رخصة قيادتك ربما لم تعد صالحة مدى الحياة
تاريخ النشر: 20th, November 2025 GMT
يدور الجدل حاليا داخل أوروبا حول إنهاء نظام رخصة القيادة مدى الحياة باعتباره تحولا جوهريا في النظرة إلى مفهوم القيادة نفسه، إذ لم تعد تصنف حقا ثابتا يُكتسب مرة واحدة ويحتفظ به إلى الأبد، بل مسؤولية اجتماعية متغيرة تستدعي تقييما دوريا.
وأشار تقرير لصحيفة لوموند الفرنسية -بعنوان "القيادة ليست حقا مطلقا، بل مسؤولية جماعية"- إلى أن المشكلة الأساسية لا تكمن في وجود سائقين كبار في السن، بل في عدم إدراكهم لتدهور قدراتهم على القيادة، لأن التراجع الصحي يحدث تدريجيا، وربما لا يكون السائق يعي أثره على قدرته على اتخاذ القرار أو التعامل مع مواقف الطوارئ.
وهذا الانخفاض في الكفاءة غير الملحوظ يتسبب في عدد معتبر من الحوادث، وفق تقديرات خبراء السلامة المرورية، وهو ما جعل فكرة الرخصة مدى الحياة تبدو أقل ملاءمة لواقع أوروبي تتغير فيه البنية العمرية بسرعة.
تتركز أطراف النقاش على البعد الصحي، والتفاوت التشريعي الكبير بين دول الاتحاد الأوروبي، ففي حين تفرض بعض الدول فحوصا طبية منتظمة على السائقين بدءا من سن معينة، تسمح أخرى باستمرار القيادة دون أي تقييم دوري، وهو ما أحدث فجوة تشريعية داخل فضاء واحد يفترض أن يقوم على معايير مشتركة للسلامة.
وقد جعل هذا التباين رخصة القيادة أداة غير منسقة بين الدول الأعضاء، وأضعف فعالية السياسات الأوروبية في الحد من الحوادث.
وتشير الصحيفة إلى أن الدعوة لإنهاء الرخصة غير المحدودة تأتي استجابة لضغط متواصل من منظمات السلامة المرورية التي ترى أن غياب التقييم الدوري يعرض للخطر، ويجعل من الطرق الأوروبية مساحات مفتوحة أمام سائقين من المحتمل أن يكونوا قد فقدوا جزءا من قدراتهم الأساسية.
إعلانويبرز التقرير خطورة أخرى تتعلق بالتطور التكنولوجي في السيارات الحديثة، الذي أسهم في زيادة شعور بعض السائقين بالاطمئنان المفرط، فمع اعتماد المركبات أنظمة مساعدة ذكية، بات بعض السائقين يعتمدون اعتمادا كبيرا عليها لتعويض نقص القدرات البشرية، وهو ما يجعل أي خلل صحي، في أثناء القيادة، أكثر خطورة لأن السائق ربما لا يدرك حدود ما يمكن للتقنيات أن تقدّمه في لحظات الأزمة.
وتؤكد لوموند أن أحد الأسباب التي دفعت المفوضية الأوروبية لطرح الإصلاح هو تنامي الحوادث التي يظهر فيها بوضوح أن السائق لم يعد يمتلك القدرات الذهنية أو البصرية الضرورية، رغم امتلاكه رخصة سارية لسنوات طويلة.
ومن هنا جاءت فكرة فحص الأهلية بشكل دوري باعتباره إجراء وقائيا لا عقابيا، يساعد السائق نفسه ويحمي الآخرين في آن واحد، وهو ما يمهّد لإعادة تعريف العلاقة بين السائق والطريق، بحيث تصبح القيادة مرتبطة بمسؤولية جماعية تتجاوز الفرد وتخضع لمعايير تقييم واضحة.
يشكّل الإصلاح القانوني الجديد الذي تبناه الاتحاد الأوروبي بشأن رخصة القيادة منعطفا حاسما في مسار تحديث التشريعات المرورية داخل القارة، إذ يهدف إلى إنشاء منظومة موحدة للعقوبات وضمان ألا يفلت السائقون من تبعات المخالفات مثلما كان يحدث سابقا بسبب التفاوت القانوني بين الدول.
فحسب تقرير يورونيوز، كان أحد أبرز التحديات التي واجهت أوروبا لسنوات طويلة يتمثل في قدرة السائقين الممنوعين من القيادة في بلد ما على مواصلة استخدامها داخل دول أخرى دون أي قيود تُذكر، مما جعل الحدود الداخلية للاتحاد تتحول عمليا إلى ثغرة قانونية تسمح بحدوث مخالفات خطيرة لها تبعات مباشرة على السلامة العامة.
ينطلق الإصلاح الجديد من مبدأ حاسم يتمثل في أن العقوبة المرورية يجب أن تكون ذات أثر شامل داخل كامل الاتحاد الأوروبي، فابتداء من دخول التشريع حيّز التنفيذ، سيصبح أي قرار يتعلق بسحب الرخصة أو تعليقها أو حتى منع مؤقت من القيادة قرارا نافذا في جميع الدول الأعضاء دون استثناء، إذ سترسل المعلومات فورا عبر نظام أوروبي موحد لتبادل البيانات مع ضمان وصولها إلى السلطات المختصة كافة.
