فيلم «القيمة العاطفية»: جماليات التعبير السينمائي تعكس أزمات الذات والآخر
تاريخ النشر: 7th, December 2025 GMT
طاهر علوان -
في الحياة كما على الشاشة تبرز الشخصية كعنصر أساس في الأحداث وفي الدراما وفي تأسيس المواقف وطرح وجهات النظر والأفكار. إنها المنتجة لتلك الكثافة التعبيرية والوعي والنفاذ إلى الحقائق كل بطريقته الخاصة.
ولأن الشخصية بصفة عامة تعيش روتينها اليومي فإن براعة السينمائي في كيفية تحويل ذلك الروتين اليومي إلى قيمة درامية وجمالية مبتكرة ومؤثرة، النظر إلى حياة الشخصية ومسارها ويومياتها على أنها تلك خواص غامضة وعميقة وغير مكتشفة وغير ظاهرة على السطح من هنا ندرك الخط الفاصل ما بين ركام الأفلام التي نشاهدها حلال السنوات الأخيرة والتي تعجز أدواتها عن سبر أغوار الشخصية وبالبقاء على السطح والهامش في مقابل ندرة من الأفلام التي تبتكر وتجدد وتحافظ على الجودة وهو ما نبحث عنه على الدوام.
ها هو المنزل البسيط الذي تعيش فيه الاختان نورا- قامت بالدور رينيت رينسيف واغنيس- قامت بالدور انكا ليلياس، هنا ثمة حياة كاملة ضاربة جذورها بعمق في وعي ولا وعي الشخصيات وفي ماضيها وفي إرباكات الطفولة ابتداء من ذلك الجدل الحاد والصراخ ما بين الأب ــ السينمائي والأم الطبيبة النفسية والذي ينتهي بعودة الأب إلى بلده السويد فيما تمكث العائلة في البيت القديم في النرويج، المنزل بوصفه الوحدة المكانية الأساسية يتحول إلى مسرح أو صالة عرض للشخصيات وخاصة بالنسبة لنورا الأكثر حساسية وتمردا وجموحا. سوف تتعمق عقدة غياب الأب بالنسبة للفتاتين وخاصة بالنسبة لنورا، ربما سنحيلها إلى عقدة اليكترا مثلا لكننا لن نحيد عن تلك النظرة العميقة للذات والأشياء لاسيما وان غياب الأب وذكريات الطفولة غير السارة لن تحول دون وقوف نورا على المسرح وفيما جمهور حاشد بانتظار إطلالتها على المسرح لتنتابها حالة من الذعر ويستعصي عليها التنفس، كان توقيت هذا المشهد في الربع ساعة الأولى من الفيلم الممتد لأكثر من ساعتين لكنه كان كافيا لحبس أنفاسنا وتفاعلنا مع حالة شبه الانهيار للممثلة البارعة.
لقد صرنا مع توالي السرد الفيلمي أمام ثنائية الأختين، الوجهين العاطفيين المختلفين، نورا بشخصيتها الحادة والمنفعلة والصريحة في مقابل اغنيس الوديعة الهادئة التي تجاوزت أزمات الطفولة وتزوجت وانجبت طفلا وهو ما يلتقطه الأب وهو يحاور نورا.
وها هي اغنيس تمضي إلى ما هو أبعد بتمثيل دور في فيلم من إخراج والدها لكن نورا سوف ترفض فيلما كاملا مكرسا لها من إخراج والدها أيضا، وليتكامل الثلاثي الأنثوي بحضور راشيل ــ تقوم بالدور الممثلة ايل فاننك، التي سوف يرشحها الاب ــ المخرج غوستاف بورغ بدلا عن نورا لكنها تهوي إلى قاع الشخصية وتعيش محنتها وتنهار باكية وتتمثل أدق أحاسيسها لتدرك أخيرا أن السيناريو مكتوب لنورا وليس لأي شخص آخر ولهذا تنسحب معتذرة.
يمزج المخرج ببراعة بين الأزمة ويقطع الأحداث ويتنقل بين الأزمنة ويصدمنا بالتحولات في نوع من التكامل البصري والفكري الذي يجعل المشاهد يقظا متفاعلا لأكثر من ساعتين، وخلال ذلك يستخدم زوايا كثيرة جدا ومستويات تصوير وطبقات إضاءة في مزيج فريد عزز البناء الدرامي ووظف السرد الفيلمي وكأنه نسق روائي جدير بالقراءة والتأمل.
