إن المشهد اليمني يمثل اليوم دليلاً ساطعاً على تحطم أوهام القوة المطلقة أمام صخرة الإرادة الصلبة لشعب مقاوم، حيث تكشفت عورات تحالف العدوان الصهيوأمريكي والسعودي والإماراتي بعد عقد من العدوان العسكري والحصار الاقتصادي الشامل.
لقد مُني هذا التحالف، الذي ضم قوى إقليمية وغربية، بهزيمة استراتيجية شاملة على الصعيدين السياسي والميداني أمام صمود الشعب اليمني وقيادته وجيشه.
هذه الهزيمة لم تقتصر على الفشل في تحقيق أي من أهداف الحرب المعلنة، بل تعمقت بشكل أكبر بعد الموقف اليمني التاريخي الذي أعلنه السيد القائد بالوقوف الكامل وغير المشروط إلى جانب غزة ودعم القضية الفلسطينية بكل المجالات منذ انطلاق طوفان الأقصى. إن وجود اليمن وشعبه وقيادته على الساحة في مناصرة غزة قلب الموازين الإقليمية والدولية.
ومع عجز قوى العدوان عن مواجهة القوات المسلحة اليمنية مباشرة في البحر والبر، خاصة بعد العمليات النوعية التي استهدفت الملاحة المرتبطة بالعدو، لجأ هذا التحالف إلى تصعيد عسكري مباشر بتحالف غربي جديد بقيادة أمريكا وبريطانيا وإسرائيل.
لكن هذا التحالف، بكل ما يمتلك من قوة عظمى وتكنولوجيا متقدمة، فشل فشلاً ذريعاً في كسر الإرادة اليمنية أو وقف عمليات الإسناد لغزة. هذا الفشل المتكرر، الذي يمثل هزيمة عسكرية واستراتيجية أمام قوة يمنية غير تقليدية، دفع العدوان إلى الانتقال إلى مستوى جديد من الحرب القذرة؛ وهو المجال الاستخباراتي والتجسسي.
لقد تمثل اللجوء إلى هذا المجال في التشكيل والتمويل المكثف لشبكات تجسسية وخلايا تجسس داخل اليمن، يتم إدارتها وإسنادها بإشراف مباشر من الإدارة الأمريكية والإسرائيلية، وتنفذها أدوات سعودية وإماراتية، بهدف جمع المعلومات وتعطيل القدرات الوطنية والإرباك الداخلي. لكن بفضل الجهود الجبارة لوزارة الداخلية وقوات الأمن اليمني، أفراداً وضباطاً وقادة، وبفضل اليقظة الأمنية المتصاعدة في كافة المجالات، يتم وبشكل متواصل كشف هذه الشبكات والخلايا التجسسية وضبطها، والإعلان عن تفاصيلها في وسائل الإعلام، مما يمثل هزيمة استخباراتية تضاف إلى رصيد الهزائم العسكرية والسياسية للعدوان. إن هذا الفشل في التجسس والخرق الأمني يؤكد حقيقة ثابتة يجب أن يدركها العدوان .لا يمكن لأي قوة على وجه الأرض أن توقف إرادة وآمال شعب مقاوم، يمتلك عقيدة صلبة في الحرية والاستقلال دون أي وصاية، وتتوحد إرادته القوية لتحقيق مطالب شعوب المقاومة الحرة حتى يتحقق التحرير الكامل للقدس وفلسطين بقوة الله وعونه.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود