الطلب على النفط يتجه للارتفاع.. «أوبك» تحذّر من تحولات عالمية
تاريخ النشر: 13th, November 2025 GMT
توقعت منظمة البلدان المصدرة للبترول “أوبك”، في تقريرها الشهري الصادر اليوم الأربعاء، أن يشهد سوق النفط العالمي توازنًا بين العرض والطلب خلال عام 2026، في تحول لافت بعد تقديرات سابقة رجحت حدوث عجز بالإمدادات.
وأوضحت المنظمة أن تحالف “أوبك+” رفع أهدافه الإنتاجية منذ أبريل بنحو 2.9 مليون برميل يوميًا، ما يعادل حوالي 2.
وأشارت أوبك إلى أن إنتاج التحالف تراجع في أكتوبر بمقدار 73 ألف برميل يوميًا ليصل إلى 43.02 مليون برميل، رغم الاتفاق المسبق على زيادة الإنتاج.
وبحسب التقديرات، سيبلغ الطلب المتوقع على خام “أوبك+” في 2026 نحو 43 مليون برميل يوميًا، ما يشير إلى فائض طفيف قدره 20 ألف برميل يوميًا إذا استمر التحالف في الإنتاج بالمعدل الحالي، مقارنة بتوقعات الشهر الماضي التي رجحت عجزًا بواقع 50 ألف برميل يوميًا، وتقديرات سبتمبر التي أشارت إلى نقص يبلغ 700 ألف برميل يوميًا.
وحافظت أوبك على توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في 2025 عند 1.30 مليون برميل يوميًا، وثبّتت تقديراتها لنمو الطلب في 2026 عند 1.38 مليون برميل يوميًا.
وتوقعت أن يصل متوسط الطلب العالمي على خام “أوبك+” إلى 43 مليون برميل يوميًا في 2026، بانخفاض قدره 100 ألف برميل عن التقديرات السابقة، مع توقع زيادة عالمية في إجمالي الطاقة بنسبة 23% بحلول عام 2050، ليبلغ الطلب على النفط نحو 123 مليون برميل يوميًا مقارنة بالمستويات الحالية.
وفي سياق متصل، أعادت الوكالة الدولية للطاقة تقييم توقعاتها لمستقبل النفط، مشيرة إلى تباطؤ وتيرة التحول نحو المركبات الكهربائية، متوقعة نمو الاستهلاك العالمي للنفط بنسبة 13% بحلول عام 2050، ليصل إلى 113 مليون برميل يوميًا، مقارنة بحوالي 100 مليون حاليًا.
وأوضح المدير التنفيذي للوكالة، فاتح بيرول، أن هذا التغير يعكس زيادة الشكوك السياسية والاقتصادية في قطاع الطاقة، نافياً أن يكون ناتجًا عن ضغوط أمريكية، ومؤكدًا على ضرورة الاستعداد لمواجهة مجموعة غير مسبوقة من المخاطر التي تهدد أمن الطاقة العالمي، بما في ذلك العقوبات، والغموض حول إمدادات الغاز الروسي، والهجمات الإلكترونية على البنية التحتية للكهرباء.
واعتبرت أوبك هذا التقييم الجديد إيجابيًا، معتبرة أن التحذيرات السابقة للوكالة الدولية للطاقة بشأن ذروة النفط كانت مبالغًا فيها.
ويشير التقرير إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى حوالي 90 دولارًا للبرميل بحلول 2035 مع الحاجة إلى نحو 25 مليون برميل يوميًا من المشاريع الجديدة، بما فيها الإمدادات من المنتجين الخاضعين للعقوبات، لكنه حذر من تداعيات بيئية كبيرة، إذ قد يؤدي هذا السيناريو إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى حوالي 3 درجات مئوية بنهاية القرن، مقارنة بمستوى 2.5 درجة في المسار البديل.