لقد حظي الفيلم باهتمام كبير من طرف النقاد لا سيما بعد النجاح الذي حققه في مهرجان كان السينمائي في دورته الأخيرة، وفي هذا الصدد يقول الناقد برايان تاليريكو في موقع روجر ايبيرت « انه منزلٌ عائليٌّ تفتح أبوابه على جهدٌ جبارٌ في الأداء. هنا التاريخ، والذاكرة، والتعبير، والفن، والصدمة - كلها منسوجةٌ في دراما المخرج ترير الآسرة، فيلمٌ يُذكرنا بانغمار بيرغمان أكثر من أي فيلمٍ آخر صنعه حتى الآن. إنه فيلم يتسلل إليك كخيال عظيم، يمزج بين الموضوع والشخصية بطريقة تسمح له بالعيش في ذهنك بعد مشاهدته، متسائلاً عما يعنيه لكل من الشخصيات وحياتك الخاصة.
استطيع أن أقول أن هذا الفيلم هو إنجازٌ في الأداءِ وكتابةِ السيناريو، فضلا عن ضرورة الإشادةِ بالتصويرِ السينمائيِّ السلسِ لكاسبر توكسين والمونتاجِ المثاليِّ لأوليفييه بوج كوتيه. يتعاون المخرج ترير معهم لإضفاء زخم سينمائي قوي لأكثر من ساعتين، مانحًا الفيلم لغة بصرية واثقة دون لفت الانتباه إليه بشكل مبالغ فيه».
أما الناقد ريتشارد كوهيل فيكتب في موقع اوكسفورد أس فيقول « هذا الفيلم هو أحد هذه الجواهر الخفية. بعد نجاح فيلمه الروائي الطويل الأخير، والذي رُشِّح لجائزة الأوسكار، «أسوأ شخص في العالم»، أعاد المخرج ترير كلاً من الكاتب المشارك إسكيل فوغت والممثلة الرئيسية رينات راينسفي إلى دراما جديدة.
تكمن قوة فيلم في الصورة الدقيقة والمعقدة لأبطاله الأربعة.
يتميز أداؤهم بدقة متناهية تجبر المشاهد على الانتباه جيدًا للغة الجسد وتعابير الوجه، مما يعني أن الفيلم ينغمس تمامًا في أحداثه.
إنه فيلمٌ دقيقٌ وعميقٌ، نجح في تجسيد ديناميكيات شخصياته المعقدة بشكلٍ آسرٍ.. يُظهر الفيلم أن التنفيذ الدقيق والسيناريو المُحكم هما كل ما تحتاجه لسرد قصصٍ آسرة. في وقتٍ تُراهن فيه هوليوود بشكلٍ متزايد على الكمّ على الكيف، يحتاج المشاهدون إلى بذل قصارى جهدهم لدعم أصواتٍ بديلةٍ مثل صوت ترير لضمان استمرارية صناعة الأفلام المستقلة».
هذه الخلاصات المهمة تعطينا صورة تعود لمجد السينما الإسكندنافية والسويدية تحديدا على يد المخرج الكبير انغمار بيرغمان وروائعه وتحفه السينمائية الخالدة، وتجد في هذا الفيلم امتدادا وبعضا من تلك الخميرة، خميرة الصنعة والإتقان والمهارة في رسم المسارات الدرامية والبناء السردي والحبكات الثانوية. هنا الشخصيات تعيش ذاتها كما هي وأزماتها بلا ضجيج، تعابيرها كافية ونظرة العين تختصر الكثير من الحوارات.
خلال ذلك هنالك معطيات غزيرة من الناحية الفكرية والجمالية، وهنالك محنة الإنسان، التوالي المر للذاكرة الحزينة ، غوستاف ــ الأب شابا وهو يواجه عاصفة موت الأم أو انتحارها، صفحات من أيام الحرب العالمية الثانية، أرشيف يكفي لتطلع عليه اغنيس وليس نورا لأنها لو اطلعت عليه لزادت الأزمات تفاقما.
