراسلها للشؤون الخارجية، يشاي هالبر، في تقرير موسع خلال رحلة بين أثينا وسالونيك، التحول الهادئ في خريطة الهجرة الإسرائيلية نحو اليونان على وجه الخصوص.
فمن الكتابات المعادية على الجدران إلى الانتقادات الحادة للعدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين، يقول هالبر "بات كثير من الإسرائيليين يشعرون بنفور اجتماعي واغتراب متزايد في الداخل والخارج على حد سواء".
وفي المقابل، أثار تزايد وجودهم في اليونان أسئلة جديدة في أوساط السكان المحليين واليهود اليونانيين حول الحد الفاصل بين النقد السياسي لإسرائيل ومعاداة اليهود، في مشهد يعكس التوترات الأخلاقية والسياسية التي فجرتها الحرب على غزة بالسابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وخلال العام والنصف الماضيين، ارتفع عدد طلبات "التأشيرة الذهبية" التي تقدم بها الإسرائيليون في اليونان بشكل لافت، مما جعل العقارات جزءا من قصة أكبر تتجاوز الاقتصاد إلى الهويات المتحركة والانقسامات النفسية داخل المجتمع الإسرائيلي بعد الحرب.
ويقول موفد "هآرتس" إن هذه الهجرة الصامتة نحو أثينا وسالونيك ليست مجرد بحث عن جنسية أجنبية أو منزل أو مشروع، بل "هي محاولة لإعادة تعريف الذات في ظل شرخٍ وطني وأخلاقي عميق أحدثته الحرب وغيّر ملامح الانتماء الإسرائيلي نفسه".
تشير التقارير الرسمية إلى أن السنوات الأخيرة شهدت قفزة نوعية في أعداد الإسرائيليين الذين يغادرون البلاد لفترات طويلة دون نية العودة، مقابل غياب أي خطة حكومية واضحة لمواجهة هذه الظاهرة التي تحولت إلى مؤشر اجتماعي وسياسي خطير على تراجع الثقة بالمنظومة الحاكمة والمشروع الصهيوني برمته.
إعلانوأظهر تقرير صادر عن "مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست" أن عدد الإسرائيليين الذين غادروا البلاد لفترات طويلة بين عامي 2020 و2024 تجاوز عدد العائدين إليها بنحو 145 ألفا و900 شخص، مما يعكس اتساع ظاهرة الهجرة المستمرة من إسرائيل خلال السنوات الأخيرة.
وشهدت إسرائيل خلال عامين 2022 و2023 ارتفاعا حادا في ميزان الهجرة السلبية، حيث تجاوز عدد المغادرين بكثير عدد العائدين إلى البلاد.
ففي عام 2022، غادر إسرائيل نحو 59 ألفا و400 شخص، بزيادة بلغت 44% مقارنة عن العام الذي سبقه، مما شكّل بداية منحى تصاعدي في معدلات الهجرة.
أما في عام 2023، فقد ارتفع العدد بشكل أكبر، إذ هاجر 82 ألفا و800 إسرائيلي، وعاد بالمقابل فقط 24 ألفا و200 شخص، وهو ما مثل اتساعا غير مسبوق في الفجوة بين المهاجرين والعائدين.
وتزايدت وتيرة المغادرة منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي فاقمت الشعور بعدم الاستقرار والخوف من المستقبل لدى قطاعات واسعة من الإسرائيليين.
وخلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024، واصلت الظاهرة منحاها التصاعدي، إذ هاجر قرابة 50 ألف إسرائيلي، بينما عاد نحو 12 ألفا فقط، مما يؤكد استمرار موجة الهجرة وتعمقها في المجتمع الإسرائيلي.
وبحسب معطيات "دائرة الإحصاء المركزية" الإسرائيلية، فقد غادر ما يقارب 79 ألف إسرائيلي بين رأس السنة العبرية لعام 2024 والعام 2025، وهو رقم يُعد من الأعلى في العقد الأخير.
وفي المقابل، نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن مصادر حكومية قولها إن إسرائيل لا تمتلك خطة واضحة لوقف موجة الهجرة المتزايدة أو لتشجيع المهاجرين على العودة، في وقت تتنامى فيه المخاوف من انعكاس هذه الظاهرة على البنية الديمغرافية والاقتصادية لإسرائيل.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات منذ اندلاع الحرب منح الجنسیة
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.