ويحمل هذا التقرير إشارات قوية للأسواق العالمية، حيث يعكس تحولًا في سياسات العرض والطلب، ويؤكد الحاجة إلى استراتيجيات طاقة مرنة توازن بين الأمن الطاقي والتنمية الاقتصادية والاستدامة البيئية.
المصدر
المصدر: عين ليبيا
كلمات دلالية: أسعار النفط أوبك الاقتصاد العالمي النفط العالمي ملیون برمیل یومی ا ألف برمیل یومی ا
إقرأ أيضاً:
تحولات الشهرة في العصر الرقمي
د. هبة العطار
مُنذُ أن تحوَّل العالم إلى شاشاتٍ صغيرة نحملها بين أيدينا، لم تعد وسائل التواصل مجرد أدوات للاتصال أو الترفيه؛ بل أصبحت مساحات لإعادة تشكيل الوعي الإنساني وأنماط الحضور الاجتماعي، وتغيَّرت معها علاقة الإنسان بالصورة وبنفسه داخل الفضاء العام الرقمي، حتى أصبح الظهور جزءًا من الحياة اليومية لا حدثا استثنائيا مرتبطا بالمشاهير وحدهم.
في ظل هذا التدفق الرقمي المتسارع، لا تكتفي المنصات بنقل المحتوى وحسب، وإنما تشارك في إنتاجه وتوجيه انتشاره، وتحديد ما يظهر وما يختفي داخل بيئة تعتمد على السرعة والتكثيف، ومع هذا التحول أضحى النظر إليها بوصفها أدوات ترفيه وفضاءات ثقافية تُعيد صياغة الذوق العام وأنماط التأثير داخل المجتمع الحديث.
منصة TikTok الشهيرة تحولت من مجرد مساحة رقمية عابرة إلى ظاهرة إعلامية وثقافية أعادت تعريف مفهوم الشهرة وصناعة المحتوى، ومن هنا بات السؤال الحقيقي كيف أعاد هذا الفضاء الرقمي تشكيل علاقتنا بالشهرة والانتباه والتأثير والهوية الإنسانية ذاتها، بغض النظر عن مدى إيجابيات أو سلبيات هذه المنصة؟!
لقد أحدثت منصة TikTok تحولًا عميقًا في فكرة "النجم" كما عرفته الأجيال السابقة؛ ففي الماضي كانت النجومية تمُر عبر أبواب مغلقة تتحكم فيها المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية، أما اليوم فقد أصبح الظهور أكثر انفتاحًا؛ حيث يستطيع شاب يُغني من غرفته الصغيرة، أو فتاة تقدم محتوى معرفيًا عبر هاتف بسيط، أن تصل إلى جمهور واسع في غضون ساعات قليلة. وهكذا ظهرت نماذج جديدة من المؤثِّرين وصُنَّاع المحتوى الذين لم تمنحهم المؤسسات التقليدية فرصة حقيقية للظهور، لكن الجمهور والخوارزمية معًا أعادا اكتشافهم، ولم تعد الشهرة مرتبطة فقط بالإمكانات المادية أو النفوذ الإعلامي؛ بل أصبحت مرتبطة بقدرة الشخص على جذب الانتباه وصناعة القرب الإنساني وتقديم محتوى يلامس اهتمامات الناس ومشاعرهم اليومية.
لقد تحولت الخوارزمية إلى ما يُشبه "حارس بوابة" جديدًا، يُقرِّر من يظهر ومن يختفي، لكنها تختلف عن الحارس التقليدي في أنها لا تسأل عن الشهادات أو المكانة الاجتماعية بقدر ما تسأل عن القدرة على إيقاف الجمهور ولو لثوانٍ قليلة وسط هذا التدفق الهائل للمحتوى.
وقد قدمت المنصة نماذج إيجابية حقيقية تستحق التأمل والدراسة، إذ برز أطباء ومتخصصون نفسيون وصناع معرفة نجحوا في تبسيط المعلومات وتقديم محتوى توعوي سريع يناسب طبيعة العصر الرقمي وإيقاعه المتسارع، كما ظهرت مبادرات إنسانية ومحتويات داعمة للصحة النفسية، وأصبح بعض الشباب يستخدمون المنصة لنشر رسائل اجتماعية وثقافية تعزز قيم التسامح والتطوير الذاتي والتواصل الإنساني.