المخرج ترير لا يكتفي بسرد الحكاية وتقديم الشخصيات بل انه يجد القواسم المشتركة الإنسانية العميقة، الإحباط والحزن والأنانية والشك والخوف والعزلة كلها تحتشد وتحوم حول الشخصيات وحيث تتناغم الشخصيات في تلك الدائرة مع انها وهي في اكثر المشاهد تصعيدا وفي اشد مواقف الشخصيات سخطا ما تلبث أن تعود إلى سيرتها الأولى، تحن إلى الماضي الأجمل ومثال ذلك كلمات معدودة من اغنيس لأختها، «إنك بعد رحيل أمي غسلت لي شعري ومشطتيه وأخذتني إلى المدرسة» ليؤسس لمشهد شديد العاطفية بين الأختين وهما في ذروة أزمتهما مع الأب ليجدا أن الحل يمكن أن يكون بالرضا والتسامح وترك عجلة الحياة تدور.
سيناريو وإخراج: يواكيم ترير
شارك في كتابة السيناريو: ايسكيل فوكت
تمثيل: رينيت رينسيف في دور نورا، ستيلان سكارغارد في دور الأب ــ المخرج غوستاف بورغ، انكا ليلياس في دور الشقيقة اغنيس، ايل فاننك في دور راشيل
مدير التصوير: كاسبر توكسين
موسيقى: هانيا راني
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: هذا الفیلم فی دور
إقرأ أيضاً:
17.57 مليار يورو القيمة السوقية لمنتخبات كأس العالم 2026
ارتفعت القيمة السوقية لمنتخبات كأس العالم 2026 إلى 17.57 مليار يورو قبيل أيام من انطلاق منافسات البطولة العالمية المقررة خلال الفترة من 11 يونيو الجاري إلى 19 يوليو المقبل في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك.
ومع اكتمال قائمة المنتخبات الـ48 المشاركة في النسخة الأولى من المونديال بالنظام الجديد، والمقسمة إلى 12 مجموعة تضم كل منها 4 منتخبات، ارتفعت القيمة السوقية الإجمالية للمنتخبات المشاركة إلى 17.57 مليار يورو مقارنة بـ17.27 مليار يورو نهاية مايو الماضي.
وحسب موقع "ترانسفير ماركت" المتخصص في الأرقام والإحصائيات، تصدر المنتخب الفرنسي، وصيف بطل العالم 2022، قائمة أعلى منتخبات البطولة قيمة تسويقية بإجمالي 1.53 مليار يورو، متقدماً على المنتخب الإنجليزي الذي بلغت قيمته 1.31 مليار يورو، ثم المنتخب الإسباني ثالثاً بقيمة 1.26 مليار يورو.
وجاء المنتخب البرتغالي في المركز الرابع بقيمة سوقية بلغت 1.02 مليار يورو، فيما احتل المنتخب الألماني المركز الخامس بقيمة 998 مليون يورو، يليه المنتخب البرازيلي سادساً بقيمة 912.2 مليون يورو.
وحل المنتخب الهولندي سابعاً بقيمة 837.2 مليون يورو، متقدماً على المنتخب الأرجنتيني حامل اللقب الذي بلغت قيمته 818.5 مليون يورو، في المركز الثامن، فيما جاء المنتخب النرويجي تاسعاً بقيمة 601 مليون يورو، والمنتخب البلجيكي عاشراً بقيمة 542.9 مليون يورو.
وعلى مستوى المنتخبات الأفريقية، تصدر منتخب كوت ديفوار القائمة بقيمة سوقية بلغت 530.9 مليون يورو، ليحتل المركز الـ11 عالمياً بين المنتخبات المشاركة، متقدماً على المغرب الذي جاء في المركز الـ13 بقيمة 488.2 مليون يورو، والسنغال في المركز الـ14 بقيمة 472.9 مليون يورو، ومنتخب تركيا في المركز الـ12بقيمة 494.2 مليون يورو.
وكان المنتخب المغربي الأعلى قيمة تسويقية بين المنتخبات العربية المشاركة في كأس العالم 2026، بإجمالي 488.2 مليون يورو، في المركز الـ13 عالمياً، متقدماً على المنتخب الجزائري الذي حل ضمن قائمة المنتخبات الأعلى قيمة في القارة الأفريقية بـ257.6 مليون يورو، و24 عالمياً.
وأظهرت البيانات استمرار هيمنة المنتخبات الأوروبية على قائمة الأعلى قيمة تسويقية، حيث شغلت 8 منتخبات أوروبية المراكز العشرة الأولى، باستثناء المنتخب البرازيلي ونظيره الأرجنتيني من القارة اللاتينية.