ويعالج هذا التحول القانوني، الذي تأجل تطبيقه لسنوات بسبب الخلافات التقنية والقانونية، جميع أنواع المخالفات والفوضى المرورية داخل الاتحاد الأوروبي.
ويهدف هذا الإصلاح إلى التعامل مع العقوبات من زاوية الردع القوي، إذ يُدرجها ضمن تصور أوسع يربط بين السلامة المرورية والعدالة القانونية.
في الماضي، كانت الحوادث الخطيرة التي يرتكبها بعض السائقين، سواء بسبب القيادة تحت تأثير الكحول أو السرعة المفرطة أو التهور، تنعكس على بلد واحد فقط بينما لا تمنعهم القوانين من القيادة في بلدان أخرى، وهو ما أدى -وفق تقرير ليورونيوز- إلى حوادث دامية كان يمكن تجنبها لو كانت الأنظمة الوطنية مترابطة فعليا.
وبموجب النظام الجديد، لم يعد بإمكان أي سائق خسر رخصته في مدريد مثلا أن يقود في باريس أو برلين أو روما، لأن العقوبة أو حتى التجريد من الرخصة أصبحت قرارا أوروبيا موحدا.
إعلانوإلى جانب توحيد العقوبات، يتضمن الإصلاح تحديثا عميقا لآلية إدارة قواعد البيانات، فالاتحاد اعتمد منصة مطوّرة تربط وزارات النقل والشرطة ومراكز الرخص في الدول الأعضاء، وتسمح بالتحقق الفوري من حالة أي سائق، بما في ذلك سوابقه القانونية ونقاط المخالفات المسجلة عليه.
وقد وصفت يورونيوز هذه الخطوة بأنها ثورة هادئة، ستمنع التلاعب الذي كان يحدث باستخراج رخص متعددة أو استخدام ثغرات مرتبطة بتعدد اللغات أو الأنظمة الإدارية.
كما ستسهم المنصة في تسريع تبادل القرارات القضائية بين الدول، خاصة في الحالات التي تتعلق بحوادث مميتة أو مخالفات خطيرة تستدعي إجراءات عاجلة.
حسب بيان رسمي لمجلس الاتحاد الأوروبي، فإن النقاش حول مستقبل تعليم القيادة في القارة لم يعد منفصلا عن النقاش العام حول إنهاء الرخصة مدى الحياة، ولكنه أصبح أحد محاوره الأساسية.
فالقناعة الأوروبية الجديدة ترى أن إصلاح رخصة السياقة يبدأ من نقطة البداية نفسها: أي اللحظة التي يدخل فيها الشاب إلى عالم القيادة، وما يرافق ذلك من تقييم تربوي وسلوكي وصحي يؤسّس لمسار طويل من التزام قواعد السلامة.
ويشير البيان الأوروبي إلى أن تشديد نظام العقوبات وتوحيدها بين الدول الأعضاء سيجعل تدريب الجيل الجديد على القيادة الآمنة ضرورة ملحة، لأن السلوكيات الخطيرة أو المتهورة التي كانت تعامل سابقا ضمن إطار محلي باتت الآن تراقب أوروبيا وتترتب عليها عواقب مشتركة داخل كافة بلدان الاتحاد.
ويتجلى التحول الأبرز في إعادة تعريف مفهوم تعليم القيادة بحيث لم يعد مقتصرا فقط على إجادة التحكم بالسيارة، ولكنه أصبح يشمل مجموعة واسعة من المهارات المرتبطة بالسلامة، مثل تقدير المخاطر، والانتباه للبيئة المحيطة، وفهم الأنظمة الرقمية الحديثة داخل السيارة، إضافة إلى القدرة على اتخاذ القرارات السريعة في الظروف الطارئة.
وتعمل المفوضية الأوروبية، وفق توجهات الإصلاح، على إدخال وحدات تربوية جديدة في مدارس تعليم السياقة تتعلق بالقيادة الصحيحة والتعامل مع المشاة والدراجات، والقيادة الليلية، وهي كلها عوامل أظهرت الإحصاءات أنها تلعب دورا محوريا في نسب حوادث السائقين الجدد.
ويحتل عنصر السن دورا مركزيا في النقاش، إذ تتجه دول عدة -مثل ألمانيا وإسبانيا ودول البلطيق- إلى اعتماد نموذج يسمح للشباب بقيادة السيارة ابتداء من سن 17 عاما شرط وجود مرافق مؤهل.
وينظر إلى هذا التوجه كتجربة أصبحت اليوم مطروحة على أجندة الإصلاح الأوروبي، باعتباره وسيلة لتكوين خبرة مبكرة تحت إشراف مباشر، وهو ما تؤكد الدراسات أنه يخفض نسبة الحوادث عند حصول السائق على رخصة كاملة في سن 18 عاما.
غير أن الجدل لم يختف بعد، فهناك دول تعارض هذا النموذج خشية زيادة الضغط على شبكات الطرق أو تعزيز الثقة الزائدة لدى السائقين اليافعين، بينما يرى مؤيدوه أنه يملأ فجوة عملية بين النضج القانوني والمهارة الفعلية.
ختاما، تقدم التجربة الأوروبية درسا مهما للعالم العربي الذي يحتاج كثير من بلدانه إلى تحديث نظام رخص القيادة وربطه بفحوصات دورية ومعايير موحدة لضمان سلامة الطرق.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات الاتحاد الأوروبی السلامة المروریة الدول الأعضاء مدى الحیاة بین الدول وهو ما لم یعد
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.