اذا حقق الدعم السريع انتصار في الحرب سيقوم بإبادات جماعية على أساس العرق
تاريخ النشر: 4th, September 2023 GMT
” في ناس عاوزننا نموت هسع عشان ما نموت بعدين”
لقائلِه.
في بداية الحرب قد تكون ملتبسة الأماني/التوقعات المثالية/التطلعات/التفاؤل بإمكانية الخروج بأعظم المكاسب و أقل الأضرار بي أنسب السبُل (سبيل السلمية وإيقاف الحرب بأي شكل وبأي شروط وحتى بدون شروط)، ودي حاجة مفهومة في ظل حدث بي ضخامة وبشاعة ومأساوية الحرب.
لكن بعد مرور خمسة شهور و اللي إتجلى فيها الظهور الاشد قتامةً لمليشيات الجنجويد بي وجهها الإرهابي، و وضوح الطبيعة الوحشية الأكثر إلتصاقاً بي بنيتها الداخلية، وتبيان العقل الجمعي الضابط لي عقيدتها القتالية، و مركزية الغنيمة المحفزة لعملها الإجرامي، كل دا بإستمرار وتتابع -بدون إنقطاع- في الخرطوم ودارفور و بعض مناطق كردفان، بالتدريج من الأخف للأفظع للأفدح للأعظم فداحةً من تهديد وإحتلال منازل ثم سرقة ونهب ثم إعتقالات وتعذيب ثم إغتصاب ثم قتل ثم أخيراً وصلت نهايتها المكررة المخيفة واللا إنسانية -ويبدو الحتمية- بجرائم الإبادة الجماعية والإبادة على أساس العرق.
بعد مرور الفترة دي وشوف الناس رأي عين وشهادة واقع، بقى من البداهة وضوح خلاصات ونتائج إستلام الميليشيا لبعض مناطق الدولة وشغلها الدائم على إستلامها كلها (و الإستلام دا الخيار الإتبنتو المليشيا عبر تصريحات قائدها الرسمية والمتكررة بالنصر أو الشهادة)؛ في حال إنو دا حصل ف نحن موعودين بجحيم إبادات جماعية على أساس العرق/المنطقة/الموقف السياسي ، و بالطبع إبادة على أساس الموقف من وجود الميليشيا.
كل مآسي الميليشيا [و إصرارها على تكرار المآسي، و الكذب المتكرر و إنكارها للمآسي دي] في الخمسة شهور الفاتت حوَّلت أسئلة على شاكلة “من أطلق الطلقة الأولى” و زي “هل الجيش عندو إنتهاكات ولا لا”، حولتها لي مماحكات لفظية ساي بتنفع في الجدل بين مثقفين كلاسيكيين، لكن ما بتنفع مع زول تم تشريدو و سحلو و تعذيبو و قتل أعزائو، هنا ال common sense و ال first order intuition و ال ground facts كلها دي أصدقُ أنباءً من الكُتب.
رجوعاً للإقتباس المتفائل في البداية دا، وتحت شعار “موت الجماعة عرس”، في الحقيقة يبدو إنو في ناس كانو دايرين يلغو “احتمال” نجاتنا حسة لي صالح “ضمان” موتنا كلنا بعدين.
كتب علي البدري Ali AlBadri
المصدر
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: على أساس
إقرأ أيضاً:
التربية والوعي أساس لحفظ وتماسك النسيج المجتمعي
في المجتمعات التي تتعرض للاهتزازات الكبرى، لا يكون الخطر الأكبر في ضياع بعض الموارد أو تعثر بعض المؤسسات فحسب، بل في اهتـزاز الوعي نفسه، وفي تراجع المعاني التي كانت تجمع الناس حول قيم مشتركة تحفظ لهم وحدتهم وتماسكهم.
ومن هنا تأتي التربية والوعي لا بوصفهما ملفين ثانويين، بل باعتبارهما الركيزة الأولى في بناء المجتمع وصيانة نسيجه من التشقق والتفكك.
فالمجتمع الذي يفقد بوصلته التربوية، ويضعف فيه الوعي، يصبح أكثر عرضة للفرقة، وأكثر قابلية للاختراق، وأقل قدرة على الصمود أمام الأزمات.
إن التربية الحقيقية ليست مجرد تلقين للمعارف، ولا حشو للأذهان بالمعلومات، بل هي صناعة للإنسان، وصياغة للضمير، وبناء للاتزان الداخلي الذي يجعل الفرد أكثر قدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، وحين تتأسس التربية على القيم الإيمانية والإنسانية الأصيلة، فإنها لا تخرّج أفراداً صالحين فقط، بل تبني مجتمعاً متراحمًا، متعاوناً، قادراً على تجاوز المحن دون أن يفقد هويته أو أخلاقه.
