تحالف تأسيس في السودان نموذجاً لتآلف وائتلاف الفكرة والفعل
بقلم عمر البشاري

انطلاقاً من أطروحة يوفال نوح هراري في كتابه «العاقل»، يمكن فهم التاريخ البشري بوصفه تاريخاً للقصص المشتركة بقدر ما هو تاريخ للقوة المادية.
فالبشر – كما يذهب هراري – لم ينتصروا لأنهم الأقوى جسدياً (هزيمة الدعم السريع وعجزه المؤسسي والإداري قبل بناء تحالف تأسيس باعلانه السياسي ودستوره الانتقالي يقف شاهدا على هذا ) ، بل لأنهم أتقنوا بناء
«واقع متخيل» تتشاركه أعداد هائلة من الناس.


من الدين، إلى الدولة، إلى المال، إلى الشركات، كلها كيانات لا تقوم على المادة وحدها، بل على الإيمان الجمعي بسرديات وأساطير تمنحها الشرعية والمعنى.
وبهذا الواقع المتخيل أصبح التعاون واسع النطاق ممكناً، وتحول التاريخ من مجرد صراع عسكري إلى تاريخ أفكار ومرويات صدقها الناس وصنعت مؤسسات حكمت حياتهم.

من هذا المنظور، فإن المنظومات الاجتماعية والاقتصادية (كالشركات) والسياسية (كالدول) لا تقوم في جوهرها إلا على (السرديات والأساطير المؤسسة) وعندما تفقد هذه السرديات قدرتها على الإقناع، تبدأ المؤسسة في التفكك، حتى وإن ظلت مبانيها قائمة لبعض الوقت.

هذا بالضبط ما يبدو واضحا للعيان في السودان
أن السردية القديمة للدولة السودانية – تلك التي جمعت الناس وأوعت تنوعهم في مرحلة تاريخية سابقة – لم تعد صالحة.
لقد فقد الناس إيمانهم بها، وتداعت في العقول والقلوب قبل أن تتداعى في الواقع المادي.
انهارت أولاً في الوعي، ثم بدأت تتهاوى رموزها:

(القصر الجمهوري) رمز السيادة،
(الجيش) ، الذي كان عمود الدولة، فتلاشى دوره وتحللت مكانته، وحلت محله عُصب المليشيات.

لم يعد الجيش مركزاً موحداً للشرعية والقوة، بل صار محاصراً بتكوينات مسلحة مثل (المشتركة) و(البراؤون) و(والدراعة) إلى درجة أن جنرالات كباراً – كالكباشي، الرجل الثاني في هرم السلطة العسكرية – باتوا عاجزين عن الظهور العلني، وفي حالة من الحيرة والارتباك حول ما يجب أن يكون.

أما (البرهان) ، الرجل الأول في الدولة والجيش معا ، فيتقلب فجراً وعشية بين المواقف السياسية ، فيتقافز بلا وزن ولا قيمة سيادية، بين عروش الملوك وكراسي الرؤساء، يتلقى الإملاءات من الخارج قبل الداخل… وينظر إلى ما في أيدي الناس لفراغ ما بين يديه والسبب واضح: الجميع يعلم أنه يقف على رأس دولة ضعيفة، مفككة، توشك على السقوط والانهيار، رجل مسلوب الإرادة، بلا قرار حقيقي… ولا حتى رؤية وفكر.

أمام هذا الفراغ، لا يكفي ترميم المؤسسات أو إعادة إنتاج الخطاب القديم.
ما نحتاجه اليوم هو (أساطير جديدة) ، و(صمغ مختلف) ، يعيد لصق مكونات الشعوب السودانية تحت مظلة نظام جديد، وسردية جديدة قادرة على الإقناع والتعبئة وبناء الشرعية.

حتى الآن، تبدو (أسطورة التأسيس) – بدستورها العلماني، ودعوتها للفدرالية، وتمسكها بالديمقراطية – هي البديل الأكثر توافقاً مع أحلام الناس، وواقعية وبراغماتية مع رغبتهم العميقة في بناء دولة حديثة عادلة، لا دولة غنيمة ولا سلطة سلاح.
ومن هنا تأتي خطورة وجدية تحالف تأسيس إذ نقل الدعم السريع من مجرد آلة للعنف المجرد العاري من القيمة والمعنى إلى آلية للعنف تقنن وتشرعن نفسه عبر هندسة للفكرة وبناءا لمشروع يتحالف فيه السلاح كأداة للعنف والاخضاع مع الرؤية التي تمنحه المشروعية الأخلاقية والمنطقية لتحقيق مايريد
فالمعركة في جوهرها ليست فقط على الأرض والسلاح، بل على( السردية)
أي قصة سنصدقها معاً؟
وأي دولة نريد أن نتخيلها، حتى تصبح ممكنة في الواقع؟
ويبدو أن تحالف الدعم السريع (العنف) مع الحركة الشعبية(الفكرة) تحت مظلة (تأسيس) يسعى إلى تحقيق هذه الغاية ومن هنا ينبغي النظر إليه بمحمل الجد بعيدا عن الاستهتار الذي يسود الآن….