ومن اللافت أن كثيرًا من هذه النماذج اعتمدت على العفوية والبساطة أكثر من اعتمادها على الإنتاج الضخم أو الإمكانات الاحترافية، وهو ما خلق نوعا جديدا من العلاقة بين الجمهور وصانع المحتوى، علاقة تقوم على الإحساس بالقرب والتشابه والمشاركة اليومية، لا على المسافة التقليدية التي كانت تفصل المشاهير عن الناس.
غير أن الوجه الآخر للمنصة يكشف عن إشكاليات لا يمكن تجاهلها؛ إذ ظهرت أنماط من المحتوى تقوم على الإثارة الرخيصة والاستعراض المُبالَغ فيه والبحث المحموم عن المشاهدات بأي وسيلة مُمكِنة، فبعض الحسابات تبني انتشارها على افتعال الجدل والصراعات الفكرية أو الدينية، أو تغذية التعصب والكراهية، أو تقديم محتوى قائم على الاستفزاز والصدمات السريعة التي تضمن التفاعل ولو على حساب القيم والمعنى.
هنا لا تبدو المشكلة في التكنولوجيا ذاتها؛ بل في طبيعة البيئة الرقمية التي تُكافئ أحيانًا المحتوى الأكثر إثارةً وصخبًا أكثر من المحتوى الأكثر عمقًا واتزانًا، مما يدفع بعض المستخدمين إلى المبالغة والتطرف من أجل البقاء داخل دائرة الضوء.
وفي هذا السياق، برز ما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"؛ بوصفه أحد أهم ملامح البيئة الرقمية المعاصرة، ففي عالم تتزاحم فيه الرسائل والصور والمقاطع بلا توقف، أصبح الانتباه ذاته موردًا بالغ القيمة تتنافس عليه المنصات وصناع المحتوى والمعلنون، وتُبنى عليه معدلات الانتشار والتأثير والعوائد الاقتصادية، ومع الاعتياد على الانتقال المستمر بين الصور والأصوات والمثيرات البصرية في ثوان معدودة، يُثار تساؤل مهم حول قدرة الإنسان المعاصر على الاحتفاظ بالتركيز العميق والتأمل الطويل في عالم يتسارع إيقاعه بصورة غير مسبوقة.
ومع ذلك قد يكون من الخطأ النظر إلى TikTok باعتبارها السبب الوحيد لهذه التحولات، فهي- أي المنصة- لا تخلق الرغبة في الشهرة أو البحث عن الاعتراف من العدم، بقدر ما تمنحها فضاءً أوسع للظهور والتضخم، ومن ثم تبدو المنصة أقرب إلى مرآة رقمية تعكس ما يفضله المجتمع وما يتفاعل معه، بقدر ما تؤثر فيه وتعيد تشكيله، لتصبح مسؤولية المحتوى مسؤولية مشتركة بين الخوارزمية وصانع المحتوى والجمهور على حد سواء.
إنَّ TikTok أكثر من مجرد منصة للترفيه السريع؛ فهي انعكاس واضح لتحولات الإنسان المعاصر وطريقته المستمرة في البحث عن الحضور والتأثير والاعتراف داخل العالم الرقمي، ورغم ما تُتيحه من فرص واسعة للتعبير والظهور، وما تُثيره من تحديات تتعلق بطبيعة الانتباه وقيمة المحتوى في عصر السرعة، تبقى الحقيقة الأهم أن المنصات قد تمنح الضوء والانتشار، لكنها لا تصنع وحدها المعنى؛ فالقيمة الحقيقية ليست في عدد من يشاهدوننا، وإنما في الأثر الذي يبقى بعد أن ينتهي المشهد ويُغلق الجميع شاشاتهم.
رابط مختصر