أما الوعي، فهو البصيرة التي تمنع الإنسان من أن يكون أداة في يد غيره، أو ضحية للثقافات المغلوطة والعقائد الباطلة ، أو أسيراً للانفعال اللحظي.
الوعي يعلّم الناس أن ينظروا إلى الأحداث بعقل مفتوح، وأن يفرقوا بين من يريد لهم الخير ومن يوظف آلامهم لمصالحه. وفي أزمنة الفوضى والحروب، يصبح الوعي سلاحاً لا يقل أهمية عن أي وسيلة أخرى، لأنه يحمي المجتمع من الانجرار إلى مؤامرات العدو، ومن الوقوع في فخ الشائعات والحرب الناعمة.
وإذا كانت التربية تُنشئ الإنسان من الداخل، فإن الوعي يحصنه من الخارج. ولذلك فإن بناء النسيج المجتمعي يبدأ من الأسرة أولًا، حيث يتشكل الطفل على معنى الاحترام والمسؤولية والانتماء، ثم تنتقل الرسالة إلى المدرسة، حيث يتسع الأفق وتُصقل الشخصية، ثم إلى المسجد والإعلام والمؤسسات الثقافية، حيث تترسخ القيم وتتحول إلى سلوك عام. وعندما تتكامل هذه المؤسسات في أداء دورها، يصبح المجتمع أكثر قدرة على حماية نفسه بنفسه، وأقل اعتماداً على ردود الأفعال المتأخرة.
وفي السياق اليمني على وجه الخصوص، تزداد أهمية التربية والوعي، لأن المجتمع الذي واجه أعواماً من العدوان والحصار والضغوط لا يحتاج فقط إلى الإغاثة، بل إلى إعادة بناء الإنسان من الداخل. فالصبر الذي أبداه اليمنيون، والكرامة التي حافظوا عليها، والصمود الذي أذهل العالم، كلها تحتاج إلى حاضنة تربوية ووعي راسخ حتى لا تضيع تضحيات الشهداء في ضجيج اللحظة.
إن الأوطان لا تُحفظ بالسلاح وحده، بل تُحفظ أيضاً بالمدرسة، وبالقدوة، وبالخطاب المسؤول، وبالعقل الذي يرفض الانكسار.
ومن أخطر ما يهدد النسيج المجتمعي اليوم أن يتحول الاختلاف إلى عداوة، وأن تصبح التفاصيل الصغيرة سبباً لتفكيك الكبير المشترك.
وهنا تبرز وظيفة التربية الواعية في تعليم الناس أدب الخلاف، وفي غرس ثقافة التعاون رغم التباين، وفي ترسيخ فكرة أن قوة المجتمع لا تأتي من تماثله الكامل، بل من قدرته على إدارة تنوعه دون أن ينقلب إلى صراع. فالمجتمع المتماسك ليس ذلك المجتمع الذي لا يعرف الخلاف، بل الذي يعرف كيف يضبطه، ويمنع تحوله إلى قطيعة أو خصومة مدمرة.
إن الوعي الحقيقي لا يكتفي بكشف الأخطاء، بل يدفع إلى الإصلاح. والتربية الحقيقية لا تكتفي بالتحذير من الانحراف، بل تزرع البديل النظيف، وتفتح للناس أبواب الأمل والعمل. ومن هنا فإن بناء مجتمع متماسك يبدأ من مشروع طويل النفس، يربط بين الإيمان والمعرفة، وبين القيم والسلوك، وبين الحرية والمسؤولية. وحين يشعر الإنسان أن كرامته مصونة، وهويته محترمة، ومستقبله محفوظ، فإنه يكون أكثر استعدادا للعطاء، وأكثر التزاما بالمصلحة العامة، وأكثر وفاءً لمجتمعه ووطنـه.
إن التربية والوعي ليسا ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية لأي أُمّـة تريد أن تبقى. وتحفظ الأجيال من الضياع، ويستعيد المجتمع قدرته على النهوض من جديد.
وفي زمن كثرت فيه الجراح، تظل التربية الصادقة والوعي الصافي هما الطريق الأقرب إلى شفاء النفوس، وحماية الصف، وصون النسيج المجتمعي من كل ما يهدده بالتمزق والانكسار.