الوسومالفعل الواقع المتخيل تحالف تعاون واسع النطاق عمر البشاري نموذجاً لتآلف وائتلاف الفكرة

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: الفعل تحالف

إقرأ أيضاً:

السفير المصري بجوبا يؤكد دعم القاهرة الكامل لبعثة الأمم المتحدة بجنوب السودان

استقبلت أنيتا كيكي جبيهو، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان (UNMISS)، السفير حازم ممدوح فوزي، سفير مصر لدى جنوب السودان، وذلك بمناسبة توليها مهام منصبها الجديد، في تأكيد جديد على التزام مصر بدعم جهود السلام والاستقرار في جنوب السودان.

وخلال اللقاء، حرص السفير المصري على تقديم التهنئة للسيدة جبيهو بمناسبة تعيينها رئيسة لبعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، متمنياً لها التوفيق والنجاح في أداء مهامها خلال المرحلة المقبلة، التي تشهد تحديات مهمة على صعيد دعم مسيرة السلام وتعزيز الاستقرار والتنمية في الدولة الأفريقية الشابة.

وأكد السفير حازم ممدوح فوزي حرص مصر على مواصلة التعاون والتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، مشدداً على استعداد السفارة المصرية والبعثة المصرية في جوبا لتقديم كافة أشكال الدعم الممكنة لإنجاح مهمة البعثة الأممية وتحقيق أهدافها الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار وتعزيز جهود بناء السلام.

وأشار إلى أن مصر تولي أهمية خاصة لاستقرار جنوب السودان باعتباره أحد ركائز الأمن والاستقرار في منطقة حوض النيل وشرق أفريقيا، مؤكداً استمرار القاهرة في مساندة مؤسسات الدولة الجنوب سودانية ودعم جهود التنمية وبناء القدرات، إلى جانب دعم المبادرات الدولية والإقليمية الهادفة إلى تحقيق السلام المستدام.

من جانبها، أعربت أنيتا كيكي جبيهو عن تقديرها للدور المصري الفاعل في جنوب السودان، وللدعم الذي تقدمه القاهرة في مختلف المجالات، مؤكدة أهمية التعاون مع الشركاء الدوليين والإقليميين، وفي مقدمتهم مصر، لتعزيز جهود البعثة الأممية في تنفيذ ولايتها وتحقيق تطلعات الشعب الجنوب سوداني نحو الأمن والاستقرار والتنمية.

ويأتي هذا اللقاء في إطار التنسيق المستمر بين مصر والأمم المتحدة بشأن دعم عملية السلام في جنوب السودان، بما يعكس الدور المصري النشط في مساندة الاستقرار الإقليمي وتعزيز الجهود الدولية الرامية إلى ترسيخ الأمن والتنمية في القارة الأفريقية.

التوسع في فروع الجامعات المصرية في القارة الإفريقية إيمان كريم: الشراكات والابتكار ركيزتان أساسيتان لبناء أفريقيا أكثر دمجاً للأشخاص ذوي الإعاقة الأمم المتحدة: عنف المستوطنين بالأراضي الفلسطينية بلغ مستويات غير مسبوقة

مقالات مشابهة

  • سيتروين C5 اير كروس 2026 تباع بهذه المواصفات .. تحالف استراتيجي بين ميتسوبيشي ونيسان لإطلاق شاحنة جديدة
  • السفير المصري بجوبا يؤكد دعم القاهرة الكامل لبعثة الأمم المتحدة بجنوب السودان
  • من الفكرة إلى التطبيق.. طلاب جامعة الجلالة يصممون نظامًا متطورًا لمحاكاة الرنين المغناطيسي
  • ﺗﺼﺎﻋﺪ اﻟﺤﺮب اﻷﻫﻠﻴﺔ ﻓﻰ اﻟﺴﻮدان.. و»اﻟﺒﺮﻫﺎن« ﻳﻄﺎرد اﻟﻤﺮﺗﺰﻗﺔ
  • حسني بي: الثروة يجب أن تصل إلى المواطن نقدا لا إلى المهرب سعرًا
  • "رحلة العائلة المقدسة في الفن العالمي".. بالعدد الجديد من مجلة "مصر المحروسة"
  • رهاب العلمانية!
  • مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف
  • تحالف استراتيجي بين ميتسوبيشي ونيسان لإطلاق شاحنة جديدة
  • تحالف الجنرالات.. الحرس الثوري يستكمل السيطرة على إيران من الداخل